فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 363

حديث: إياكم والجلوس على الطرقات

101 -قوله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ ... ) الحديث. [خ¦2465]

ظاهره يدلُّ على [1] المنع مِن الجلوس على الطرقات لغير ضرورة، وإن كان لضرورة فَيُعِطي الطريق حقَّه، والكلام عليه مِن

ج 2 ص 384

وجوه:

منها: هل النهيُ نهي تحريم أو نهي كراهية؟ ومنها: هل ذلك في كل الطُّرُق كانت [2] عامرةً أو غيرَ عامرة؟ فأما الجواب على قولنا [3] :هل هو على الوجوب أو على [4] الندب؟ فلو كان النهي من شأن الطريق لا غير حينئذ كنا ننظر فيها، وإنما النَّهي عن الجلوس فيها مِن أجل ما يُتوقَّع فيها مِن مدِّ البصر إلى ما لا يجوز، أو السَّمع [5] إلى ما لا يجوز أيضًا، أو لِمَا يتعيَّن مِن المفاسد، فإذا رأينا أنَّ سببَ النهي هو هذا وهو الذي يدلُّ الحديث عليه [6] فيكون تحريمًا، ويكون فيه دليل على الحكم بسدِّ الذريعة، وإن قلنا: إنَّما كان النهي [7] مِن أجل ما يحصل للناس مِن الضيق في الطُّرق [8] عند تصرُّفهم مِن شأن الجلَّاس بها فيكون بحسب الضرر، فإن كان كثيرًا كان محرَّمًا [9] وإن كان يسيرًا من [10] حيث لا يكون ضررًا له بال فيكون مكروهًا، والأظهر: المنع مِن أجل أنَّ تلك الشروط التي ذُكِرَت أَنَّهَا مِن حقِّ الطريق قلَّما تخلو الطريق [11] منها، وقد قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] .

وهنا بحث وهو أن يُقال [12] هل يتعدَّى ذلك إلى غير الطرق مما [13] يقرب منها مثل الجلوس في [14] الدكاكين لغير أهلها، أو المساطب المجعولة في طرق المسلمين، أو عَتَب الأبواب [15] ، أو الطيقان [16] التي تكشف على الأزقَّة؟ فإن قلنا: إنَّ العلَّة في ذلك ما ذكرناه مِن تصرُّف الجوارح فيما لا يجوز لها فحيث وجدنا تلك العلَّة منعنا لأنه أمرٌ لا يَحِلُّ شرعًا، حتَّى إنَّ الماشي في الطرق مِن أجل الضرورة قد نصَّ العلماء على أنَّه لا يجوز له

ج 2 ص 385

النظر فيها إلا قدرَ ضرورته ينظر حيث يجعل قدمه ودفع [17] ضرر يلحقه، ولا يبقى يتصفَّح في وجوه الناس وحُرَمِهم [18] يمينًا وشمالًا، لأن هذا ممنوع، فإذا كان الماشي ممنوعًا فمِن باب أحرى وأَوْلى [19] للقاعد الذي يُشرف على الطريق [20] ، لأنَّه أمكنُ مِن سوء النظر ومِن أجل ذلك قال: (( النَّظْرَةُ الأُولَى لكَ، والثَّانِيَةُ عَلَيْكَ ) )، هذا إذا كانت بغير تعمُّد، وأمَّا إذا [21] كانت بتعمُّدٍ فالكلُّ عليك.

وفيه دليل على أنَّه مَن كَثُرَ منه أو فيه شيء نُسِب [22] إليه وجعل منه عليه السلام، يؤخذ ذلك من قوله عليه الصَّلاة والسلام: (أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا) وتلك الأربعة التي هي: غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، الكلُّ واجبة، فلمَّا أنَّها أكثر ما يقع في الطريق جعلها مِن [23] حقِّ الطريق.

وهنا أيضًا [24] بحثٌ، وهو أن يقال [25] : هل المقصود مِن الجوارح ما ذكر ليس إلَّا أو هو مِن باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ فليس [26] الأمر مقصورًا على ما ذكر ليس إلَّا، وإنما هو مِن باب التنبيه الأعلى على الأدنى [27] ، والدليل [28] على ذلك قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَن الْمُنْكَرِ [29] ) فتأمر غيرك بالمعروف [30] ولا تأمر نفسك، وتنهى غيرك عن المنكر ولا تنتهي أنتَ عنه، هذا لا يُعقَل [31] ، ولا يكون [32] إذ ذاك أمرًا حقًا، وما وَفَّيْتَ حقَّ الطريق.

ويترتب عليه مِن الفقه أنَّه [33] مَن لم تكن له ضرورة للجلوس أو لا يقدر مع تلك الضرورة على الشروط لا [34] يجلس.

ج 2 ص 386

وأمَّا هل تكون الطرق عامرةً أو غيرَ عامرة؟ فاللفظ يعطي العموم، وإنْ نظرنا إلى العلَّة، فنقول: لا يخلو [35] أن تكون الطُّرق في العمارة أو في البرية، فإن كانت في العمارة فحكمها كانت عامرة أو غير عامرة واحد، فإنَّها لا بدَّ فيها مِن [36] تلك المتوقَّعات، وإن كانت في فيافٍ وقفر [37] ، فما هي التي قُصِدت هنا لعدم العلَّة فيها، ولأنَّ بساط [38] الكلام لا يعطي ذلك.

وفيه دليلٌ على جواز مراجعة المأمور للآمر عند أمره له لتبيين [39] حاله، يُؤْخَذ ذلك مِن قولهم عند النَّهي [40] : (مَا لَنَا بُدٌّ) وبيَّنوا العذرَ المذكور بعدُ، وهو أنَّ مجالسَهم [41] كانت في غاية الضِّيق، لم تكن تحمل [42] جلوسهم لأن [43] يتحدَّثوا في ضروراتهم فكانوا يجلسون لذلك في الطُّرق.

وفيه دليلٌ على أنَّه إذا كان العذرُ بيَّنًا، لا يُطالَبُ صاحب بإثباته [44] ، يؤخذ ذلك مِن أنَّه لمَّا أبدوا العذر له صلَّى الله عليه وسلَّم جعل لهم المخرجَ بعلمه بما قالوا [45] .

وفيه دليلٌ على أنَّ أصحابَّ الأعذارِ لهم حكمٌ خاصٌّ بحسب أعذارهم، يُؤخذُ ذلك مِن كونه عليه السَّلام أولًا أطلقَ الحكم، فلمَّا رأى العذرَ الذي أبدوه حقًّا أعطاهم حكمًا [46] بحسب عذرهم.

وفيه دليلٌ على تفقُّد الرَّاعي أمر رعيَّته بنفسه، يُؤخذ ذلك مِن قوَّة الحديث، فلولا أنَّه عليه السَّلام كان يتفقَّد ذلك [47] مِن أصحابه ما كان يأمرهم بذلك مِن غير أن يذكروا له ذلك.

[1] في (ج) : (( الطريق كانت ) ). وقوله: (( كانت ) )زيادة من (ج) و (م) .

[2] في (ج) : (( الطريق كانت ) ). وقوله: (( كانت ) )زيادة من (ج) و (م) .

[3] قوله: (( على قولنا ) )زيادة من (ج) و (م) و (ل) .

[4] قوله: (( على ) )زيادة من (ج) على النسخ.

[5] في (ج) : (( والسمع ) ).

[6] في (ج) : (( عليه الحديث ) ).

[7] في (م) : (( إن النهي إنما كان ) ).

[8] في (ج) و (ل) : (( الطريق ) ).

[9] في (ط) و (ل) : (( فكان منعًا ) )، تنظر: لطفًا (25/ب) .

[10] قوله: (( من ) )ليس في (ل) .

[11] في (ج) و (م) و (ل) : (( الطرق ) ).

[12] قوله: (( أن يقال ) )ليس في (ل) .

[13] في (ج) : (( بما ) ).

[14] زاد في (م) : (( أزقة ) ).

[15] قوله: (( أو المساطب المجعولة في طرق المسلمين، أو عتب الأبواب ) )زيادة من (ج) على النسخ.

[16] في (ج) : (( الطبقات ) )وفي (ل) : (( والطبقات ) ).

[17] في (ج) و (م) : (( أو دفع ) ).

[18] في (ج) و (م) : (( أو حرمهم ) ).

[19] في (م) و (ل) : (( أولى وأحرى ) ).

[20] في (ج) و (م) و (ل) : (( الطرق ) ).

[21] قوله: (( كانت بغير تعمد، وأما إذا ) )ليس في (ج) .

[22] في (ج) : (( ينسب ) )، و في (م) : (( أو في شيء منه نسب ) ).

[23] في (ج) و (م) : (( فلولا أنها أكثر ما يقع في الطرق ما جعلها في ) )وفي (ل) : (( فلما أنها أكبر تبقى في الطرق جعلها من ) ).

[24] قوله: (( أيضًا ) )ليس في (ج) و (م) .

[25] قوله: (( وهو أن يقال ) )ليس في (ل) .

[26] في (ل) : (( ليس ) ).

[27] في (ط) : (( ليس الأمر مقصودًا على ما ذكر ) ).

[28] في (ل) : (( بالأعلى على الأدنى الدليل ) ).

[29] في (ج) و (م) و (ل) : (( وأمر بمعروف ونهي عن منكر ) ).

[30] قوله: (( بالمعروف ) )ليس في (ل) .

[31] في (ط) و (م) : (( ينعقل ) )، وفي (ج) : (( لا ينفعك ) )، وفي (ل) : (( لا يتعقل ) ).

[32] في (ج) : (( تكون ) ).

[33] في (م) : (( أن ) ).

[34] في (ج) : (( ألا ) )، وفي (م) : (( فلا ) ).

[35] في (ل) : (( لا تخلو ) ).

[36] زاد في (ل) : (( وقوع ) ).

[37] في (ج) : (( وقفار ) )، وفي (م) : (( وقفاز ) ).

[38] في (ج) : (( بسط ) ).

[39] في (ج) و (ل) : (( ليتبين ) ).

[40] قوله: (( عند النهي ) )ليس في (م) .

[41] في (ج) و (م) : (( مساكنهم ) ).

[42] في (ل) : (( يكن يحمل ) ).

[43] في (ج) : (( لا ) ).

[44] في (ج) : (( لا يطلب صاحب بإتيانه ) )، وفي (م) : (( لا يطلب صاحب لإثباته ) )، و في (ل) : (( لا يطالب صاحبه بإثباته ) ).

[45] في (ج) : (( لعلمهم بما قالوا ) )، وفي (ل) : (( لعلمه بما قالوا ) ). وقوله: (( بعلمه بما قالوا ) )ليس في (م) .

[46] في (م) : (( عذرًا ) ).

[47] قوله: (( ذلك ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت