(5) توفي ظهر الأربعاء: 9/ 3/1966م عن واحد وسبعين عاما. وكان آخر لقائنا به في بغداد بتاريخ: 11/ 2/1966م حينما اشتركنا معا في مهرجان تأبين علامة العراق الشيخ محمد رضا الشبيبي في جامع براثا ببغداد.
وهناك لمحات مجازية عند السيد المرتضى (ت: 436 هـ) في أماليه (غرر الفوائد ودرر القلائد) وعند أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: 406 هـ) في التبيان، وعند أبي علي الطبرسي (ت: 548 هـ) في مجمع البيان، وعند فخر الدين الرازي (ت: 606 هـ) في مفاتيح الغيب، وعند أمثالهم من الأكابر، ولكنها لا تشكل عملا مجازيا تكامليا كما هي الحال في الكشاف.
وأما الحديث عن ابن رشيق (ت: 463 هـ) في العمدة، وابن سنان (ت: 466 هـ) في سر الفصاحة، وابن الزملكاني (ت: 651 هـ) في كل من البرهان والتبيان، وابن أبي الأصبع (ت: 654 هـ) في بديع القرآن، وابن الأثير (ت: 637 هـ) في المثل السائر، وسليمان بن علي الطوفي البغدادي (ت: 716 هـ) في الأكسير في علم التفسير، وشهاب الدين محمود الحلبي (ت: 725 هـ) في حسن التوسل، ويحيى بن حمزة العلوي (ت: 749 هـ) في الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، وبدر الدين الزركشي (ت: 794 هـ) في البرهان، وجلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ) في الاتقان. وأمثالهم من فطاحل البلاغيين والنقاد القدامى والتراثيين، فلهم في المجاز نظرات متفاوتة، إلا أن الملحظ لديهم الاستناد على أساس متين منه وهو مجاز القرآن، ولكنهم لم يكتبوا فيه كتابا قائما بذاته، أو جهدا موسوعيا كمن أسلفنا، بل جاء جزءا من كل، وتقاطيع في أبواب، لذا أشرنا إليهم، وستجد جملة من آراء بعضهم في الكتاب.
وهنا يجب أن نشير الى حقيقة مؤكدة هي أن كلا من أبي يعقوب السكاكي (ت: 626 هـ) والخطيب القزويني (ت: 739 هـ) وسعد الدين التفتازاني (ت: 791 هـ) وأضرابهم من علماء البلاغة كالسبكي والطيبي، قد كرسوا جهودهم التطبيقية في الحديث عن المجاز في البيان العربي على التمثل والاستشهاد والتنظير أولا بأول ـ بآيات المجاز في القرآن، فكان ذلك دون شك: سراجهم الهادي ودليلهم الأمين.
ولا بد لي من الإشارة الهادفة الى ما قدمه أبو حيان، أثير الدين، محمد بن يوسف الأندلسي (ت: 754 هـ) في تفسيره: (البحر المحيط) من جهد متميز يقتفي فيه آثار الشريف الرضي والزمخشري في تتبع اللمسات
البلاغية في القرآن، والتأكيد على المجاز فنا بيانيا، وبذلك فهو مشارك مشاركة جيدة في هذا المضمار دون ابتكار أو تزيد فيما يبدوا لي.
4 ـ مجاز القرآن في دراسات المحدثين
كان لتعيين استاذنا العلامة الشيخ أمين الخولي رحمه الله (1) أستاذا للدراسات القرآنية والبلاغية والنقدية في كلية الآداب في الجامعة المصرية في أواخر الربع الأول من القرن العشرين، كان له أثره الجليل في قلب المفاهيم التدرسية، ونقد المناهج العلمية، وتجديد الأساليب التفسيرية والبلاغية. كان ذلك إيذانا بحياة قرآنية في الجامعة لا عهد لها بها، وكان صاحبنا ذا منهج محدد يتحدث هو عنه: «فدخلت ميدان التجديد الأول، على خبرة به، ورأي ثابت عنه، وخطة بينة فيه، أدرت عليها عملي في درس البلاغة. وسواها. . . طفقت أتعرف معالم الدراسة الفنية الحديثة بعامة، والأدبي منها بخاصة، وأرجع الى كل ما يجدي في ذلك، من عمل الغربيين وكتبهم، واوازن بينه وبين صنيع اسلافنا، وأبناء عصرنا في هذا كله. . . . وكانت نظرتي الى القديم ـ تلك النظرة غير اليائسة ـ دافعة الى التأمل الناقد فيه، والى العناية بتأريخ هذه البلاغة، أسأله عن خطوات سيرها، ومتحرجات طريقها، أستعين بذلك على تبين عقدها، وتفهم مشكلاتها، ومعرفة أوجه الحاجة الى الإصلاح فيها. . . وبذلك كانت الطريقة التأريخية، مع الأستفادة بالحديث: منهج درسي للبلاغة في الجامعة. . مضيت في هذا الدرس المتأني، أمس مسائل البلاغة مسا رفيقا جريئا معًا، أقابل فيه القديم بالجديد، فأنقد القديم وأنفي غثه، وأضم سمينه الى صالح
(يُتْبَعُ)