الإسراع بوضع قواعد موحدة للاجتهاد والاستنباط، فقد طلب عبد الرحمن بن مهدي من الشافعي أن يضع له كتابا يبين فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجية الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب «الرسالة» .
كما أن إلحاح علي بن المديني (ت 234 هـ) على الإمام الشافعي بضرورة الإسراع بالإجابة يدل على مدى الانشغال العام بهذه القضية، يقول علي بن المديني «قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك، يسألك وهو متشوق إلى جوابك، قال: فأجابه الشافعي وهو كتاب الرسالة الذي كتبت عنه بالعراق» 1.
لقد كان إذن وضع وتدوين القواعد الأصولية، لضبط عملية الاجتهاد والاستنباط وتوحيد قواعدها، شغلا شاغلا لجميع العلماء من فقهاء ومحدثين ولغويين ... خصوصا بعد ما لاحظوه من توسع في جمع الحديث والسنن، فضلا عن «دخول الدخيل في لسان العرب، وامتزاج اللغة بلغة الأعاجم، وضعف المدارك عن فهم مقاصد الشريعة بسبب ذلك» 2.
و يلخص الأمام فخر الدين الرازي المجهود الذي قام به الإمام الشافعي لسد هذا الفراغ، بقوله: «الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وتجريحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع» 3.
و لعل المراسلات التي جرت بين كل من الإمام مالك من جهة، والليث بن سعد (94 هـ-175 م) من جهة أخرى، تبين لنا مدى حاجة الناس عموما والعلماء خصوصا، في الحقبة التي سبقت تدوين علم الأصول إلى