فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 188

تاريخ المولد:

1266 هـ - 1849 م

تاريخ الوفاة:

8 جمادى الأولى 1323 هـ - 11 يوليو 1905 م

صفة الشخصية:

مفتى الديار المصرية

اسم الشخصية:

محمد عبده بن حسن خير الله

ألقاب:

رائد الإصلاح والتجديد - المصلح الكبير- الأستاذ الإمام - المجدد

نبذة عن الشخصية:

محمد عبده بن حسن خير الله، ولد بقرية شبراخيت التابعة لمديرية الغربية، في أسرة من ذوي المكانة، وفي سنة 1866هـ /1283م التحق بالجامع الأزهر، وتلقى العلوم الأدبية من الشيخ محمد البسيوني، كما أخذ الفلسفة والمنطق من الشيخ حسن الطويل، حتى جاء السيد جمال الدين الأفغاني إلى القاهرة في أواخر سنة 1286هـ/1869م؛ فرافقه الشيخ محمد عبده منذ شهر المحرم 1287هـ/1870م، وتلقى عنه العلوم العقلية من فلك وحساب وهندسة وفلسفة وتصوف وغيرها.

وفي سنة 1294هـ/1877م نال الشيخ محمد عبده شهادة بالدرجة الثانية. وعمل بالتدريس في العديد من الأماكن، منها: مدرسة دار العلوم ومدرسة الألسن، كما كان الشيخ محمد عبده ثوريًا له نشاط سياسي حتى حكم عليه بالنفي خارج القطر المصري ثلاث سنوات، وأسس صحيفة العروة الوثقى1301هـ/ 1884م، وفي سنة1302هـ / 1885م غادر باريس إلى بيروت، وفي العام ذاته أسس جمعية سرية بالاسم ذاته - العروة الوثقى - وعندما عاد إلى مصر سنة 1306هـ/1889م قام بمجهودات إصلاحية وعلمية عديدة وتدرج في العديد من الوظائف حتى صار مفتيًا للديار المصرية سنة 1317هـ/1899م، وبعد معاناة من المرض انتقل الشيخ إلى جوار ربه في 8 جمادى الأولى 1323هـ/ 11 يوليو 1905م بالإسكندرية عن سبع وخمسين سنة، ودفن بالقاهرة.

المولد والنشأة:

ولد الشيخ محمد عبده بن حسن خير الله في بلدة شبرا التابعة لمديرية الغربية في أواخر 1266هـ/1849م، ولكنه نشأ بقرية محلة نصر- من قرى مركز شبراخيت بإقليم البحيرة - حيث أقام والداه وأسرته، وقد تعرضت أسرته لعمليات القسوة والاستغلال من الولاة، وكانت دائما في صراع معهم ودخل العديد من أبنائها السجن وتعرض بعضهم للتشريد.

وعلى الرغم من أن الشيخ محمد عبده كان ينتمي إلى أبوين أميين وأسرة متوسطة الحال، شأنها شأن العائلة التي تنتمي إليها - وهي عائلة التركماني - إلا أن هذه العائلة كانت كريمة مهابة الجانب. وقد تعلم محمد عبده القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حافظ قرآن، فقرأ عليه وحده جميع القرآن الكريم أول مرة، ثم أعاد القراءة حتى أتمً حفظه في مدة سنتين، وفي سنة 1281هـ/1864م جلس في دروس العلم، وبدأ بتلقي شرح الكفراوي على الآجرومية في الجامع الأحمدي بطنطا، وقضى سنة ونصف السنة لا يفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم، فهرب من الدروس ورجع إلى قرية محلة نصر؛ على نية ألا يعود إلى طلب العلم، وتزوج في سنة 1282هـ/1865م، غير أن الشيخ درويش - وهو أحد أخوال أبيه - نجح في أن يعيده مرة أخرى إلى طلب العلم والدراسة بطريقة مختلفة عن الطريقة التي مر بها في الجامع الأحمدي وعلمه كيفية تلقي العلم بأسلوب سهل مًيسر، ولقنه دروسًا في الصوفية, فاقتنع الشيخ محمد عبده بالعودة إلى طلب العلم بعد المدة التي قضاها مع الشيخ درويش، وجلس في الدرس ليستمع إلى (شرح الزر قاني على العزية، والشيخ خالد على الآجرومية) وفي غيبة أساتذته كان زملاؤه يلتفون حوله فيدرّس لهم شرح الزرقاني.

الحياة العلمية والثقافية:

ذهب الشيخ محمد عبده إلى الأزهر في منتصف شوال 1282هـ/1865م، وداوم على طلب العلم، وعلى الرغم من ذلك فقد ظل تأثير الشيخ درويش عليه حتى بعد انتقاله إلى الأزهر، كان يشجعه على تلقى العلوم الرياضية والمنطق ومبادئ الهندسة، وغير ذلك من العلوم التي أهمل دراستها في الأزهر في ذلك الوقت، فكان يتلقى العلوم الأدبية من الشيخ محمد البسيوني، كما كان يتلقى الفلسفة والمنطق من الشيخ حسن الطويل، حتى جاء جمال الدين الأفغاني إلى القاهرة في أواخر سنة 1286هـ/1869م، فرافقه محمد عبده منذ شهر المحرم 1287هـ/1870م وتلقى عنه العلوم العقلية من فلك وحساب وهندسية وفلسفة وتصوف وغيرها.

وقد بدأ الشيخ محمد عبده بعد تخرجه يدرس في الأزهر، فألقى على تلاميذه بعض الدراسات في المنطق، وشرح لهم الفلسفات الكلامية وغير ذلك من العلوم العقلية التي أهملت دراستها في الأزهر، كما اشتغل بالكتابة في الصحف وعبّر في مقالاته عن أفكاره وآرائه في تطوير الأزهر، والتعليم في مصر ومحو أمية الشعب، وأخذت الحكومة بمقالاته عن تطوير التعليم في الأزهر، كما وضع مشروعات جيدة لإصلاح الأزهر، وقد ترك تلاميذ نبغوا في تنفيذ سياسته، أهمهم العلامة محمد رشيد رضا, وشاعر النيل حافظ إبراهيم, والمجاهد عز الدين القسام, والإمام محمد مصطفي المراغي شيخ الأزهر، وشيخ العروبة محمد محي الدين عبد الحميد، وطه حسين،, ومحمد لطفي جمعة، وقاسم أمين وسعد زغلول.

