كان من أوائل من صنفوا في هذا الاتجاه عبد الله بن مسلم بن قتيبة (213 هـ-276) .
ففي كتابه «تأويل مشكل القرآن» يبين الحملة التي كان يتعرض لها القرآن الكريم وكيف انتدب نفسه للتصدي لها بكتابه هذا، وذلك بقوله: «و قد اعترض كتاب اللّه بالطعن ملحدون، وألغوا فيه وهجروا، واتبعواما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ اَلْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] بأفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر مدخول.
فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه (أي حكموا على القرآن) بالتناقض، والاستحالة، واللحن، وفساد النظم، والاختلاف ... فأحببت أن أنضح عن كتاب اللّه وأرمي من ورائه بالحجج النيرة والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون» 1.
أما في كتابه «تأويل مختلف الحديث» ، فإنه يدافع عن دعوى التناقض بين الأحاديث التي حمل لواءها متشككون كثر في هذه الحقبة الزمنية الحرجة، ولعل ابن قتيبة اشتهر بالمنافحة عن القرآن والسنّة وأهلها، لدرجة أصبح الناس يلجأون إليه لاستنفاره متى اشتد الخطب عليهم، وهذا ما يشير إليه في مقدمة الكتاب بقوله: « ... كتبت إلى تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهل الحديث وامتهانهم، وإسهابهم في الكتب بذمهم، ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض» ثم يلفت الانتباه إلى خطورة المعركة لأنها تتعلق بالأصول ذاتها لا بمجرد الفروع، وذلك بقوله: «و لو كان اختلافهم في الفروع والسنن لا تسع لهم العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم مع ما يدعونه لأنفسهم، كما اتسع لأهل الفقه ... » 2.
لقد استمر هذا الاتجاه الدراسي في الكتب الأصولية المفردة، للدفاع والحجاج عن القرآن والسنّة كمصدرين للتشريع، وخاصة في فترات ازدهار علم الكلام.
وفي هذا المجال نجد كتاب «مشكل الحديث وبيانه» لأبي بكر بن فورك (ت 406 هـ) ، الذي تصدى لشبه «الجهمية والمعتزلة والخوارج