فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 2444

إن من الترك من يستمطر في السفارة وغيرها فيمطر ويحدث ما شاء من برد وثلج ونحو ذلك فكنا بين منكر ومصدق حتى رأيت داود بن منصور بن أبي علي الباذغيسي وكان رجلا صالحا قد تولى خراسان فحمد أمره بها وقد خلا بابن ملك الترك الغزية وكان يقال له بالقيق بن حيوية فقال له بلغنا عن الترك أنهم يجلبون المطر والثلج متى شاؤوا فما عندك في ذلك فقال الترك أحقر وأذل عند الله من أن يستطيعوا هذا الأمر والذي بلغك حق ولكن له خبر أحدثك به كان بعض أجدادي راغم أباه وكان الملك في ذلك العصر قد شذ عنه واتخذ لنفسه أصحابا من مواليه وغلمانه وغيرهم ممن يحب الصعلكة وتوجه نحو شرق البلاد يغير على الناس ويصيد ما يظهر له ولأصحابه فانتهى به المسير إلى بلد ذكر أهله أن لا منفذ لأحد وراءه وهناك جبل قالوا إن الشمس تطلع من وراء هذا الجبل وهي قريبة من الأرض جدا فلا تقع على شيء إلا أحرقته قال أوليس هناك ساكن ولا وحش قالوا بلى قال فكيف يتهيأ لهم المقام على ما ذكرتم قالوا أما الناس فلهم أسراب تحت الأرض وغيران في الجبال فإذا طلعت الشمس بادروا إليها واستكنوا فيها حتى ترتفع الشمس عنهم فيخرجون وأما الوحوش فإنها تلتقط حصى هناك قد ألهمت معرفته فكل وحشية تأخذ حصاة بفيها وترفع رأسها إلى السماء فتظللها وتبرز عند ذلك غمامة تحجب بينها وبين الشمس قال فقصد جدي تلك الناحية فوجد الأمر على ما بلغه فحمل هو وأصحابه على الوحوش حتى عرف الحصى والتقطه فحملوا منه ما قدروا عليه إلى بلادهم فهو معهم إلى الآن فإذا أرادوا المطر حركوا منه شيئا يسيرا فينشأ الغيم فيوافي المطر وإن أرادوا الثلج والبرد زادوا في تحريكه فيوافيهم الثلج والبرد فهذه قصتهم وليس ذلك من حيلة عندهم ولكنه من قدرة الله تعالى

قال أبو العباس وسمعت إسماعيل بن أحمد الساماني أمير خراسان يقول غزوت الترك في بعض السنين في نحو عشرين ألف رجل من المسلمين فخرج إلي منهم ستون ألفا في السلاح الشاك فواقعتهم أياما فإني ليوما في قتالهم إذا اجتمع إلي خلق من غلمان الأتراك وغيرهم من الأتراك المستأمنة فقالوا لي إن لنا في عسكر الكفرة قرابات وإخوانا وقد أنذرونا بموافاة فلان قال وكان هذا الذي ذكروه كالكاهن عندهم وكانوا يزعمون أن ينشىء سحاب البرد والثلج وغير ذلك فيقصد بها من يريد هلاكه وقالوا قد عزم أن يمطر على عسكرنا بردا عظاما لا يصيب البرد إنسانا إلا قتله قال فانتهرتهم وقلت لهم ما خرج الكفر من قلوبكم بعد وهل يستطيع هذا أحد من البشر قالوا قد أنذرناك وأنت أعلم غدا عند ارتفاع النهار فلما كان من الغد وارتفاع النهار نشأت سحابة عظيمة هائلة من رأس جبل كنت مستندا بعسكري إليه ثم لم تزل تنتشر وتزيد حتى أظلت عسكري كله فهالني سوادها وما رأيت منها وما سمعت فيها من الأصوات الهائلة وعلمت أنها فتنة فنزلت عن دابتي وصليت ركعتين وأهل العسكر يموج بعضهم في بعض وهم لا يشكون في البلاء فدعوت الله وعفرت وجهي في التراب وقلت اللهم أغثنا فإن عبادك يضعفون عن محنتك وأنا أعلم أن القدرة لك وأنه لا يملك الضر والنفع إلا أنت اللهم إن هذه السحابة إن أمطرت علينا كانت فتنة للمسلمين وسطوة للمشركين فاصرف عنا شرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت