وأما المجاز اللغوي فلا يختلف إثنان بأنه الأصل الموضوعي للمجاز؛ ولما كان المجاز اللغوي ـ كما أسلفنا ـ ذا فرعين في التقسيم البلاغي، لأن مجاله رحاب اللغة في مرونة الاستعمال، وصلاحيتها في الانتقال من معنى مع وجود القرينة الدالة على المعنى الجديد لوجود المناسبة بينه وبينها، وتوافر الصلة بين المعنى الأولي والمعنى الثانوي، فأن كانت العلاقة المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي؛ فهو الاستعارة. ولا حديث لنا معها إلا لماما لأن التفريق الدقيق يقتضي رصدها بمفردها، لأنه حقيقة بذاتها، فهي استعارة وكفى، وإن لم يكن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي المشابهة؛ فهو المجاز المرسل، وحديثنا عن المجاز اللغوي حديث عنه، وحديثنا عن المجاز القرآني سيكون مقتصرا عليه وعلى المجاز العقلي. لأننا قد وجدنا القرآن بحق قد استوعب نوعي المجاز العقلي واللغوي لدى التنظير، أو عندما تستخرج جواهرها من بحره المحيط.
وسنقف عند هذين النوعين وقفة الراصد المتأني، بعد أن نعطي صورة واضحة بقدر المستطاع عن الخصائص الفنية في مجاز القرآن بعامة.
(1) التفتازاني، المطول: 54.
الفصل الثالث
مجاز القرآن وخصائصه الفنية
1 ـ خصائص المجاز الفنية
2 ـ الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن
3 ـ الخصائص النفسية في مجاز القرآن
4 ـ الخصائص العقلية في مجاز القرآن
1 ـ خصائص المجاز الفنية
لاشك أن اللغة العربية الفصحى تتمتع بخصائص ومزايا بلاغية متعددة، تتمثل بالمعاني تارة، وإن حملنا المعاين على معاني النحو بخاصة، وبالبيان العربي تارة أخرى، ونريد به أركانه الكبرى كما سيأتي، وبجرس الألفاظ ومصطلحات البديع والمحسنات لفظية ومعنوية أحيانا إلا أن علم البيان بأركانه الأربعة: المجاز، التشبيه، الاستعارة، الكناية هو ملتقى هذه الخصائص، وعماد تلك المزايا.
فالمجاز بقسمة: العقلي واللغوي. والتشبيه بأسسه: المشبه، المشبه به، وجه الشبه، أداة التشبيه. والاستعارة بأصول الشبه الاستعاري: الحسيين، العقليين، الحسي في المشبه والعقلي في المشبه به، وبالعكس، مضافا الى أقسام الاستعارة، التمثلية، والتصريحة، والمكنية والأصلية، والتبعية،. . . الخ.
والكناية بتعبيرها المهذب، في أقسامها كافة، كناية الصفة، كناية الموصوف، كناية النسبة، وبأرتباطها الفني والبلاغي في كل من التعريض والرمز.
هذه المفردات والتوابع والفروع والأقسام والأصناف المتشبعة المتطاولة، لو أردنا رطها واحد متميز، ولو حاولنا حصرها بفن من الفنون لكان ذلك المجاز بل المجاز وحده، إذ يصح إطلاقه ـ بإطاره العام ـ عليها، كما هي الحال عند الرواد من الأعلام لذلك فالمجاز يحتل الصدارة في إطار هذه الفنون، ويشكل الظل المكثف في أفياء هذه الخيمة البلاغية، حتى ليصح لنا أن نسمي لغتنا العربية بلغة المجاز بالمعنى الذي أشار إليه المرحوم الأستاذ العقاد بقوله: «اللغة العربية لغة المجاز،
لا لأنها تستعمل المجاز، فكثير من اللغات تستعمل المجاز كما تستعمله اللغة العربية، ولكن اللغة العربية تسمى لغة المجاز لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة الى المعاني المجردة، فيستمع العربي الى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها الى المقصود من معناه» (1) .
(يُتْبَعُ)