و لربما كانت هذه من بين الأسباب التي حدت بابن خلدون إلى عدم تصنيف أصوليي المالكية ضمن فئة المتكلمين، بل ولا حتى ضمن فئة الفقهاء، وهذا ما لاحظه عليه الدكتور عبد المجيد تركي محقق كتاب إحكام الفصول، مقترحا تعديل تصنيف ابن خلدون هذا «اعتبارا بالباجي المالكي على الأقل، الذي وإن كان متكلما حاذقا على طريقة الأشاعرة، فطريقته في إحكام الفصول مثلا، تبدو لنا أقرب إلى طريقة الفقهاء منها إلى طريقة المتكلمين» 1.
لقد اغتنم الباجي حديثه عن القياس ليقارن بين قياس الفقهاء وقياس الفلسفة والفلاسفة، فهاجم الفلسفة والمنطق هجوما عنيفا، مبديا أسفه لاضطراره لذكر الفلاسفة في كتابه، وما كان ليفعل ذلك «لو لا من يعتني بجهالاتهم من الأغمار والأحداث» هؤلاء المغمورون والمبتدئون الذين اغتروا بالفلسفة و «عدلوا عن قراءة الشرائع والكتاب والسنن، إلى قراءة الجهالات من المنطق» ونلاحظ هنا أنه ندد بجانب من المنطق لا كله وهو ما وصفه بالجهالات من المنطق، الشيء الذي جعله يصب جام غضبه على المنشغلين بها من المغمورين والمبتدئين الذين «اعتقدوا صحتها وعولوا على متضمنها، دون أن يقرأوا أقوال خصومهم من أهل الشرائع الذين أحكموا هذا الباب وحققوا معانيه، ولم يفته بهذه المناسبة أن يصب جام غضبه كذلك على رموز هذا المجال الفلسفي، لأنهم فرسان هذه الجهالات، بحيث أصبحوا يمثلون لهؤلاء الأغمار والأحداث قدوتهم وعدتهم: الملحدة مثل الكندي والرازي وغيرهما، الذين يترجمون كتبهم بأقوال تغر من لا علم له بكتبهم وأقوالهم ومذاهبهم» 2.
إن هذا الهجوم العنيف على الفلسفة والمتعاطين لها، وعلى بعض جهالات المنطق من قبل أبي الوليد الباجي، ضمن كتاب أصولي هو إحكام الفصول في أحكام الأصول، هو الذي يفسر لنا إخلاءه لكتبه الأصولية من