فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 188

تاريخ المولد:

1163 هـ - 1750 م

تاريخ الوفاة:

1237 هـ - 1822 م

صفة الشخصية:

أعلام أخري

اسم الشخصية:

عمر مكرم السيد حسين

ألقاب:

بطل المقاومة الشعبية - زعيم مصر الأول - العالم المناضل - السيد عمر النقيب

نبذة عن الشخصية:

عمر مكرم السيد حسين، ولد في مدينة أسيوط من أسرة شريفة تنسب إلى البيت النبوي الكريم، وكانت مدينة أسيوط منشأ طفولته، ولما أينع صباه واكتمل شبابه أو كاد ارتحل إلى القاهرة، والتحق بالأزهر يطلب العلم، وتلقي عن أشياخ عصره علوم الفقه والدين، غير أنه لم يشتغل بالتدريس في الأزهر بل انصرف إلى الحياة يتكسب من نظارته على الأوقاف، تولى نقابة الأشراف مرتين الأولى في الفترة الواقعة بين عامي (1208 - 1213هـ/1793 - 1798م) ، والثانية في الفترة بين عامي (1216 - 1224 هـ/1801 - 1809م) ، وقد تميزت حياة عمر مكرم بالجهاد المستمر ضد الاحتلال الأجنبي، والنضال المستمر ضد استبداد الولاة وظلمهم، وقد انتهى به الحال بالنفي خارج القاهرة مرتين: الأولى عام 1224هـ/ 1809م والثانية عام (1237هـ/1822م) ، لكن الموت كان في انتظار الزعيم الكبير حيث توفي في نفس العام بعد أن عاش آلام الشعب، وتحمل الكثير من أجل مبادئه.

المولد والنشأة:

ولد في مدينة أسيوط من أسرة شريفة تنسب إلى البيت النبوي الكريم، ولم يصل أحد المؤرخين أو الباحثين إلى تحديد سنة معينة لمولده في يقين جازم ولكن الرأي الغالب أنه ولد حوالي منتصف القرن الثامن عشر أي عام (1163 هـ/1750م) تقريبًا، وكانت مدينة أسيوط منشأ طفولته، ولما أينع صباه واكتمل شبابه أو كاد ارتحل إلي القاهرة، ليلتحق بالأزهر يطلب العلم، ويتلقى عن أشياخ عصره علوم الفقه والدين.

الحياة العلمية والثقافية:

رحل عمر مكرم إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر يطلب العلم، وحصل على قسط وافر من العلوم التي كانت معروفة في مصر في عصره، وكانت له عناية بالقراءة في كتب الدين والفقه؛ واقتنى مكتبة زاخرة بالمؤلفات لا يزال جزء منها محفوظًا في دار الكتب المصرية في القاهرة يحمل اسمه، وله سجل خاص, غير أنه كان ميالًا إلى الانصراف للحياة العامة، ولهذا لم يشتغل بالتدريس في الأزهر كما كانت عادة معظم علماء عصره، ولم يتفرغ لتأليف ولا لتصنيف، إذ كان استعداده العقلي والنفسي يميل به نحو السياسة والاهتمام بأمور المجتمع المصري، ولهذا لم يكن معروفًا في وقته باللقب الذي اعتاد الناس أن يلقبوا به مشايخ الأزهر وهو لقب"الشيخ"، بل كان معروفًا بلقب"السيد"،ويلاحظ أن لقب السيد كان يطلق - وقتذاك - تبعًا للعرف والتقاليد علي من ينتسب إلى الشجرة النبوية الشريفة. وكان يلقب حينًا آخر السيد عمر أفندي مكرم الأسيوطي. وحينًا ثالثًا السيد عمر أفندي الأسيوطي, وفي الأخير نقيب الأشراف.

بعد وفاة الشيخ محمد البكري نقيب الأشراف وشيخ سجادة البكرية، في (18ربيع الآخر 1208هـ/23نوفمبر1793م) ، تدخل إبراهيم بك ومراد بك وأمرا بتعيين السيد عمر مكرم نقيبًا للأشراف. ومما لا ريب فيه أن اسم عمر مكرم قد ازداد ذيوعًا في البلاد بعد تعيينه نقيبًا للأشراف؛ لأن هذا المنصب كان من المناصب الكبرى وبخاصة في مجتمع ديني كان الطابع المميز للحياة في مصر, واجتمع لعمر مكرم من مهابة المنصب وقوة شخصيته وطموحه ما جعله يتبوأ بعد حين مكانًا عليًا بين رجالات مصر، يلتصق بالشعب، وتلتحم حياته بالأحداث السياسية التي تعاقبت على البلاد في مطلع القرن (الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي) , وأصبح بحكم منصبه يشترك في ديوان الباشا ويكون في مقدمة المدعوين إلى الحفلات الرسمية كاستقبال الباشا الجديد أو الاحتفالات العامة مثل"عيد وفاء النيل", كما كان ينظم الاحتفالات الدينية الكبرى كالمولد النبوي الشريف ومولد الإمام الحسين وليلة الصيام وغير ذلك من احتفالات دينية , وكان يشرف على أملاك نقابة الأشراف وإدارة أوقافها وصرف المرتبات والخيرات لمستحقيها وينظر في قضايا الأشراف وتظلماتهم كما كان يحتفظ بجداول العائلات التي كانت هناك حاجة لها لتحديد أصل من يطلبون إثبات نسبهم الشريف, كما كان يرتب دفع المخصصات المستحقة لهم، وكذلك كان يعتمد عليه في الأنشطة الدينية، مثل إصلاح المساجد، وبنائها، وغير ذلك من المسائل التي تقع في اختصاصات النقيب.

الوظائف التي تولاها:

تولى عمر مكرم نقابة الأشراف مرتين:

-الأولى من 18ربيع الآخر 1208هـ/23 نوفمبر1793م حتى ربيع الأول 1213هـ/أغسطس 1798م.

-الثانية من ربيع الآخر1216هـ/أغسطس 1801م حتى 27 جمادى الآخرة 1224هـ/10أغسطس1809م.

أهم الأنشطة الاجتماعية والسياسية:

استهل عمر مكرم حياته السياسية في عام (24شوال 1205هـ/26يونيو1791م) ، وذلك بعد رجوع القائد التركي حسن باشا الجزائري إلى بلاده مع جيشه الذي أتى به لتأديب إبراهيم بك ومراد بك، فان حزب الأمراء الذي كان يحكم البلاد تحت جناح القائد التركي المنتصر لم يستطع المحافظة على السلطة بعد خروج حاميته الذي كان يعززه بقوة جيشه، وانتهز مراد وإبراهيم هذه الفرصة، فأرسلا من قبلهما رسولًا يفاوض الحكومة القائمة في أن يعودوا إلى القاهرة ويشتركا في الحكم، وكان رسولهما هو السيد عمر مكرم، وكان قد اتصل بالأميرين في مدة وجودهما في الصعيد، فاختاراه ليؤدي عنهما تلك الرسالة لما توسما فيه من المقدرة والنفوذ, فأقام في القاهرة يومين اثنين تمكن فيهما من تمهيد السبيل لعودة صديقيه إلى الحكم كما أنه اتصل في أثناء هذه المدة القصيرة بكثير من الأمراء والمشايخ، وكان مسعاه في هذا السبيل من أكبر ما سهل رجوع الحكم إلى إبراهيم بك ومراد بك.

كما اشترك عمر مكرم في الحركة الشعبية التي قامت في منتصف عام (1209هـ/1795م) ، ضد جور الأميرين المملوكين إبراهيم بك ومراد بك وأقرانهما من الأمراء المماليك، فقد أسرف محمد الألفي في فرض الضرائب الجزافية على سكان إحدى القرى القريبة من بلبيس عاصمة مديرية الشرقية في ذلك الوقت, وكان للشيخ عبد الله الشرقاوي - شيخ الجامع الأزهر وقتذاك - حصة في أرض تلك القرية؛ فاستغاث به أهلها، واتصل الشيخ الشرقاوي بإبراهيم بك ومراد بك لوقف هذه المظالم ولكنهما أعرضا عنه، وثارت ثائرة الشيخ الشرقاوي وعزم على القيام بحركة شعبية كبيرة ضدهما، واستطاع أن يحشد الجماهير بالفعل، وتطورت المسألة من مجرد حركة فردية تستهدف المطالبة بوقف اعتداءات محمد بك الألفي علي قرية في مديرية الشرقية، إلى حركة شعبية تنادي بضرورة وضع حد للمظالم التي يتعرض لها الشعب، ومطالبة الحكومة بترشيد النفقات، والحد من الإسراف في استيراد المماليك، وتأمين الأفراد على أموالهم وأرواحهم , وفي اليوم الثالث على بدء هذه الحركة عقد اجتماع في دار إبراهيم بك حضره الباشا وقاضي القضاة والأمراء والبكوات ماعدا مراد بك، واستقر رأي المجتمعين على ضرورة العمل على إنهاء هذه الحركة الشعبية ومفاوضة الزعماء لعقد الصلح. وأرسلوا مندوبًا عنهم إلى الجامع الأزهر حيث اجتمع بالزعماء، وطلب أن يصطحبه وفد منهم إلى دار إبراهيم بك. وتألف الوفد من خمسة أعضاء هم:"الشيخ السادات، والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف، والشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ خليل البكري شيخ السجادة البكرية، والشيخ محمد الأمير"، - و الأخير من صفوة كبار العلماء اشتهر بجرأته وشجاعته وإغلاظه القول للأمراء المماليك-، وطالت الجلسة وقرر الأمراء المماليك في نهايتها:"أنهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم"، وانعقد الصلح على أن يرسلوا إيراد الأوقاف المرصودة على الحرمين الشريفين في الحجاز من أموال وغلال، وأن يفرجوا عن الحبوب وسائر المحاصيل الزراعية المودعة في مخازن الأمراء ليشتريها الشعب، وأن يرفعوا أيديهم عن إيراد الأوقاف الخيرية، وأن يقلعوا عن المظالم المحدثة، وكتب القاضي حجة شرعية سجل فيها هذه العهود والمواثيق ووقع عليها الباشا وختم عليها إبراهيم بك وأرسلت إلى مراد بك فختم عليها هو الآخر. ويصف الجبرتي فرحة الشعب بتلك الحجة بقوله:"انجلت الفتنة ورجع المشايخ وحول كل واحد منهم وأمامه وخلفه جملة عظيمة من العامة، وهم ينادون حسب ما رسم سادتنا العلماء، بأن جميع المظالم والحوادث والمكوس بطالة من مملكة الديار المصرية ...".

و على الرغم من أن عمر مكرم كان مدينًا بمنصبه كنقيب للأشراف لإبراهيم باشا ومراد بك إلا أنه لم يتردد في الوقوف إلى جانب الشعب ضد سطوة هذين الأميرين , وكانت صفحة فخار وشرف لعمر مكرم تدل على أنه كان لا يجامل حاكمًا ذا جاه أو كبيرًا ذا ثراء وأنه يؤثر الصالح على علاقاته الشخصية , وقد وقف عمر مكرم هذا الموقف المشرف وهو في بداية حياته السياسية وكان في هذه المرحلة رجلًا من رجالات الصف الثاني في مصر، وظل على هذا الوضع إلى أن هبطت الحملة الفرنسية أرض مصر.

وقد تجلت زعامة عمر مكرم الشعبية والوطنية بأروع مظاهرها فترة الاحتلال الفرنسي لمصر (1213 - 1216هـ/1798 - 1801م) ، على الرغم من السياسة التي انتهجها نابليون بونابرت في حكم المصريين والتي أطلق عليها المؤرخون (سياسة بونابرت الإسلامية) ، وكانت تقوم على إظهار الاحترام للإسلام والتقاليد الدينية، وإسهام الجيش الفرنسي مع الشعب المصري في الاحتفال بالأعياد الدينية والقومية، والتقرب إلى علماء الأزهر، وكسب تأييد العلماء للحكم الفرنسي، إذ يكون لهذا التأييد أصداء بعيدة في نفوس المصريين تجعلهم يخلدون إلى عدم المقاومة، على نحو يؤدي في النهاية إلى توطيد دعائم الحكم الفرنسي في مصر.

فبعد نزول الحملة الفرنسية أرض مصر وإخفاق المماليك في صد هذا العدوان وفي هذا الوقت العصيب برز السيد عمر مكرم بروزًا واضحًا قويًا وطغت شخصيته في الأوساط الشعبية على سائر الشخصيات التي كانت في مصر وقتذاك , واستنفر الشعب للقتال وبث فيه روح المقاومة، وصعد إلى القلعة وأنزل منها علمًا كبيرًا أطلقت عليه الجماهير (البيرق النبوي) ونشره بين يديه ومشي به من القلعة إلى بولاق، ولقيت دعوة عمر مكرم استجابة جماعية من أهل القاهرة، حيث تجمعت حوله ألوف العامة يصيحون بالحرب ويحملون العصي والنبابيت والبنادق ومعهم الطبول , كما توافدت علي القاهرة جموع كثيفة العدد من عرب البحيرة والجيزة والصعيد ليشتركوا في الكفاح , وهكذا كان دور عمر مكرم ايجابيًا بارزًا في هذه الظروف العصيبة الحرجة.

وعقب معركة إمبابة في (8صفر1213هـ/21يوليو1798م) ، رحل عمر مكرم برفقة إبراهيم بك وبكر باشا الوالي العثماني والشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمد السادات وغيرهم من كبار المشايخ، وقصدوا إلى المطرية قبل أن يواصلوا سيرهم إلى بلبيس عاصمة الشرقية في ذلك الوقت , وحذا حذوهم عدد كبير من سكان القاهرة اتجه بعضهم إلى الصعيد والبعض الآخر - وهم الكثرة - إلى مديرية الشرقية، وقد وجه بونابرت الدعوة إلي السيد عمر مكرم وغيره من كبار المشايخ بالعودة إلى القاهرة، فرفض عمر مكرم هذه الدعوة واستمر في طريقه مع إبراهيم بك مرتحلًا إلى بلبيس، بينما قبل الدعوة الشيخ الشرقاوي والشيخ السادات وعادا فعلًا إلى القاهرة ومعهما كثير من المشايخ وعامة الشعب.

وكان وجود عمر مكرم في بلبيس أكبر حافز لسكان مديرية الشرقية على القيام بالتصدي للفرنسيين مما دفع بونابرت إلى الاتجاه إلي العمل الحربي السريع، لأنه توجس خيفة من نشاط عمر مكرم وخشي القوة الحربية التي كانت تحت إمرة إبراهيم بك، ورأى بونابرت الخطر الكامن في مرابطة هذه القوة على مقربة من القاهرة ووجود زعيم وطني في هذه المنطقة يلهب سكانها حماسًا ضد الفرنسيين , كما أن موعد عودة الحجاج المصريين من الحجاز كان قد اقترب، وكان لابد أن يسلك الحجيج في عودتهم إلى القاهرة أراضي مديرية الشرقية التي يسيطر عليها إبراهيم بك، وزحف بونابرت على بلبيس واشتبك الفريقان وهو ما عرف باسم موقعة الصالحية في (29 صفر1213هـ/11أغسطس1798م) ، وعقب المعركة ارتحل عمر مكرم مع إبراهيم بك إلى العريش ومنها إلى غزة، وحدث ما كان متوقعًا فما كاد يعود بونابرت إلى القاهرة من موقعة الصالحية واستبان موقف عمر مكرم العدائي من الحكم الفرنسي حتى اتخذ إجراءات انتقامية تعسفية، عزل عمر مكرم من منصبه كنقيب للأشراف وصادر أمواله.

تطورت الأحداث تطورًا سريعًا لم يكن في الحسبان، ورأي بونابرت إزاء هذا التطور أن يزحف على الشام، ودخل الجيش الفرنسي قلعة يافا فوجد عمر مكرم معتصمًا بها مع جماعة من المجاهدين المصريين والشوام وعليه ملابس رثة وفي ظروف مادية قاسية، وتم القبض عليهم جميعًا، وأمر بونابرت بإعادتهم إلى مصر، في أواخر عام (شوال1213هـ/مارس 1799م) ، وبعد عودته إلى القاهرة اعتكف في داره يرقب عن كثب تطور الموقف السياسي وهو متحفز لمواصلة الكفاح، والشعب من ورائه متربص أيضًا للقيام على الفرنسيين، فلما لاحت الفرصة تنادى إلى الثورة التي اندلعت من جديد في (24 شوال1214هـ/20 مارس1800م) قوية جارفة؛ على أثر نقض الفرنسيين اتفاقية العريش - والتي وقعت في (28 شعبان1214هـ/24 يناير1800م) و بمقتضاها تقرر جلاء الفرنسيين عن مصر بكامل أسلحتهم وعتادهم إلى فرنسا على نفقة الدولة العثمانية، دون أن يتعرض لهم أحد في البحر، على أن يتم جلاؤهم في خلال ثلاثة أشهر تكون بمثابة هدنة لتنفيذ شروط الاتفاقية - فحين دارت معركة عين شمس على مشارف القاهرة بين الفرنسيين وبين العثمانيين، سمع الشعب قصف المدافع وحار في تفسيره هذه الحروب والوقوف على بواعثها، ولكنه أيقن أنها لابد أن تكون ضد الجيش الفرنسي, وكانت نفوس المصريين متحفزة للانتفاض على الفرنسيين، ولاحت لهم الفرصة إذ كان الجيش الفرنسي خارج القاهرة يخوض المعركة وظهره إلى القاهرة وليس فيها سوي حامية فرنسية قليلة العدد كانت تستعد للجلاء، فحدث هرج ومرج بين سكان القاهرة وخرج عمر مكرم من اعتكافه وتنادى إلى الثورة واستجابوا لندائه، ودب الحماس في نفوس الشعب فاقتحمت جموع منه معسكرات الفرنسيين واستولوا على ما فيها من أدوات ومهمات حربية وهكذا بدأت ثورة القاهرة الثانية في (24شوال1214هـ /20مارس1800م) ، وبرز اسم عمر مكرم منذ اليوم الأول للثورة.

ويؤرخ الجبرتي لهذه الثورة بقوله:"وأما أهل مصر فإنهم لما سمعوا صوت المدافع كثر فيهم اللغط والقيل والقال، ولم يدركوا حقيقة الحال فهاجوا وراحوا إلى أطراف البلد، وقتلوا أشخاصًا من الفرنساوية صادفوهم خارجين من البلد ليذهبوا إلى أصحابهم، وذهبت شرذمة من عامة أهل مصر، فانتهبت الخشب، وبعض ما وجدوه من نحاس وغيره، حيث كان عرض الفرنساوية، وخرج السيد عمر مكرم أفندي نقيب الأشراف، والسيد أحمد المحروقي، وانضم إليهما أتراك خان الخليلي والمغاربة الذين بمصر، وتجمعوا على التلال خارج باب النصر، وبأيدي الكثير منهم النبابيت والعصي، والقليل معهم السلاح ...".

وفي صبيحة اليوم التالي أحضر الثوار بعض المدافع التي كانت للعثمانيين في عين شمس وسحبوها أمامهم إلى الأزبكية، ولم تكن بهذه المدافع قنابل فاستعاضوا عنها بكرات الموازين الحديدية، وهاجموا دار كليبر- قائد الحملة الفرنسية عقب رحيل نابليون بونابرت إلي فرنسا - في الأزبكية وتبادلوا إطلاق النار مع الحامية الفرنسية المعسكرة بالأزبكية ولم يقف إطلاق النار طوال النهار حتى حل الليل، وفي الوقت نفسه كانت حشود أخري من الثوار تقتحم بقية مستودعات الفرنسيين في القاهرة، ثم ما لبث أن أنشأ الثوار في جهة بيت القاضي معملًا لصنع القنابل ومصنعًا لصب المدافع ومعملًا لإصلاح الأسلحة وانتزعوا من المساجد الحديد والأخشاب وتطوع الحدادون والسباكون والنجارون وغيرهم للعمل في هذه المصانع.

امتدت الثورة إلى أحياء القاهرة، ومضي أفراد الشعب المصري يجاهدون الفرنسيين جهادًا كبيرا، ً ووزعوا أنفسهم على أحياء المدينة المختلفة وضواحيها؛ بحيث صار جميع أهل مصر والعساكر كلهم واقفين بأطراف البلد عند الأبواب والمتاريس والأسوار وبعض عساكر من العثمانيين ومن انضم إليهم من أهل مصر المسلحين، أما عمر مكرم فلم يفتر له نشاط في ليل أو نهار إبان تلك الأيام العصيبة، بل كان دائم التجول والانتقال بين مناطق القاهرة يبعث في الشعب روح الحماس ويدعوهم إلى الثبات في الجهاد، ويعرض نفسه للخطر في الأماكن التي يشتد فيها هجوم الفرنسيين، وكان يصطحبه في هذه الجولات المشايخ من علماء الأزهر , والسيد أحمد المحروقي، ويلاحظ أن الفارق بين ثورة القاهرة الأولي التي نشبت في (جمادي الأولي1213هـ/ أكتوبر1798) ، وثورة القاهرة الثانية التي اندلعت في (24شوال1214هـ /20مارس1800م) ، هو أن الثورة الأولي كانت زعامتها للمصريين وحدهم، ولم يشترك فيها عمر مكرم لأنه كان متغيبًا عن مصر وقد استمرت يومين، أما الثورة الثانية فقد اشترك في قيادتها ووقائعها والتحريض عليها المصريون والعثمانيون والمماليك واستمرت ثلاثة وثلاثين يومًا، ولم تنته حتى تدخل العلماء لوضع حد للمجزرة البشرية التي تعرض لها الشعب على يد الفرنسيين، بسبب تفوق الفرنسيين في السلاح ووصول النجدات إليهم من شتى جهات القطر المصري، وعقد الفرنسيون اتفاقية خرج بمقتضاها العثمانيون والمماليك من القاهرة إلى الشام، وخرج عمر مكرم للمرة الثانية من القاهرة، مع العثمانيين والمماليك في أواخر (ذي القعدة1214هـ/ ابريل 1800م) ، بعد أن استطاع الفرنسيون القضاء على الثورة الشعبية الكبرى ومر الراحلون ببلبيس والصالحية في طريقهم إلى الشام، وهنا نجد أن عمر مكرم كان إلى ذلك الوقت يربط كيانه السياسي ومستقبله بدعامتي الحكم العثماني اللتين تتمثلان - وقتذاك - في الوالي والأمراء والمماليك، وهو النظام الذي كان قائمًا في مصر وقت قدوم الحملة الفرنسية إليها.

ويعلق الجبرتي على ذلك بقوله:"خرج العثمانية وعساكرهم وإبراهيم بك وأمراؤه ومماليكه، والألفي وأجناده، ومعهم السيد عمر مكرم النقيب، والسيد أحمد المحروقي الشاه بندر وكثيرون من أهل مصر، ركبانا ومشاة إلى الصالحية ...".

أما الشعب فقد أحاطت به مظالم الفرنسيين بعد إخماد الثورة، وفي هذه الظروف المتناهية في ظلامها وظلمها تلفت الشعب إلى عمر مكرم فوجدوه قد خرج من القاهرة مرتحلًا إلى الشام والمماليك، حقيقة أن عمر مكرم لم يكن رجل حرب، وحقيقة أنه لم تكن لديه الوسائل أو الإمكانيات كي يمنع عن الشعب انتقام الفرنسيين، وحقيقة أن الأوضاع السياسية في مصر كانت واحدة عند هجرته من مصر أول مرة وعند ارتحاله عنها في المرة الثانية، ولكن كان الفرنسيون في المرة الأولي يتوادون للمصريين رياء ونفاقًا، بينما كانوا في المرة الثانية معادين لهم جهارًا واستنكارًا، ولا ريب أن بواعث هجرة عمر مكرم مع القوات العثمانية والمملوكية كانت هي الأسباب نفسها التي حملته على الهجرة الأولي، إنها النزعة الدينية القوية المتأصلة في نفسه، إنها الولاء للسلطان العثماني سلطان المسلمين، إنها الالتصاق بالدولة العثمانية، على اعتبار أنها دولة الإسلام الكبرى، فهو لا يطيق أن يعيش بمحض رغبته واختياره في القاهرة متمتعًا بمركز مرموق ونفوذ واسع ومال وفير بعد أن أصبحت مصر تابعة لدولة أوربية ناصبت سلطان المسلمين العداء، وانتزعت منه بلدًا إسلاميا، فهو يرفض أن يكون من دعائم الحكم الجديد، وهو يفضل النفي الاختياري والتشريد وشطف العيش ومعاناة الصعاب على أن يتعاون مع الفرنسيين في أية صورة من صور التعاون، ولكن يضاف إليها في ضوء ملابسات الموقف أن عمر مكرم أراد في هجرته الثانية أن ينأى بنفسه عن انتقام الفرنسيين منه، ومن واجب الزعيم أن يقف إلى جانب الشعب في وقت المحن والشدائد، وأن يشاركه آلامه وأحزانه، وهو ما لم يفعله عمر مكرم إبان الحملة الفرنسية، ولا ينفي هذا المأخذ أن حياته جاءت حافلة بصدقه الثوري , مليئة بالشجاعة والنزاهة زاخرة بالنضال.

لم تطل هجرة عمر مكرم فقد تطورت الأحداث في مصر تطورًا عجل بنهاية الاحتلال الفرنسي، ففي (ربيع الآخر 1216هـ/أغسطس 1801م) ، صدر قرار بتعيين عمر مكرم نقيبًا للأشراف، وبعد أن عاد عمر مكرم إلى منصبه نقيبًا للأشراف لم يعمد إلي الاعتكاف بل شارك في الحياة العامة في النطاق الذي رسمته له أحداث الفوضى السياسية التي كانت طابع هذه الفترة , فهو لم يشترك اشتراكًا ايجابيًا في المنازعات التي وقعت بين طوائف العثمانيين سواء بين الجنود الانكشارية وبين الألبانيين أو بين الآخرين وبين المماليك , وقد ترك عمر مكرم - إلى حين - هذه العناصر العسكرية الدخيلة تتطاحن وتتقاتل على السلطة والنفوذ وهي في الحقيقة تعمل على إضعاف وإفناء نفسها بنفسها.

وفي (15ذي الحجة1218هـ/26مارس 1804م) ، وصل إلى القاهرة أحمد خورشيد باشا واليًا علي مصر - وهو خامس وال يلي مصر في ثلاث سنوات، وكان علي شاكلة من سبقوه-، أسرف إسرافًا بعيدًا في ظلم الشعب، واستقدم جنودًا أشداء من الأكراد عرفوا باسم الدلاة، ليتخلص بهم من محمد علي وجنوده الألبانيين، مما أثار عليه حفيظة الأخيرين، ثم عجز خورشيد عن دفع مرتبات الدلاة والألبانيين علي السواء، ولجأ إلى فرض ضرائب جزافية وقروض إجبارية على الشعب، واستخدم في جمعها وسائل تعسفية، وقد حاول عمر مكرم وكبار المشايخ رد خورشيد باشا عن ظلمه للشعب، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل مما دفع عمر مكرم وكبار المشايخ إلى العمل الجدي السريع، والحقيقة أن الزعماء وعلى رأسهم عمر مكرم قد يئسوا تمامًا من أي إصلاح يأتي على يد خورشيد باشا واعتقدوا فيه العجز عن إحداث أي تغيير يقضي على المظالم التي حفل بها حكمه.

وبناءً على ما تقدم عقد عمر مكرم مجلسًا في منزل محمد علي (13صفر1220هـ/13مايو1805م) دعا إليه المشايخ والأعيان، وتصدر عمر مكرم الحديث في هذا المجلس، فتكلم عن تفاقم الموقف واستمرار الحروب والفتن بين طوائف الجند وتوالي المظالم والجرائم في غير انقطاع على الشعب، وأفصح عن رأيه في أن لا مخرج من هذه الحالة التعسة التي انحدر إليها الشعب إلا بعزل أحمد خورشيد، وطلب منهم أن يختاروا أحدًا من العثمانيين يعين واليًا بالنيابة حتى يصدر الباب العالي قرارًا بتعيينه أو تعيين وال آخر, ففوض الحاضرون الأمر إلى عمر مكرم يختار من يراه , فأشار إلى محمد علي، ووافق جميع الحاضرون على رأيه، وجهروا بخلع خورشيد أحمد باشا من الولاية، وإقامة المذكور في النيابة حتى يأتي له تقرير بالولاية، ونودي في المدينة بعزل الباشا وإقامة محمد علي مكانه , وأرسلوا التماسًا إلى السلطان العثماني سليم الثالث (1213 - 1222هـ/1789 - 1807م) ؛ يطلبون فيه التصديق على اختيارهم، ووافق السلطان العثماني على ما أحدثه الشعب من تغيير بإرادته، وصدر فرمان بالفعل من السلطان العثماني بتنصيب محمد على واليًا على مصر في (21ربيع الأول1220هـ /18يونية1805م) .

كما كان دور عمر مكرم متميز في استنفار الشعب لمقاومة الحملة الإنجليزية على مصر عام (1222هـ/1807م) ، والمعروفة بحملة فريزر Frazer""، فعندما بلغت القاهرة أنباء الحملة واحتلالها الإسكندرية في (13المحرم1222هـ/23مارس1807م) ، كان محمد علي يحارب المماليك في الصعيد، فعقد علماء الأزهر وعمر مكرم وبعض الأعيان عدة اجتماعات بالقاهرة؛ لمواجهة العدوان , وكان الاعتقاد السائد أن الحملة ستزحف على القاهرة كما فعل الفرنسيون من قبل , وقد تقرر في هذه الاجتماعات حفر خندق وبناء سور في شمال القاهرة؛ لمنع الانجليز من دخول العاصمة إذا زحفوا عليها، وتقرر استنفار الشعب للتصدي للحملة، وتعطيل الدراسة في الأزهر؛ ليتفرغ المدرسون والطلبة للجهاد.

وعقب احتلال الانجليز لقرية"الحماد"التي تقع جنوبي رشيد بين النيل وبحيرة ادكو لتطويق المدينة ومنع وصول المدد إليها، كما احتلت الحملة ربوة أبي مندور في ضواحي رشيد لضرب المدينة بالمدافع؛ أرسل السيد حسن كريت نقيب الأشراف برشيد وكبير أهلها خطابا إلى عمر مكرم يستنجده ويطلب إليه إمداد المدينة بالرجال والعتاد، فقرأ عمر مكرم الرسالة على الناس وحضهم على التطوع لنجدة رشيد، فاستجابوا وتطوعوا وحملوا السلاح وأزمعوا السفر لنجدة إخوانهم، وسار بهم على رأس هذه الحشود إلى نائب محمد علي يستأذنه في سفر المتطوعين إلى رشيد، فرفض حتى يصل محمد علي من الصعيد ويعرض عليه موضوع سفرهم، إلا أن الكثير منهم لم يعبأوا بهذا الرفض وارتحلوا لنجدة أهل رشيد في صد الجيش الإنجليزي.

ولما بلغ محمد علي القاهرة في (3صفر1222هـ/ 11ابريل1807م) ، وذهب للسلام عليه السيد عمر مكرم وكبار المشايخ والسيد أحمد المحروقي، وأعلن الزعماء عن استعدادهم للخروج جميعًا مع الشعب والجنود إلى رشيد للمشاركة في الدفاع عن البلاد، لكن محمد علي قابل طلبهم هذا بالرفض قائلا:"ليس على رعية البلد خروج وإنما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر"وكانت هذه الإجابة إعلانًا صريحًا منه بأنه لا يريد من الشعب تدخلًا في شئون الحكم أو قيامًا بواجب الدفاع عن البلاد وأن على أفراد الشعب - أو الرعية على حد تعبيره - وهو تعبير يدل على الاستعلاء - أن يدفعوا ما يطلب منهم من أموال إلى خزانة الحكومة، والحكومة هي التي تقوم بالدفاع عن البلاد.

وتنفيذا لرغبة محمد علي قام علماء الأزهر ونقيب الأشراف بجمع تسعمائة كيس من أهالي القاهرة؛ لإنفاقها على القوات التي سيرسلها مع الأزهريين وسائر قطاعات الشعب في مواجهة الإنجليز، واستمرت الحرب قرابة أسبوعين، انتهت بهزيمة ساحقة للحملة الإنجليزية , وقتل وأسر عدد كبير من أفرادها , وكان هذا الانتصار من الأسباب التي حسمت مصير الحملة في مصر وفشلها، وتم جلاؤها عن البلاد.

كان محمد علي منذ ولايته يستشير المشايخ قبل فرض ضرائب جديدة، كما كان يمنحهم إعفاءات ضريبية علي ممتلكاتهم الخاصة، فكانت الحكومة كلما قامت بمشروع جديد أو دخلت في حرب جديدة، تحتاج إلى تدبير المال اللازم لهذا العمل ويترتب على ذلك فرض ضريبة جديدة لتمويل مشروعاتها وحروبها، وبسبب كثرة الحروب والصراعات التي واجهت حكومة محمد علي منذ بداية ولايته، اضطر محمد علي إلى فرض العديد من الضرائب التي تسببت في ضيق الأهالي وصعوبة الحالة الاقتصادية. ومما زاد في سوء الأمور أن فيضان النيل عام (1223هـ/1808م) كان ضعيفًا إلى حد كبير، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة معاناة الأهالي، وليس هذا - فحسب - بل جعل يعد العدة لتنظيم الأوقاف ومحاسبة المنتفعين بها على مقدار منفعتهم منها، وليس هذا فحسب بل أخذ في فرض الضرائب الثقيلة على عامة الناس، واتجهت أنظار الجميع إلى زعيم الشعب ينتظرون ما هو صانع في تلك الأزمة، وهتفوا باسمه، ولجأوا إليه ليتدخل في المطالبة بإنصافهم، وما لبث عمر مكرم أن أخذ يجاهر بأشد النقد لسياسة الباشا ومسلكه في حكم المصريين، بعد أن كان ينتظر منه أن يراعي حقوقهم وحرياتهم لما كان لهم من الفضل في إقامة العهد الجديد , فاجتمع مع العلماء والأعيان وهو في شك من صدق عزيمتهم، وأخذ عليهم المواثيق لينصرن الحق ولا يرجعن إلا بعد أن ينزل الباشا على إرادتهم؛ ثم جعلهم يكتبون وثيقة ضمنوها ما يشكون منه، وأرسلها إلى الباشا مع رئيس الديوان، وكانت حماسة المجتمعين تحمل علي الظن أنهم لن ينكصوا ولن يترددوا.

لم يكن للباشا عهد بأن يجتمع العلماء والأعيان على عداوته مثل هذا الاجتماع، وكان يعلم أن السيد عمر قد انحرف عنه، ولكنه مع ذلك كان لا يظنه يواجهه بالعداء مواجهة صريحة، فلما رآه يسير في الطليعة والجمهور من ورائه عرف أن الأمر جد خطير، وأنه مقبل على نضال عنيف، وأراد أن يزيل أسباب الشكوى بالملاينة والمفاوضة، قبل أن يتحرج الأمر، ويخرج من نطاق المسالمة، وأراد أن يقابل الزعماء ويعرض عليهم استعداده لإرضائهم، فأرسل إليهم يرجوهم في الحضور إليه لبحث الأمر والتشاور فيما ينبغي تقريره، ثم عمل على بث دعوته بينهم واستمالة من استطاع استمالته منهم، حتى تزعزعت الوحدة، واختلفت الآراء، فقبل بعض الزعماء أن يذهبوا إليه، وجعلوا يلومون من يتشدد ويرفض دعوة الباشا للمشاورة.

ولكن السيد عمر مكرم رفض أن يذهب ليفاوض في تفصيل الشكوى، قبل أن يعلن الباشا الأساس الذي يفاوضهم عليه، وكان رأيه أن الخلاف قائم على مبدأ لا يقبل جدلًا ولا مناقشة، فإن الباشا لا يصح له أن يغير ويبدل في نظم الحكم، ولا أن يفرض ما يشاء من الضرائب، ولا أن يحكم الناس بغير قانونهم وعاداتهم وما كسبوه من قبل من ضمانات لحرماتهم؛ وهذا المبدأ لا يحتمل المناقشة ولا المفاوضة، بل الواجب أن يبدأ الباشا بالتسليم به بلا قيد ولا شرط، ثم جعل يلوم الذين كانوا البادئين بالدعوة إلى الشكوى، وأصبحوا البادئين بالنكوص على أعقابهم، وأعلن أنه لن يرجع عما بدأ فيه ولو تركوه وحيدًا.

وفي حقيقة الأمر لم يكن الزعماء على اتفاق فيما بينهم في كل الأمور بل كان هناك تنافس بينهم، وكان الكثيرون منهم يحسدون السيد عمر مكرم علي ما حصل عليه من مركز خاص لدى الشعب ولدى الوالي , فقد دب التنافس والانقسام بين المشايخ حول المسائل المالية، والنظر في أوقاف الأزهر، وتولي المناصب المهمة، فاستطاع محمد علي استخدام هذا التنافس للنيل من عمر مكرم، بل إن بعض المشايخ هم الذين حاولوا الإيقاع بعمر مكرم لدى الوالي.

وعلى أية حال فقد استمرت المفاوضة والمراسلة بين الباشا والزعماء بعد ذلك مدة ستة أسابيع، وظل السيد عمر على رأيه الأول رافضًا أن يذهب للمفاوضة في أمر يرى أن الباشا لاحق له فيه، وأصر على أن يعدل الباشا أولا عن موقفه، ويعلن ألا حق له في تغيير نظام الضرائب بإرادته، والتمس الباشا كل وسيلة لحمل السيد عمر مكرم على التزحزح عن رأيه، تارة بالرجاء وأخرى بالوعد، ومرة بالملاينة، حتى قيل إنه عرض عليه مرة أن يرتب له في كل يوم كيسا (قدره أربعون جنيها) ، وأن يهديه مبلغا قدره ثلاثمائة كيس عطاء معجلًا، فلم يرض من ذلك كله بشئ إلا أن يعدل الباشا عن خطته، وأن يتنازل عن السنة التي سنها في جباية الضرائب وفرضها بحسب مشيئته.

وكان هذا آخر ما استطاعه الباشا من الاحتمال، فعزم على الضربة الفاصلة، وفي يوم الأربعاء (27جمادي الآخرة1224هـ/10أغسطس1809م) ، أعلن في الجمع الحافل خلع السيد عمر مكرم من نقابة الأشراف، وأقام مكانه فيها الشيخ السادات، وأمر بنفيه من القاهرة إلى دمياط، بعد أن أشهد الجمع أنه قد بذل كل جهده في سبيل الوفاق والسلام، وكأن به قد أيقن قبل أن يقدم علي هذه الخطوة الجريئة، أن الزعماء كانوا جميعًا راضين عنه، وأنهم كانوا يرون تلك الضربة عقابًا عادلًا. وبنفي عمر مكرم وإقصائه عن ممارسة نشاطه القومي قضى على رمز الزعامة الشعبية وطويت صفحتها بعض الوقت.

أبلغ عمر مكرم أمر النفي والعزل، فتلقاه بهدوء يشبه أن يكون فرحًا وترحيبًا، ويؤرخ الجبرتي لهذا الحادث بقوله:"فلما ورد الخبر على السيد عمر مكرم بذلك قال أما منصب النقابة فإني راغب عنه وزاهد فيه، وليس فيه إلا التعب، وأما النفي فهو غاية مطلوبي، وارتاح من هذه الورطة، ولكني أريد أن أكون في بلدة لم تكن تحت حكمه، إذا لم يأذن لي في الذهاب إلى أسيوط؛ فليأذن لي في الذهاب إلى الطور أو إلى ورنة، فعرفوا الباشا فلم يرض إلا بذهابه إلى دمياط". ولنا أن نفهم من هذه الكلمات ما كان يجول في نفس الرجل من الخواطر، وما كان قد استقر في قلبه من العقيدة. فلقد رأى أنه كان المعين الأول على قيام دولة أمل الناس فيها آمالا كثيرة، وأمل هو فيها آمالا لا حصر لها , وكان يرى أن الحكم الجديد سيكون حكم أهل مصر، يحقق لهم تلك الأحلام التي ما بدأت تغشي الأذهان منذ أواخر القرن الثامن عشر , ثم رأى أن الدولة الجديدة، التي علق عليها كل تلك الآمال، تقف ناظرة إلي الميدان المخرب الذي شهد مواقع انتصارها، ولا تستطيع شيئا غير سلوك الوسائل التي اعتاد شعب مصر أن يكرهوها ويثور عليها.

وكان رحيل عمر مكرم إلى دمياط في (غرة رجب1224هـ/11أغسطس1809م) ، مشهدا مؤثرا، فإن الجمهور قد أدرك عظم النكبة، وشعر الناس بوحشة كبيرة لنفي الرجل الذي كان ملاذهم وملجأهم في رفع المظالم، فاجتمعوا لوداعه وإظهار عواطفهم نحوه، وكانت علامات الحزن والكآبة بادية على جمهور المودعين.

قضى السيد عمر مكرم في منفاه بدمياط إلى ربيع عام (1227هـ/1812م) ، ثم نقل إلى طنطا، وكان في هذه المدة كثير الضجر والضيق، إذ كان لا يباح له الاختلاط بالناس، وكان الحراس يلازمونه حيث سار، فكان أشبه شيء بالسجين لما قيدت به حريته، وكان يحاول أن يخفف من ضجره بأن يخلق لنفسه عملًا يقبل عليه، فلم يجد إلا أن ينتقل بين حين وآخر إلي شاطئ البحر يغرق أفكاره المضطربة في أمواجه الصاخبة، ثم رأى أن يبني خانًا هناك لنزول التجار الذين كانوا يقصدون دمياط من سائر البلاد في سفنهم، وكأن بذلك الرجل لا ينشغل قلبه بما هو فيه من ضيق عن التفكير في الترفيه عن الناس والتخفيف من آلامهم.

هذا وبعد أن استتب الحكم لمحمد علي داخل البلاد، عفا عن عمر مكرم وسمح له بالعودة إلى البلاد، وبالفعل عاد السيد عمر مكرم إلى القاهرة في عام (13ربيع الأول1234هـ/9يناير1819 م) ، وارتجت القاهرة لتلقيته والترحيب به، إذ خرج عامة الشعب إلى بولاق ليظهروا له قديم ولائهم ومحبتهم، وقصده الأدباء والشعراء للتهنئة، وإبداء ما يجيش في صدور الناس من العطف عليه والأنس به، غير أنه اختار أن يعتزل في داره ويتحاشى الظهور في الجموع زهدًا وتباعدًا عن مواطن الظنون.

وعلي الرغم من ذلك فإن محمد علي لم يأمن على مركزه من نفوذ عمر مكرم، ولم يطمئن لبقائه طويلًا في القاهرة، فقد كان مصدر قلق لمحمد علي، وحدث أن قامت في القاهرة عام (1237هـ/1822م) فتنة هاج فيها السكان، استياءً من فرض ضرائب جديدة على منازل العاصمة بعد فرضها على منازل البنادر في الأقاليم، وكادت تقع الفتنة لولا أن عاجلتها الحكومة بالحزم واتخاذ التدابير الكفيلة بحفظ الأمن، ونفذت الحكومة الضريبة كما قررتها، وقد ساورت الظنون محمد علي باشا، وارتاب في أن يكون للسيد عمر مكرم يد في تلك الفتنة، والواقع أنه كان بعيدًا عنها، فأرسل إليه رسولًا في داره يوم (24رجب1237هـ/15ابريل1822م) أنهى إليه أن محمد علي يأمره بمغادرة القاهرة والإقامة في طنطا، ومعنى ذلك أنه أمر بنفيه ثانيًا من مصر، إلا أنه لم يبق في المنفي بعد ذلك طويلًا فقد توفي في العام نفسه.

وهكذا كانت حياة ذلك المجاهد الكبير سلسلة من الهجرة والنفي، ومكافحة الخطوب والمحن، ولم يعرف فضله، ولا كوفئ على جهاده بالشكر وحسن التقدير، بل كان نصيبه النفي، والإقصاء من ميدان العمل، ونكران الجميل، وذلك كان جزاء أكبر شخصية ظهرت بين رجالات مصر في فجر النهضة القومية.

ملامح التكريم:

لم يتم تكريم عمر مكرم بالشكل الرسمي اللائق إلا أن الشعب المصري أدرك قيمته واعتبره مثالًا للتضحية والتفاني في سبيل الوطن ورفعته.

أهم الإنجازات:

-أهدى أمته من شرف الجهاد في الحق والدفاع عن مصالح الشعب ضد ظلم الحكام منذ أن ظهر على مسرح الأحداث السياسية عام (1205 هـ/1791 م) .

-ترك مكتبة زاخرة بالمؤلفات لا يزال جزء منها محفوظًا في دار الكتب المصرية في القاهرة يحمل اسمه.

قالوا عن الشخصية:

-…حسين مؤنس:"لم يكن عمر مكرم سياسيًا وإنما كان شيخًا فقيهًا متدينًا لا قبل له بالسياسة ومناورتها وتقلباتها القريبة والبعيدة، وهو رجل شريف طاهر لا يريد إلا خلاص الناس من أي سبيل, إنه يقبض على زمام الشعب ويسيطر عليه تمامًا ولكن ما عساه أن يفعل ,إنه يرجو الخلاص من ولاة السلطان لا من السلطان نفسه، إنه يسعي للإنقاذ ولكنه لا يريد أن يكون ملكًا أو أميرا ... فليس هذا من خلق العلماء ولا حماة الشرع ولا رجال الدين، إن عليهم أن يولوا على الناس أصلحهم، وأن يشدوا أزر الصالحين، ويحولوا بينهم وبين الظلم إذا مالت بهم نفوسهم إلى الطغيان ...".

-…عبد الرحمن الرافعي:"ولا نزاع أن الزعامة الشعبية قد اكتسبت نفوذًا معنويًا كبيرًا لمكانة السيد عمر مكرم وشخصيته ومهابته، فهو بحكم رأسته لهذه الزعامة كان يسبغ عليها من شخصيته الكبيرة ما يجعلها نافذة الكلمة محترمة المقام ...".

-…عبد العزيز محمد الشناوي:"كان عمر مكرم لا يجامل حاكمًا ذا جاه أو كبيرًا ذا ثراء وأنه يؤثر الصالح على علاقاته الشخصية".

مؤلفاته/مؤلف عنه:

م…نوع العنصر…الاسم…مؤلف/مؤلف عنه

1…الكتب…عبد العزيز محمد الشناوي: عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية…مؤلف عنه

2…الكتب…محمد فريد أبو حديد: سيرة السيد عمر مكرم…مؤلف عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت