«سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يقال له المجاز» (4) . وهذان النصان يؤيدان ما نذهب اليه أن لا علاقة لمجاز أبي عبيدة بالمجاز الصطلاحي، حتى قال محققه الدكتور سزكين: «ومهما كان من أمر فإن ابا عبيدة يستعمل في تفسيره للآيات هذه الكلمات: «مجاز» كذا» و «تفسير كذا» و «معناه كذا» و «وغريبه» و «تقديره» و «تأوليه» على أن معانيها واحدة أو تكاد.
ومعنى هذا أن كلمة «المجاز عنده عبارة عن الطريق التي يسلكها
(1) ظ: الخوئي، معجم رجال الحديث: 1/ 32.
(2) ظ: ابن النديم، الفهرست: 52.
(3) ابن خير، الفهرست: 134.
(4) الزبيدي، طبقات النحويين:125.
القرآن في تعبيراته، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة لكلمة المجاز» (1) .
ولا أدلّ على هذا المذهب من قول أبي عبيدة نفسه وهو بإزاء تحرير مجاز القرأن «وفي القرآن ما في الكلام العربي من وجوه الأعراب، ومن الغريب والمعاني» (2) .
فهو بصدد هذا الملحظ الذي ذكره، وإن اشتمل مجموع ما أفاضه «مجاز القرآن» على جملة من أنواع المجاز الاصطلاحي، ولكنه إنما يقصد بالمجاز معناه اللغوي، وقد يقصد به أحيانا: الميزان الصرفي، وقد يعني به نحو العرب وطريقتهم في التفسير والتعبير، وهو الأعم الأغلب في مراده.
وبعد هذا «نستطيع ـ مطمئنين ـ ان نقرر أن كلمة «مجاز» إنما هي تسمية لغوية تعني التفسير، فالمعرفة بأساليب العرب، ودلالات ألفاظها، ومعاني أشعارها، وأوزان ألفاظها، ووجوه إعرابها، وطريق قراءاتها، كل ذلك سبيل موصلة الى المعنى، فمجاز القرآن يقصد أبو عبيدة به «المعبر» الى فهمه، فالتسمية لغوية وليست إصطلاحية» (3) .
ومهما يكن من أمر فقد عالج ابو عبيدة في «مجاز القرآن» كيفية التوصل الى فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في كلامهم وسننهم في وسائل الإبانة عن المعاني، ولم يعن بالمجاز ما هو قسيم للحقيقة، وإنما عني بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية (4) .
وكان سبيل أبي عبيدة في مجاز القرآن نفسه سبيل معاصره أبي زكريا الفرّاء (ت: 207 هـ) في «معاني القرآن» وجزءا من سبيل إبن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن» في حدود معينة، لأن كتاب ابن قتيبة (ت: 276 هـ) قد اشتمل على مباحث مجازية مهمة، كما سنشاهد هذا في مرحلة التأصيل، اذ عقد للمجاز ـ بمعناه العام حينا وبمعناه الاصطلاحي الدقيق
(1) فؤاد سزكين، مجاز القرآن، المقدمة: 1/ 18.
(2) أبو عبيدة، مجاز القرآن: 1/ 8.
(3) مصطفى الصاوي الجويني، مناهج في التفسير: 77.
(4) ظ: أحمد مطلوب، فنون بلاغية: 92.
حينا آخر ـ بابا خاصا تناول فيه فصولا من المأهول المجازي في الاستعارة والمجاز والتمثيل (1) .
والذي يبدو لي من تعقب هذه الحقبة أن الاتجاه المنظور اليه لدى العلماء في مصنفاتهم التي أوردناها كان البحث المنظّم والمفهرس في غريب القرآن، ومعانيه اللغوية، وشوارده العربية، ولم يكن لمجاز القرآن ولا لمعاينه بالاصطلاح البلاغي فيها أي إرادة مسبقة، وإن وردت بعض الإشارات البلاغية بإطارها العام مما لا بد منه في إيضاح المعنى اللغوي فالبلاغة جزء من علم اللغة.
2 ـ مجاز القرآن بإطاره البلاغي العام:
يبدو أن الجاحظ (ت: 255 هـ) هو أول من استعمل المجاز للدلالة على جميع الصور البيانية تارة، أو على المعنى المقابل للحقيقة تارة أخرى، بل على معالم الصورة الفنية المستخلصة من اقتران الألفاظ بالمعاني، فهو كمعاصريه يعبر عن جمهرة الفنون البلاغية كالاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز نفسه، يعبر عنها جميعا بالمجاز، ويتضح هذا جليا في أغلب استعمالات الجاحظ البلاغية التي يطلق عليها اسم المجاز، وقد انسحب هذا على المجاز القرآني لديه (2) .
ويعلل هذا التواضع عند الجاحظ ومعاصريه بأمرين:
الأول: إرجاع صنوف البيان العربي وتفريعاته الى الأصل، وهو عندهم: المجاز بمعناه الواسع.
(يُتْبَعُ)