110 -قولها: (كَانَ رَسُولُ اللهِ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) . [خ¦2585]
ج 2 ص 431
ظاهر الحديث يعطي جواز قبول الهدية والثواب عليها، والكلام عليه [2] من وجوه:
منها: أنَّ الهدية الثواب عليها يكون [3] بأقلَّ منها أو أكثر [4] ومثلها بحسب ما يخطر للذي [5] يكافئ، يؤخذ ذلك مِن قولها: (يُثِيْبُ) ولم تقل [6] : يكافئ، لأن المكافأة تقتضي المماثلة، وذكر الثواب لا يبدل عن [7] ذلك، وهي كما تقول: ثمن السلعة وقيمتها، لأنَّ الثمن يزيد وينقص والقيمة هي قدر ما تساوي بلا زيادة ولا نقصان.
ومنها: كيفية الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله وقد ذكرناه قبل في الحديث الذي قبل هذا [8] ، وقد يمكن أن يكون الجمع بينهما بوجه آخر، وهو: أنَّ الهدية جائز [9] أخذها وتكون [10] على وجهين: إمَّا أن تكون لله خالصة، أو تكون [11] من أجل الصحبة [12] وطلب جلب [13] القلوب للتَّوادد.
فإذا علمت أو قَوِي [14] ظنُّك أنَّها طلب للتوادد وجلب [15] القلوب فينبغي أن تثيبه أنت [16] على تلك الهدية لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( تَهَادُوا تَحَابُّوا ) )وأنَّ الهدية تَذهَب بالسَّخيمة فتكون [17] توافقه على ما قصد وتكون [18] في ذلك على السُّنَّة، وإن كانت لله خالصة فالأجمل [19] عدم المكافأة [20] منك وتترك [21] مكافأته على الله فتكون تعينه على ما أمَّل منك فيكون [22] مبالغة في المعروف، وتكون [23] أيضًا في فعلك ذلك على السنَّة.
ووجه آخر تكون تنظر بماذا [24] يكون فرح المُهدِي إليك [25] فتعمل عليه، لأنه مِن باب
ج 2 ص 432
إدخال المسرَّة وكلاهما حسنٌ وأنت في ذلك كلِّه متَّبِع إلا أنَّ هنا تنبيهًا [26] أعني إذا ظهرت [27] لك المكافأة أن تنظر لسان العلم في ذلك مِن أجل أن تقع [28] في الرياء [29] وأنت لا تعلم، فإنَّه [30] إذا كانت نفس الواهب متشوفة [31] إلى المكافأة وإن نوى بهديته وجه الله تعالى فلا تكون المكافأة [32] على ذلك إلا بما يجوز بيعه، فتنظر ذلك الشيء الموهوب، والشيء الذي خطر لك أنت أن تكافئه به، هل يجوز [33] بيعه به على الصفة التي تريد أن تفعلها أنت؟ فإن جاز [34] فافعل، وإن [35] لم تعلم فاسأل أهل العلم وحينئذ تفعل.
مثال ذلك أن يَهَب لك [36] طعامًا فيخطر [37] لك أن تكافئه أنت بطعام [38] غيرَ يدٍ بيد فذلك ممنوع، وقد ذكر ذلك في كتب الفقه فإن لم تكن نفسك متشوفة [39] إلى مكافأة [40] ولا صاحب الهدية أيضًا مثل ذلك لا تشوف [41] نفسه إلى هذا، ويكون ذلك مقطوعًا به، مثل لو أُحلِفتَ عليه حلفتَ [42] وكنتَ بارًّا في يمينك وقد أَهدَى لك هو [43] طعامًا ثم حضر [44] لك أنت طعام واستطبتَه وبينكما مِن الصداقة ما تَقَرُّ عينك إذا أكل هو منها [45] ، فإن نظرت إلى مقتضى مذهب مالك الذي هو سدُّ الذريعة، فالأولى أن لا تفعل [46] وإن نظرت إلى باب المعروف، لأنهم وسَّعوا فيه ما لم يُوَسِّعوا في غيره فلا بأس أن تفعل [47] إلا أنَّه مع تلك الشروط.
وفيه دليل على أنَّ قبول الهدية لا يتنافى معها [48] الزهد،
ج 2 ص 433
لأنه [49] ما فعله صلَّى الله عليه وسلَّم فهو أعلى الطرق، وإنما الزهد في القلب ليس بقِلَّة [50] القبول ولا بكثرته إلا إن كان ممَّن [51] لا يملك قلبَه مِن الميل إلى ذلك والاشتغال به فلا يفعل ويكون ترك القبول لا مخالفةٍ للسُنَّة [52] بل يكون مِن أجل العذر، لأنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قد جعل لأهل الأعذار حكمًا يخصهم وأعذرهم [53] فيه، وكذلك إن توقع بالقبول [54] مفسدةً في دينه فلا يفعل، وإنما بينَّا الجواز والتفرقة وما نَصَّصْنَا عليه مع صِحَّة الدِّين والسلامة مِن العيوب والشبهات وإلا قد كانت [55] الصحابة والسلف [56] رضوان الله عليهم [57] يتركون سبعين بابًا مِن الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام.
وفيه دليل على أنَّ الهدية مما أُحِلَّ لنا، لأنه إذا كانت هدية نكرة لا ينضاف [58] إليها قبل ولا بعد شيء تتعرَّف [59] به مثل ما ذكرنا مِن هدية الثواب، فإنها بهذه الإضافة خرجت عن هذا الاسم، ومثل هدية الحكام مِن أجل الحكم إنَّها [60] رُشا، ومثل الهدية للمِدْيان، لأنَّها [61] سُحْت، ومثل الهدية لمن شفع لك شفاعة فإنها ربِا لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَنْ شَفَعَ لِأَخِيْهِ [62] شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ مِنْ أَجْلِهَا [63] هديةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا [64] فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ [65] بَابًا عَظِيْمًا مِنْ أَبْوابِ [66] الرِّبَا ) )، فانتبه واللبيب فطين [67] .
[1] في (م) و (ل) : (( النبي ) ).
[2] في (ج) : (( عليها ) ).
[3] في (ج) و (م) : (( يكون الثواب عليها ) ).
[4] في (ج) و (ل) : (( وأكثر ) )، وفي (م) : (( بأقل وأكثر ) ).
[5] في (ج) و (م) : (( يحتار الذي ) ).
[6] في (ج) و (م) و (ل) : (( يقل ) )، وبعدها في (م) : (( ويكافئ ) ).
[7] في (م) و (ج) : (( على ) ).
[8] قوله: (( قبل في الحديث الذي قبل هذا ) )ليس في (ج) و (م) .
[9] في (م) : (( جائزة ) ).
[10] في (ل) : (( ويكون ) ).
[11] العبارة في (ل) : (( إما أن يكون لله خالصا أو يكون ) ).
[12] في (م) : (( تكون للصحبة ) ).
[13] في (ج) : (( جذب ) ).
[14] في (م) : (( وقوي ) ).
[15] في (ج) : (( وجذب ) ).
[16] في (ج) : (( يثيبه ) )وفي (ل) : (( أن تبينه أنت ) ).
[17] في (ل) : (( فيكون ) ).
[18] في (ج) و (ل) : (( ويكون ) )، و قوله بعدها: (( في ذلك ) )ليس في (م) .
[19] في (ج) : (( والأجمل ) ).
[20] في (ل) : (( المكافآت ) ).
[21] في (ج) : (( ويترك ) ).
[22] في (ل) : (( فتكون ) ).
[23] في (ل) : (( ويكون ) ).
[24] في (ج) : (( أنك تنظر ماذا ) )، وفي (م) : (( أنك تنظر بماذا ) )وفي (ل) : (( تكون بنظر بماذا ) ).
[25] في (ج) : (( إليه ) ).
[26] في (م) و (ل) : (( تنبيه ) ).
[27] في (ل) : (( ظهر ) ).
[28] في (ج) و (ل) : (( يقع ) ).
[29] في (ج) : (( الربا ) ).
[30] قوله: (( فإنه ) )ليس في (ل) .
[31] في (ط) : (( تشوق ) )والمثبت من النسخ الأخرى، وبعدها في (ج) : (( مكافآت ) )والعبارة في (ل) : (( نفس الواهب تشوف إلى المكافآت ) ).
[32] في (ج) و (ل) : (( المكافآت ) ).
[33] قوله: (( بيعه فتنظر ذلك الشيء الموهوب والشيء الذي خطر لك أنت أن تكافئه به هل يجوز ) )ليس في (ل) .
[34] قوله: (( فإن جاز ) )ليس في (م) .
[35] في (م) : (( فإن ) ).
[36] زاد في (ل) : (( أحد ) ).
[37] في (ج) : (( يخطر ) ).
[38] العبارة في (ل) : (( أن تكافيه بطعام ) ).
[39] في (ط) و (ل) : (( تشوف ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[40] في (ل) : (( نفسك تشوف إلى مكافآت ) ).
[41] في (ج) و (م) : (( تتشوف ) ).
[42] في (ج) : (( اختلفت عليه خلفت ) )، وفي (م) : (( أحلف عليه حلف ) )وفي (ل) : (( لو احتلفت عليه حلفت ) ).
[43] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) وفي (ل) : (( هو لك ) )بتقديم وتأخير.
[44] في (ط) و (ل) : (( خطر ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[45] قوله: (( هو منها ) )ليس في (ج) ، وقوله: (( هو ) )ليس في (م) .
[46] في (م) : (( فلا تقبل ) ).
[47] في (ل) : (( يفعل ) ).
[48] في (م) : (( فيها ) ).
[49] في (ج) و (م) : (( لأن ) ).
[50] في (ج) : (( بعلة ) ).
[51] في (م) : (( مما ) ).
[52] في (ج) و (م) : (( لا لمخالفة السنة ) ).
[53] في (ج) : (( وعذرهم ) )، وفي (م) : (( يخصهم لا لمخالفة السنة بل يكون من أجل العذر وعذرهم ) ).
[54] في (م) : (( وكذلك توقع القبول ) ).
[55] في (ج) و (م) : (( فقد كان ) ).
[56] قوله: (( السلف ) )زيادة من (ج) و (م) ليس في (ط) .
[57] قوله: (( والسلف رضوان الله عليهم ) )ليس في (ل) .
[58] في (ط) : (( بلا أن ينضاف ) )وفي (ل) : (( كانت الهدية نكرة بلي أن يضاف ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[59] في (ج) : (( يتعرف ) ).
[60] في (ج) و (م) : (( فإنها ) )وفي (ل) : (( أنه ) ).
[61] في (ل) : (( لأنه ) ).
[62] في (م) : (( لأحد ) ).
[63] قوله: (( من أجلها ) )ليس في (ج) و (م) .
[64] قوله: (( عليها فقبلها ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[65] في (ج) : (( فقد أتى ) )، وفي (م) : (( فقبلها أتى ) ).
[66] قوله: (( أبواب ) )زيادة من (ج) على النسخ.
[67] في (ج) و (م) : (( فطن ) ).