ولقد شهدت مؤلفات الشيخ التي تركها تشهد على عبقرية الشيخ وإلمامه بعلوم اللغة والشريعة والفلسفة، وأهم هذه الكتب هي:"رسالة التوحيد"، و"تحقيق وشرح دلائل الأعجاز وأسرار البلاغة"للجرجاني، و"الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية"، رد فيه على المستشرق أرنست رينان، و"شرح نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب"وغيرها الكثير.

أما عن ثراء فكره وجرأة آرائه، من ذلك: تلك الحادثة التي وقعت له يوم أن أخذ في دراسة بعض كتب الفلسفة المنطقية والكلامية التي صنفها بعض علماء المسلمين، لما أنه قد علم ـ كما هو الواقع ـ أن العلوم المنطقية إنما وضعت لتقويم البراهين وتمييزا للأفكار غثها من سمينها، وأن العلوم الكلامية إنما هي أحكام لتأييد القواعد الدينية، بالأدلة العقلية القطعية، فلما سمع بذلك بعض أصفيائه وأقربائه، اهتز لذلك واضطرب وأخذه من الحزن على ذلك الطالب ما شاء الله أن يأخذه، وأوسع له النصيحة، غير أن ألسنة حساده التي لم تقتنع بانصرافه عن الاشتغال بعلوم المنطق والكلام كما وشت به إلى والده، فتحرك في والده عرق الحميّة وأسرع ذاهبا إلى ولده ليصل إليه في الساعة الثالثة من الليل، ومن آن وصوله أخذ ينذر ولده بالثبور والويل إن كان لتلك الأقاويل صحة، ولم يصدقه حتى أحلفه بالله أن الناقل كذاب، فلما أيقن أبوه بكذب ما نقل إليه حمد الله وأثنى عليه وأصبح من غده متوجهًا إلى بلده.

وقد أنكر الإمام على الفئة المقلدة المحافظة في جمود وخاصة رجالات الأزهر يومئذ إعراضهم عن العلوم الكلامية في الوقت الذي يعد فيه النظر العقلي لتحصيل الإيمان هو الأصل الأول للإسلام، وبلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: أن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه ومات طالبًا غير واقف عند الظن، فهو ناج، هذا فضلًا عن أن أكابر المحققين ومنهم الإمام الغزالي وفخر الدين الرازي قالوا أن تعلم العلوم الكلامية والمنطقية من فروض الأعيان وأطبق جميع العلماء على أنها من فروض الكفاية.

ولا بد أن تستوقفنا محاولات الإمام إصلاح التعليم في الأزهر حيث أراد أن يعلم في هذا الجامع شيئًا نافعًا بدلا من الشروح العتيقة البالية الخالية من المعنى فوجد نفسه وحيدا ليس له من الأساتذة من يساعده ولا من دعاة الخير من ينصره بل إن الدعوة إلى إصلاح الأزهر هوجمت ووصفت بأنها ترمي أن يحول هذا المسجد العظيم إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره.

فحين حاول إقناع شيخ الأزهر الشيخ محمد الإنبابي آنذاك بأن يأمر بتدريس مقدمة ابن خلدون في الأزهر بعد أن وصف له فوائدها ما شاء الله أن يصف، فلم يصادف قبولا لأن العادة لم تجر بذلك!! وحين دعا إلى إدخال الجغرافيا ضمن علوم الأزهر توجهت نحوه الألسنة والأقلام بالاتهامات وأنه إنما يريد الغضّ من علوم الدين.

ودعا إلى المساواة بين المذاهب الفقهية في التعليم وفي إسناد المناصب المهمة وحين قدم اقتراحًا لإصلاح المحاكم الشرعية قال فيه أنه ينبغي أن يعين القضاة في مصر من أهل المذاهب الأربعة لأن أصول هذه المذاهب متقاربة وقال إن الضرورة قاضية بأن يؤخذ في الأحكام ببعض أقوال من مذهب مالك أو مذهب الشافعي تيسيرًا على الناس ودفعًا للضرر والفساد قام كثير من المتورعين يحوقلون ويندبون حظ الدين، كأن الطالب يطلب شيئًا ليس من الدين، مع أنه لم يطلب إلا الدين، ولم يأت إلا بما يوافق الدين؛ وما ذلك إلا لأن أنصار الجمود من المسلمين قالوا: يولد مولود في بيت رجل من مذهب إمام فلا يجوز له أن ينتقل من مذهب أبيه إلى مذهب آخر، ليوقعوا الأمة فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين، ولتكون حروب جدال بين أئمة كل مذهب لو صرفت آلاتها وقواها في تبيين أصول الدين ونشر آدابه وعقائده الصحيحة بين العامة، لكنا اليوم في شأن غير ما نحن فيه. يجد المطلع على كتب المختلفين من مطاعن بعضهم في بعض ما لا يسمح به أصل من أصول الدين الذي ينتسبون إليه، يضلل بعضهم بعضًا، وبرمي بعضهم بعضًا بالبعد عن الدين، وما المطعون فيه بأبعد عن الدين من الطاعن، ولكنه الجمود، قد يؤدي إلى الجحود.

وعن التصوف يقول الإمام في حوار دار بينه وبين الشيخ رشيد رضا حول التصوف والصوفية، يصرح الأستاذ الإمام بأن كل ما هو فيه من نعمة في دينه فسببها التصوف، وأنه لم يوجد في أمة من الأمم من يضاهي الصوفيّة في علم الأخلاق وتربية النفوس، وإنه بضعف هذه الطبقة وزوالها فقدنا الدين، وإن سبب ما ألم بها تحامل الفقهاء عليهم، وأخذ الأمراء بقول الفقهاء فيهم فأولئك يكفّرون وهؤلاء يعذبون ويقتلون حتى إنه قتل في القاهرة في يوم واحد خمسمائة صوفيّ، وهذا سبب لجوئهم إلى الاختفاء، وكلامهم في عقائدهم واصطلاحاتهم وأعمالهم وما يحصل لهم من الذوق والوجدان برموز وإشارات لا يعرفها إلا أهلها الذين سلكوا هذه الطريقة إلى نهايتها، فمن أخذ بظاهر أقوالهم ضل.

الوظائف التي تولاها:

• عمل بالتدرّيس في الجامع الأزهر عام 1294هـ/1877م.

• درّس التاريخ في مدرسة دار العلوم عام 1295هـ/1878م، ثم انتدب للتدريس في مدرسة الألسن، وفى الوقت نفسه كتب مقالات في صحيفة الأهرام.

• عمل بالوقائع المصرية سنة 1297هـ /1879م، ثم عين رئيسًا لتحريرها، ثم تولى مسئولية الرقابة على المطبوعات.

• عين عضوًا في المجلس الأعلى للمعارف العمومية في عام 1299هـ/1881م.

• عين مدرّسًا في المدرسة السلطانية في بيروت في عام 1303هـ/1885م.

• عين قاضيًا في محكمة بنها عام 1306هـ/1889م.

• عين مفتيًا للديار المصرية في 14 محرم 1317هـ/3 يونيو 1899م.

•…عين عضوًا في مجلس الأوقاف الأعلى وفي مجلس شورى القوانين عام 1317هـ/1899م.

أهم الأنشطة الاجتماعية والسياسية:

• موقفه من الاستبداد السياسي:

يقول الإمام:"وهناك أمرٌ آخر كنتُ من دعاته، والناس جميعا في عمي عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذب إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة علي الشعب وما للشعب من حق العدالة علي الحكومة، نعم: كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلي معرفة حقها علي حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر علي البال من مدة تزيد علي العشرين قرنًا، دعوناها إلي الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه ولا يوقف طغيان شهواته إلا نصح الأمة له بالقول وبالفعل، وجهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض علي صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس له عبيد أي عبيد."

ويقول:"ولم أكن في كل ذلك الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع، غير أني كتبت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة. ولا أبرح أدعو إلي عقيدتي في الدين، وأقارب بإتمام الإصلاح في اللغة، وقد قارب. أما أمر الحكومة والمحكوم فتركه للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم علي تنميته السنون الطوال، فهذا الغراس الذي ينبغي أن يعني به الآن، والله هو المستعان".

ولقد قاوم محمد عبده المستبدين حتى اعتقلوه، وأقر أن رجال الخديو قد ذهبوا إلي زعماء الوطنيين في السجن وضربوهم وأهانوهم، وكان الشيخ محمد عبده نفسه أحد هؤلاء المساجين، وقد وقعت به الإهانة مثل غيره.

ويقول محمد عبده بنفسه:"وكنت أنتقد الحكومة بشدة في الجرائد الرسمية وكنت لا أضيق علي الجرائد باعتباري رئيس قلم المطبوعات".

وقد كان للشيخ محمد عبده دوره كذلك في الحركة الدستورية، بعد أن نجحت سلطات الاحتلال ومعاونوها في القضاء على الحركة الدستورية التي أخذت في الظهور قبيل الاحتلال الإنجليزي لمصر والتي كان لعلماء الأزهر دور بارز فيها، إلا أن علماء الأزهر سرعان ما عادوا للقيام بدورهم، وتمثلت هذه الجهود في الشيخ محمد عبده الذي عاد إلى مصر بعد أن مكث في فرنسا ثلاث سنوات، فكان في دعوته يحذر من استيراد القوانين من الخارج بمقولة أنها أظهرت صلاحيتها في البلاد التي طبقت فيها، وكان يقول أن البلاد تختلف باختلاف المواقع وبتنوع أحوال التجارة والزراعة، كذلك تختلف الشعوب في العادات والتقاليد والأخلاق والمعتقدات، وعلى هذا نجد قانونًا يلائم مصالح قوم، ولا يلائم مصالح غيرهم.…ومن الجهود البارزة للشيخ محمد عبده ما قام به في سنة 1904م من وضع مشروع دستور لمصر، فقد ذكر المستر ولفرد سكاون بلنت في كتابه"التاريخ السري للاحتلال"أنه أرسل إلى الشيخ محمد عبده يسأله عن رأيه في الحالة السياسية التي نشأت في مصر بعد إبرام الاتفاق الودي بين انجلترا وفرنسا (أبريل 1904م) فأجابه برسالة مختصرة ضمنها آراءه بصورة موجزة عن شكل الإدارة في مصر، وما يراه للإصلاح، ومن أهم آراء الشيخ محمد عبده التى وردت في هذه الرسالة ضرورة عدم تدخل الخديو في أعمال الهيئات التنفيذية للنظارات ولا إدارة الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وضرورة تشكيل نظام قوي للشورى، ووضع حد لتدخل الإنجليز في الإدارة.

وبعد ذلك طلب المستر بلنت من الشيخ محمد عبده أن يتوسع في آرائه ويضع نموذجًا للدستور المرُوم إدخاله في مصر، فأجابه إلى ما طلبه بعد طول روية ومشاورات مع أصدقائه"من أفاضل المصريين"وأخذ رأيهم في الدستور، وضمانات تنفيذه، ويمكن تلخيص هذا الدستور في المطالب الآتية:

ـ أن يكون للمصريين مجلس نيابي تنحصر فيه السلطة التشريعية، ويكون له حق سؤال الحكومة، ومحاسبتها على أخطائها.

ـ أن يكون لمصر سلطة تنفيذية، وهي وزارة مسئولة تنتخب من أعضاء المجلس النيابي، وتناط بها جميع أمور الحكومة دون تدخل من الخديو بأي شكل من الأشكال.

ـ أن يكون رئيس الوزراء مسلمًا، وألا يشغل رئاسة نظارة من نظارات الحكومة.

ـ إلغاء وظائف المستشارين الأجانب المسيطرين على الحكومة، وأن يكون جميع موظفي الحكومة والقضاء من المصريين بحيث لا يبقى من موظفي الإنجليز إلا بعض الموظفين ممن لا يوجد من يقوم بعملهم من المصريين.

ـ تنظيم شئون المعارف والتعليم وجعلها أهم الأمور التي يبدأ بها المجلس النيابي.

ـ قيام المصريين بجميع وظائف الجيش بحيث لا يبقى فيه من الإنجليز إلا السردار وبعض الوظائف.

وبخصوص ضمان الدستور، فقد رأى الشيخ محمد عبده وأصدقاؤه الذين وضعوا الدستور أن"من أول الضروريات لحسن الإدارة المصرية هو قيام الحكومة الإنجليزية بضمان النظام في البلاد وكفالته، ومعنى ذلك أنها تراقب استتبابه والمحافظة على استمراره وعلى الدستور الذي يمنح لمصر وألا تدع ذلك الدستور عرضة لتدخل الخديويين".

والحقيقة أن مطالبة الشيخ محمد عبده ورفاقه لانجلترا بأن تضمن الدستور يرجع إلى عدم ثقة الشيخ محمد عبده في الخديو عباس، وذلك بسبب الاصطدام الذي حدث بينهما؛ بسبب رغبة الخديو في السيطرة على أموال الأوقاف واستغلالها لمصلحة الخاصة الأمر الذي رفضه الشيخ محمد عبده، وتصدى من خلال عضويته لمجلس الأوقاف الأعلى لرغبات الخديو عباس، فضلًا عن ما فعله والده توفيق من الإطاحة بالدستور سنة 1882م.

• الانضمام للثورة العرابية:

قام الشيخ محمد عبده بالانضمام إلى الثورة العرابية وأصبح من زعمائها عندما وجد أنها ثورة شعب وليست قاصرة على العسكريين، فشارك فيها بكل قوة، وقد منحه مركزه في الوقائع المصرية أن يتولى القيادة منذ البداية، فكتب عن ضرورة الاتحاد بين عناصر الأمة على اختلاف مذاهبها حتى تستطيع مواجهة أعدائها، وحثً الناس على التطوع في صفوف الجيوش وتقديم الإعانات والتبرعات، وأنشأ جريدة"العروة الوثقى"وكان غرضها تكاتف العالم الإسلامي ضد الإنجليز والدفاع عن الإسلام، وجمع كلمة المسلمين وأحاطهم بالأخطار المحدقة بهم وأرشدهم إلى طريق مقاومتها، وقد أنشئت هذه الجريدة في الخامس من جمادى الأولى سنة 1301هـ/ الموافق الثالث عشر من مارس سنة 1884م، فكانت أول صحيفة تقاوم الاحتلال مقاومة جمعت بين قوة الروح وبلاغة العبارة، والسخط على السياسة الاستعمارية، ودعوة الأمم الشرقية إلى مناهضة الاستعمار.

• الشيخ محمد عبده والإصلاح الاجتماعي:

كانت المرأة في عصر محمد عبده ممنوعة من، التعليم، والخروج للعمل، والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والإدلاء بالرأي، والجهر بالقول، والصدع بالحق، وكانت واقعة تحت عادات قديمة ما أنزل الله بها من سلطان، ويُنظر إليها علي أنها متاع فقط.

وهي نصف المجتمع لا شك، مما دعا الإمام محمد عبده لمحاولة الإصلاح ولفت الانتباه إلي أن نصف المجتمع في حالة ممات تام. ودعا إلى إيقاظ هذا النصف.

وفي عدد غير قليل من الآثار الفكرية التي خلفها لنا الأستاذ الشيخ محمد عبده، نجد اهتمامه بالأسرة، وتركيزه على أن إصلاحها وإقامتها على أسس سليمة هما الضمان لتكوين المجتمع والأمة على النحو الذي نريد من جهودنا في الإصلاح، لأن الأسرة هي اللبنة الأولي في هذا البناء الكبير.

فهو يتحدث عن أن الأمة تتألف من البيوت - العائلات - فصلاحها صلاحها، ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة.

وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان علي أشدهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد، ثم بين سائر الأقربين. فمن فسدت فطرته لا خير فيه لأهله, ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءً من بنية أمة، لأنه لا تنفع فيه اللحمة النسبية - التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس- فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل، فتجعله جزءً منهم يسره ما يسرهم ويؤلمه ما يؤلمهم، ويرى منفعتهم عين منفعته ومضرتهم عين مضرته، وهو ما يجب على كل شخص لأمته.

وهو يرى أن هذا التلاحم الأسري له دور في رعاية المحتاجين في المجتمع والفقراء من أهله.

فصلاح البيت الصغير يحدث له قوة فإذا عاون أهله البيوت الأُخرى التي تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضًا، يكون لكل البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت، تكفيهم مئونة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم نسب.

وفي وضع المرأة يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله:"لو أن في الشريعة الإسلامية نصوصًا تقضي بالحجاب، علي ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين - الحجاب هنا هو المكوث في البيت وعدم الخروج وإذا تم الخروج للضرورات الكادحة فبالبرقع ليس غير-، لوجب عليّ اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفًا يخالف تلك النصوص مهما كانت مضرة في ظاهر الأمر، لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة ..."ويكمل الإمام حديثه قائلًا: لكننا لا نجد نصًا في الشريعة يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة، وإنما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها، وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت من الناس باسم الدين والدين براء منها ... ولذلك لا نرى مانعًا من البحث فيها، بل نرى من الواجب أن نلم بها ونبين حكم الشريعة في شأنها، وحاجة الناس إلي تغييرها ..."ثم بدأ يذكر الأدلة التي تقوي حجته, وفند المزاعم الأخرى."

• مساهمته في إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية لنشر العلم وتعميمه والبر بالمحتاجين:

أسهم الشيخ محمد عبده في سنة 1310هـ/1892م في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية لنشر العلم وتعميمه والبر بالمحتاجين، وتولى رئاستها في سنة 1318هـ/1900م حتى وفاته، فكان أكبر عامل في نجاحها، وتعميم فائدتها, وله - أيضًا - الفضل في حث الأغنياء على أن يتبرعوا لها بما تجود به نفوسهم من الأراضي الزراعية والعقارات، وبلغت المدارس التابعة لها في سنة 1322هـ/1904م سبع مدارس، بعد أن كانت في سنة 1317هـ/1899م أربع مدارس فقط.

• إنشاء جمعية العروة الوثقى. أسسها في باريس، بالاشتراك مع أستاذه جمال الدين الأفغاني.

• إنشاء جمعية إحياء الكتب العربية - كان غرضه من تأسيسها إحياء التراث العربي.

• سعى مع صديقه أحمد باشا المنشاوي لإنشاء أول جامعة مصرية إلا أنهما توفيا قبل تحقيق رغبتهما.

ملامح التكريم:

-نال كسوة تشريف من الدرجة الثالثة ثم الدرجة الأولى في عامي 1895، 1899.

-كرمته الجامعة المصرية بالاحتفال بذكراه في 16 ذي القعدة 1340هـ/ 11يوليو 1922م في احتفال مهيب حضره تلاميذه من كبار العلماء وقادة الفكر والشعراء وغيرهم من رجالات السياسة والمجتمع المصري.

-كرمته مديرية البحيرة بإطلاق اسمه على بعثة توجهها إلى أوربا، اختارت لعضويتها النابهين من أبناء الأزهر.

-كرمه الرئيس محمد أنور السادات بمنح اسمه قلادة النيل.

أهم الإنجازات:

انتقد الشيخ محمد عبده الأزهر، والمدارس الحكومية، والكتاتيب في القرى، وكشف عن حالة الفوضى التي تتخبط فيها كل مرافق التعليم بحيث تسير إليه من غير طرقه القوية كما قال، ولذلك وضع الأستاذ الإمام لإصلاح التعليم ثلاث خطط:

-خطة لإصلاحه في الدولة العثمانية. بعثها إلى شيخ الإسلام في الآستانة.

-…خطة لإصلاحه في سوريا. بعث بها إلى والي سوريا.

-خطة لإصلاحه في مصر. نشرها لولاة الأمر في مصر ولسائر الناس.

وكل هذه الخطط - كما يقول الدكتور عبد المعطي بيومي - إنما تدور حول أن تكون التربية الدينية هي أساس التعليم الرئيس، ويضاف إليها العلوم النافعة لتقدم الأمة، وكلها ترتكز على ضرورة أن يهب أولو العزم واليسار من المسلمين ليساعدوا على إقامة هذا التعليم ونشره في الأمة؛ لأن في التعليم حماية للأمة ولأغنيائها خاصة. قال:"فعلى الأغنياء منا الذين يخافون من تغلب الغير عليهم، وتطاول الأيدي الظالمة إليهم أكثر من الفقراء أن يتآلفوا ويتحدوا ويبذلوا من أموالهم في افتتاح المدارس والمكاتب، واتساع دوائر التعليم حتى تعم التربية، وتنبت في البلاد جراثيم العقل والإدراك، وتنمو روح الحق والصلاح، وتتهذب النفوس ويشتد الإحساس بالمنافع والمضار، فيوجد في أبناء البلاد من يضارع بني غيرها من الأمم فتكون عند ذلك في رتبة المساواة. لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

بدأت جهود الشيخ محمد عبده في إصلاح الأزهر بعد عودته من المنفى (سنة 1306هـ/1889م) حيث اقترح على الشيخ محمد الإنبابي تدريس مقدمة ابن خلدون فلم يجبه إلى ذلك وقال:"إن العادة لم تجر بذلك"ثم سكت حين أراد الشيخ محمد عبده أن يُبين له وجه المشابهة بين المقدمة وما يدرس من كتب المتأخرين على عهده، ولم يرد أن يدخل في الحديث، والخلاصة أن هذه الفتوى لم تحدث أثرًا ذا بال في عهد توفيق؛ فظلت حبرًا على ورق حتى عهد الخديو عباس.…ومما يذكر أيضًا أن الشيخ محمد عبده حاول الاتصال بالخديو توفيق لعمل بعض الإصلاحات في الأزهر إلا أن الخديو لم يكن ميالًا لمساعدته.

بدأ أول اتصال بين الخديو عباس والشيخ محمد عبده حول إصلاح الأزهر في أبريل سنة 1893م عن طريق تيجران باشا ناظر الخارجية، فقد ذكر ألفرد سكاون بلنت أن تيجران باشا قال له:"إن محمد عبده خير من يتولى إصلاح الأزهر"وطلب من بلنت الذي كان على علاقة طيبة مع محمد عبده أن يرسله إليه، وعندما تم اللقاء بين تيجران والشيخ محمد عبده أبدى الأخير رأيه في أنه لا يوجد سوى شيخ واحد يصلح شيخًا للأزهر على أساس مستنير، وهو الشيخ حسونة النواوي.

تأخر لقاء الشيخ محمد عبده بالخديو عباس مباشرة لما يزيد عن عام، حيث تم اللقاء الأول بينهما في نوفمبر 1894م، وجرى فيه بينهما الحديث عن إصلاح الأزهر، حيث سعى محمد عبده لإقناع الخديو بإصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية والأوقاف، لأن هذه المصالح الثلاث إسلامية محضة، تشمل إصلاح التربية والتعليم وإصلاح المساجد والإرشاد وإصلاح البيوت (العائلات) وقال له:"إن لدى أفندينا هذه المصالح الثلاث العظيمة فيمكنه أن يصلح الأمة كلها بإصلاحها، وقد تركها الإنكليز له لأنها دينية فهم لا ينازعونه فيها إلى الآن، ولا يُؤمن من تدخلهم في شأنها إذ طال العهد، وساعدت الفرص؛ فيجب المبادرة لإصلاحها".

التقت مخاوف الشيخ محمد عبده حول الإنجليز وإمكانية تدخلهم في هذه المصالح مع مخاوف عباس، فاتفقا على أن يقدم الشيخ محمد عبده إلى الخديو مذكرة بما يراه من وجوه الإصلاح، وفي هذا اللقاء وافق الخديو على منح إعانة مالية قدرها 2000 جنيه سنويًا للأزهر، وتقرّر تشكيل لجنة للإشراف على إنفاق المبلغ.

وكان من أهم الإصلاحات التي تمت بفضل الشيخ محمد عبده

-تشكيل مجلس إدارة الأزهر:

كان الخديو عباس قد طلب من الشيخ محمد عبده تقديم مذكرة بما يراه من وجوه الإصلاح في الأزهر؛ فقدمها له بحضور محمود فهمي باشا وأحمد شفيق باشا ومحمود شكري باشا رئيس الديوان الخديوي، فوافقوا عليها بعد مناقشتها، وإجراء شيء من التعديل فيها.

وكانت أولى خطوات الإصلاح صدور أمر إلى مجلس النظار في 7 رجب 1312هـ/ 3 يناير 1895م بتشكيل مجلس إدارة الأزهر وتحديد اختصاصاته، وأهداف تشكيله، وقد تقرر أن يكون هذا المجلس برئاسة الشيخ حسونة النواوي وعضوية ثلاثة من العلماء العاملين بالأزهر:

-الشيخ سليم البشري…شيخ السادة المالكية

-الشيخ عبد الرحمن الشربيني…من أكابر السادة الشافعية

-الشيخ يوسف الحنبلي…شيخ السادة الحنابلة

واثنين من العلماء العاملين بالحكومة وهما:

-الشيخ محمد عبده…القاضي بالمحاكم الأهلية

-الشيخ عبد الكريم سلمان وكيل إدارة قلم المطبوعات

-قانون امتحان من يريد التدريس:

قرر مجلس الإدارة أن يكون إنجاز هذا القانون أول أعماله فكلّف الشيخ محمد عبده بوضع نظام التدريس في الجامع الأزهر، وبعد أن تم تحضير مواد القانون، عرض على مجلس الإدارة فأقرّه بعد إدخال بعض التعديلات عليه، ثم أحيل إلى مجلس النظار فصدّق عليه في جلسة 5 يناير 1895م، ثم أرسله إلى الديوان الخديوي فصدر الأمر العالي باعتماده في 21 رجب 1312هـ/ 18 يناير 1895م، وألغى بذلك قانون سنة 1305هـ/1888م (قانون الشيخ الإنبابي) .

-قانون صرف المرتبات في الجامع الأزهر:

في الجلسة الأولى لمجلس إدارة الأزهر في 16 رجب 1312هـ/ 12 يناير 1895م كلّف المجلس الشيخ عبد الكريم سلمان بدراسة مشروع المرتبات، وفي جلسة 18 شعبان 1312هـ/ 13 فبراير 1895م ناقش المجلس مشروع القانون المقدم، وانتهى إلى وضع نظام يضبط به المرتبات على وجه يحقق العدل في التوزيع، وتقرر رفعه إلى الخديو للتصديق عليه، وفي جلسة 25 يونيو 1895م صدّق مجلس النظار على القانون، وصدر أمر من الخديو عباس بالعمل به في 6 محرم 1313هـ/ 29 يونيو 1895م.

وقد كان إصدار هذا القانون ضرورة للقضاء على بعض مظاهر الفوضى الموجودة في نظام المرتبات والجرايات، والشكاوى الكثيرة حول توزيعها حسب الأهواء ودون مراعاة للعدالة.

-قانون كساوي التشريف:

قرر مجلس إدارة الأزهر النظر في مسالة الكساوي، ووضع قانون لتوزيعها يراعي فيه صفات الاستحقاق لكل درجة من درجاتها؛ حتى تندفع الأثرة، ويكون الحكم هو القانون، وتكون الأهلية بالصفات وبالأعمال لا بالمحاباة والإلحاح؛ فوضع المجلس هذا القانون وعرض على مجلس النظار في جلسة 23 سبتمبر 1895م فقرر إحالته للنظر فيه على لجنة تحت رئاسة ناظر المالية، وعضوية رئيس الديون العربي الخديوي ووكيل الداخلية.

قامت اللجنة المذكورة بعمل بعض التعديلات على مشروع القانون ورفعتها إلى مجلس إدارة الأزهر الذي قام باستيفاء بعض الملاحظات التي رأتها اللجنة، وأرسل بالمشروع النهائي إلى مجلس النظار في 29 رجب 1313هـ/ 14 يناير 1896م (، وصدر الأمر باعتماد القانون في 17 شعبان 1313هـ/ أول فبراير 1896م، وبموجب هذا القانون تم تقسيم كساوي التشريف إلى ثلاث درجات، بين القانون شروط استحقاقها، وفقًا للمكانة العلمية، والامتيازات التي يحصل عليها حائزوها وفقًا لهذه الدرجات، وتم وضع قاعدة للترقي من درجة لأخرى.

-قانون الجامع الأزهر:

بعد أن مهّد مجلس إدارة الأزهر طريق الإصلاح بحلّ كثير من الأمور المتعلقة بالمرتبات والكساوي، وهى المسائل التي كانت من وسائل الترغيب في الإصلاح ـــ كما فعل الشيخ المهدي قبل ذلك ــ اتجه المجلس إلى مناقشة نظام التدريس والامتحان، وقد انتهى مجلس الإدارة من وضع مشروعين أحدهما يختص بالنظام الداخلي، والآخر بنظام التدريس والامتحان، ورفعهما إلى مجلس النظار فنظر فيهما في جلسة 2 رجب 1313هـ/ 19 ديسمبر 1895م فقرر تشكيل لجنة للنظر فيهما برئاسة ناظر الحقانية وعضوية محمود فهمي باشا رئيس الديوان العربي الخديوي، والشيخ محمد عبده، وإبراهيم نجيب باشا وكيل الداخلية، وحسين رشدي بك المفتش بنظارة المعارف وحرص مجلس النظار على إحاطة الخديو بما تضمنته هذه المشروعات، وما تقرر تجاهها.

قامت اللجنة بمراجعة المشروعين، ثم رفعت تقريرها إلى مجلس النظار، إلا أن مجلس إدارة الأزهر ـــ مع إقراره بأن اللجنة قد قصدت من عملها الخير ــ اعترض على بعض التعديلات التي أراد الشيخ محمد عبده إدخالها، وأرسل إلى مجلس النظار بيانًا بالمواد المراد حذفها أو تعديلها، وأسباب ذلك، وطلب مراعاة ذلك عند مناقشة القانون في مجلس النظار"وإلا جاء القانون موجبًا للقيل والقال ...".

أعيد القانون إلى اللجنة مرة أخرى فقامت بعقد عدة جلسات لتنقيح القانون، ثم رفع إلى مجلس النظار بعد حذف ما وجد صعوبة في تنفيذه، ثم رفع إلى الخديو عباس فأصدر إرادة سنية في 20 محرم 1314هـ/ أول يوليو 1896م، بالقانون، والذي اشتمل على ستة أبواب اشتملت على اثنتين وستين مادة:

الباب الأول: في الإدارة العمومية.

الباب الثاني: في شروط الانتظام في سلك طلبة الأزهر.

الباب الثالث: في التعليم والأحكام العامة التي تتعلق به.

الباب الرابع: في الامتحان.

الباب الخامس: في الضبط والربط والعقوبات التأديبية.

الباب السادس: في الأحكام العمومية.

ويعد هذا القانون من أهم القوانين في تاريخ الأزهر، وبمقتضاه تم تنظيم إدارة الأزهر، وحددت شروط انتساب الطلبة بحيث لا يعد من طلبة الأزهر إلا من يبلغ خمس عشرة سنة على الأقل، ويكون عارفًا بالقراءة والكتابة، وحافظًا لنصف القرآن على الأقل، ويجب حفظه كله على كفيف البصر، ونظم القانون المواد التي تدرس بالأزهر، فمنع تدريس الحواشي والتقارير للطلبة المبتدئين، وقسم العلوم التي تدرس بالأزهر إلى قسمين: مقاصد ووسائل، والمقاصد هي: التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والأخلاق، والوسائل هي: المنطق والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ومصطلح الحديث والحساب والجبر، وهذه هي العلوم التي يلزم أن يمتحن فيها من يريد شهادة العالمية، وهناك علوم أخرى لا يلزم الامتحان فيها ولكن يفضل من يعرفها على غيره في الوظائف والمرتبات، وهي: تاريخ الإسلام، وصناعة الإنشاء ومتن اللغة وآدابها وتقويم البلدان ومبادئ الهندسة، وقد ألفت لجنة لاختيار الكتب التي تدرس في تلك العلوم، وقد أنشأ القانون شهادة جديدة هي"الأهلية"لمن قضى ثماني سنوات فأكثر في الأزهر، ودرس ثمانية علوم على الأقل، على أن تؤلف لجنة الامتحان من ثلاثة من العلماء برئاسة شيخ الأزهر، وتختم الشهادة من شيخ الأزهر ولحاملها الحق في وظائف الإمامة والخطابة والوعظ بالمساجد، أما شهادة"العالمية"فتمنح لمن قضى اثنتي عشرة سنة فأكثر بالأزهر، وتؤلف لجنة الامتحان من ستة من علماء الأزهر، وتكون درجات العالمية ثلاثًا: أولى وثانية وثالثة، وتختم الشهادة من الخديو، ولحاملها الحق في التدريس في الأزهر وغيره، وفي الوظائف العالية، وعنى القانون بشئون الطلاب وأحوالهم المعيشية والصحية، وقرر لهم مسابقات سنوية في العلوم الحديثة، وأنشأ جوائز مالية للمتفوقين فيها، كما عنى القانون بتطوير نظم التدريس في الأزهر.

وقد تعرض الشيخ محمد عبده لكثير من المضايقات التي أعاقت عمله في إصلاح الأزهر في عهد الشيخ سليم البشري - في مشيخته الأولى (1317هـ/ 1899م -1320هـ/1903م) - إلا أنه استأنف نشاطه لإصلاح الأزهر في مشيخة الشيخ علي الببلاوي1320 (هـ/ 1903م -1323هـ/ 1905م) ، ولكن الدسائس التي كانت تحاك ضده، وخاصة بسبب ارتباطه بالشيخ الببلاوي وتوافق وجهات نظرهما في الإصلاح على خلاف رغبة الخديو عباس كانت سببًا في استقالتهما وخروجهما من الأزهر، وكان الخديو عباس عندما قرر تعيين الشيخ الببلاوي في مشيخة الأزهر يعتقد أنه سيستخدمه في معاكسة الشيخ محمد عبده ومعارضته وعرقلة مساعيه، فأخطأ ظنه، لأن الشيخ الببلاوي مال إلى الشيخ محمد عبده ووافقه في كل مشروعاته، وعندما عوتب في ذلك من بعض المقربين اعتذر بأن الرجل لا يريد غير الإصلاح فلا يرى وجهًا لمعارضته، وشهدت هذه الفترة تعرض الشيخ محمد عبده لكثير من الدسائس والمؤامرات التي كان خصومه بتحريض من الخديو بسبب تصدي الشيخ محمد عبده لأطماع الخديو في الأوقاف، وذلك في الحادثة المشهورة باسم"قضية وقف مشتهر".

وكان لاستقالة الشيخ الببلاوي من مشيخة الأزهر وتولية الشيخ عبد الرحمن الشربيني أن رأى الشيخ محمد عبده ورفيقه الشيخ عبد الكريم سلمان أنهما لا يمكنهما الاستمرار في العمل بعد تعيين الشيخ الشربيني فتقدما باستقالتهما في يوم 26 مارس 1905م.

ورغم خروج الشيخ محمد عبده من الأزهر إلا أنه لم ييأس من الإصلاح، يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق:"أذكر أنني كنت أسير مرة مع الأستاذ الشيخ محمد عبده عقب استقالته من الأزهر فقال في حديثه ــ رحمة الله عليه ــ: يظنون أن بخروجي من الأزهر تركته مرعى خصيبًا لشهواتهم ترتع حيث تشاء إلا أنني ألقيت بين جوانب هذا المكان شعلة لا تنطفئ ... إن لم تلتهب اليوم أو غدًا فستلتهب في ثلاثين عامًا وستكون ضرامًا"، إلا أن المنية عاجلته فتوفى في 8 جمادى الأولى 1323هـ/ 11 يوليو 1905م.

قالوا عن الشخصية:

لا يمكننا حصر ما قاله أعلام الفكر والسياسة والمصلحين، وعلى رأسهم رجال الأزهر الشريف عن الشيخ محمد عبده وفضله، وسنكتفي هنا بذكر بعض ما قيل عنه:

ـ يقول عنه عبد الرحمن الكواكبي - لما سأله الخديو عباس حلمي:- كيف رأيت الشيخ محمد عبده؟ قال الكواكبي:"إن إفريقية أخرجت كثيرًا من العلماء في العلوم والفنون المختلفة دون الفلسفة، ولكنها أخرجت فيلسوفًا واحدًا بزّ جميع الفلاسفة هو ابن خلدون، وكذلك مصر أخرجت من لا يحصى من العلماء دون الفلاسفة والحكماء، ثم أخرجت أخيرًا حكيمًا فاق جميع الحكماء، وهو الشيخ محمد عبده".

وكان الكواكبي رحمه الله يعتقد أن الشيخ محمد عبده أعلم من أستاذه الأفغاني وأنه هو الذي كبَّر صِيته.

ـ ويقول ماكولم مكاريث مستشار الحقانية بمصر: ـ نوه جناب المستشار في تقريره عن تلك السنة بما كان من خدمته الثمينة لوزارة الحقانية في كل ما يتعلق بالشريعة الإسلامية ومحاكمها، ثم قال: وكانت آراؤه علي الدوام في المسائل الدينية أو الشبيهة بالدينية سديدة صادرة عن سعة في الفكر، كثيرًا ما كانت خير معوان لهذه النظارة في عملها، فوق ذلك فقد قام لنا بخدمات جزيلة لا تقدر في مجلس شوري القوانين في معظم ما أحدثناه أخيرًا من الإصلاحات المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية إذ كان يشرح للمجلس آراء النظارة ونياتها، ويناضل عنها، ويبحث عن حل يرضي الفريقين كلما اقتضى الحال ذلك، وإنه ليصعب تعويض ما خسرناه بموته، نظرا لسمو مداركه وسعة اطلاعه وميله لكل دروب الإصلاح، والخبرة الخصوصية التي اكتسبها أثناء توظفه في محكمة الاستئناف وزياراته إلي مدن أوربا ومعاهد العلم.

كانت النظارة تريد أن تكل إليه أمر تنظيم مدرسة القضاة الشرعيين المزمع إنشاءها ومراقبتها مراقبة فعلية، أما الآن فإنه يتعذر وجود أحد غيره حائز للصفات اللازمة بهذه المهمة ولو بدرجة تقرب من درجته، فلكل هذه الأسباب أخشى أن نظارة الحقانية ستظل زمنًا طويلًا تشعر بخسارتها بفقده.

ـ جورجي زيدان قال في مجلته"الهلال"بعد نشر مجمل ترجمة الشيخ محمد عبده ومناقبه وأعماله:"على أن عظمته الحقيقية لا تتوقف علي ما تقدم من أعماله الخيرية أو العلمية أو القضائية وإنما تُقوّم بمشروعه الإصلاحي الذي لا يتصدى لمثله إلا أفراد لا يقوم منهم في الأمة الواحدة مهما طال عمرها إلا بضعة قليلة، وهذا ما أردنا بسطه علي الخصوص من هذه العجالة". ثم ذكر خطته وخطة أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني، وضرب له المثل بمصلح النصرانية"لوثر"فقال:"إنه أول من جاهد في سبيلها، وقد فاز بجهاده لقيام السياسة بنصرته،.وأما مصلح الإسلام فكانت السياسة ضده، وإنما حمله على تلك المجاهرة حرية ضميره وجسارته الأدبية ومنصبه الرفيع في الإفتاء".

وقال في محاولته إصلاح الأزهر:"إنه لم ينجح فيه إلا قليلًا، ولكنه وضع الأساس، ولابد من رجوع الأمة إلى تأييد هذه النهضة ولو بعد حين، فيكون له الفضل في تأسيسها."

ـ ويقول الشيخ محمد رشيد رضا عن شهادة سعد زغلول:"لو أراد سعد أن يكتب كلمة فيما يعلمه من مناقب أستاذه لتدوّن في التاريخ لكتب ما هو أبلغ من كل ما رويناه عن غيره، لأنه أعلم من غيره بسيرته من أول نشأته الفاضلة إلي نهايتها الكاملة ومن أقدرهم علي بيان ما يعلم".

ـــ ورثاه أمير الشعراء أحمد شوقي:

…مفسر آي الله بالأمس بيننا * قم اليوم فسر للورى آية الموت

رُحِمت، مصير العالمين كما تري * وكلُّ هناء أو عزاء إلي فوت

…هو الدهر: ميلاد، فشغلٌ، فمأتمٌ * فذكرٌ كما أبقي الصدى ذاهب الصوت

ــ ورثاه شاعر النيل حافظ إبراهيم في رثاءه:

…سلامٌ علي الإسلام بعد محمد * سلام علي أيامه النضرات

…علي الدين والدنيا، علي العلم والحجا * علي البر والتقوى، علي الحسنات

…لقد كنت أخشي عادي الموت قبله * فأصبحت أخشي أن تطول حياتي

وقد أثنى على الإمام محمد عبده كثير من العلماء المتأخرين ومنهم:

ــ الشيخ محمد الغزالي فقد قال عنه:"الشيخ محمد عبده وهو أحد رواد الإصلاح الحديث، وروح الفقه المتجدد في مدرسة المنار".

مؤلفاته/مؤلف عنه:

م…نوع العنصر…الاسم…مؤلف/مؤلف عنه

1…الكتب…عبد المنعم حماده: الأستاذ الإمام محمد عبده…مؤلف عنه

2…الكتب…محمد رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده…مؤلف عنه

3…الكتب…عاطف العراقي: الشيخ الإمام محمد عبده والتنوير قرن من الزمان علي وفاته…مؤلف عنه

4…الكتب…رسالة التوحيد…مؤلف

5…الكتب…الرد على هانوتو الفرنسي…مؤلف

6…الكتب…تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899م…مؤلف

7…الكتب…رسالة التوحيد…مؤلف

8…الكتب…رسالة التوحيد…مؤلف

9…الكتب…الرد على هانوتو الفرنسي…مؤلف

10…الكتب…تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899م…مؤلف

11…الكتب…الاسلام والرد على منتقدية…مؤلف

12…المخطوطات…رساله في صفة التدريس في الجامع الازهر…مؤلف

13…المقالات…الإمام محمد عبده…مؤلف عنه

14…المقالات…ليلى دورا: الإمام محمد عبده ورؤاه التنويرية وآراؤه الإصلاحية…مؤلف عنه

15…المقالات…محمد الصياد: محمد عبده…مؤلف عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت