193 -قولها: (إنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ ... ) الحديث. [خ¦3475]
ج 3 ص 450
ظاهر الحديث يدلُّ على منع الشفاعة في حدٍّ مِن حدود الله تعالى، والكلام عليه مِن وجوه:
منها: أنَّه [1] ينبغي أنْ يختار [2] في الشفاعة مَن له إدلال على الذي يشفع عنده وحرمة، يؤخذ ذلك مِن قولهم: (مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم؟) ، فلم يرجِّحوا بجميعهم [3] إلا مَنْ كان أكثرَهم [4] إدلالًا عليه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم، وله عنده حرمة وهو أسامة بن زيد [5] ، لأنَّه كان خادمَه [6] عليه الصلاة والسَّلام، وبالقطع إنَّ أبا بكر وعمر وجميع الخلفاء وأعمامه عليه الصلاة والسَّلام أرفع عنده مِن أسامة بن زيد وأكثر حرمة لكن الإدلال له خصوصية أخرى.
وفيه دليل: [7] على أنَّ الخديم أكثر إدلالًا على مخدومه مِن غيره، وله حرمة الخدمة أيضًا، ولذلك كان أهل الصوفة أكثر إدلالًا لدوام خدمتهم وكثرة وقوفهم بالباب، ومِن هناك الربح [8] الحقيقي.
وقد روي عن بعضهم أنَّه [9] كلَّ ليلة كان يأتي باب الملك الذي كان في بلده مقيمًا، وكان مِن عادة ذلك [10] الملك أنَّ كلَّ مَن يخدم له في وجه مِن وجوه مصالحه وضروراته يأتي بابه، ويدفع لهم خازنه أجرتهم يومًا بيوم، كل على قدر عمله، [11] فكان ذلك السيِّد يأتي خازن الملك كل ليلة مع أولئك الخدام، فيقول له: أعطني أجرتي [12] ، فيقول له الخازن: لو خدمتَ كنتَ تأخذ كما يأخذُ مَن خدم، فيقول له: فما يأخذُ الأجرة إلا
ج 3 ص 451
مَن يخدم [13] ؟ فيقول: بذلك أُمِرْتُ، فيقول لنفسه: اسمعي .. مَنْ يخدمْ يأخذْ ومَن لا يخدمْ لا يأخذ فإن خدمتِ أخذتِ وإلاَّ يأخذْ غيرُكِ ولا تأخذي [14] أنتِ شيئًا .. ! فكان يؤدِّب [15] نفسه كلَّ ليلة بهذا ويحملها على دوام الخدمة، وفُهِّمُوا [16] فَفَهِموا [17] وعُرِّفوا فَعَرَفوا.
وفيه دليل: على أنَّ ترك الحدود سبب [18] للهلاك، يؤخذ ذلك مِن قوله عليه الصلاة والسَّلام: (إنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ [19] قَبْلَكُمْ أنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ) .
وفيه دليل: على أنَّه لا يكون المأمور مطيعًا لأمره حتى يوفي جميع ما به أمر، وإن ترك البعض وفعل البعض [20] سمِّي عاصيًا واستحقَّ العقاب، يؤخذ ذلك مِن إخباره عليه الصلاة والسَّلام أنَّ مَن كان قبلنا كانوا يقيمون بعض الحدود، فإنَّهم إذا سرق عندهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ فتراهم فعلوا البعضَ مما به أُمِروا، فلمَّا لم يقيموه على الغنيِّ أسقطوا بعضه فوقع العقاب عليهم فأهلكوا.
وفيه دليل: على أنَّ الحدود على جميع الناس كلِّهم على حد سواء، يؤخذ ذلك مِن قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (وَايْمُ اللهِ لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ محمَّد سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) .
وفيه دليل: على فضل فاطمة على غيرها مِن أهل البيت، يؤخذ ذلك مِن أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يذكر اسمها في التمثيل إلا [21] على وجه الترفيع، ولو كان فيهم رضي الله عن جميعهم [22] أرفع لَذكَرَهُ، يشهد
ج 3 ص 452
لذلك قوله عليه الصَّلاة والسَّلام في حقها: (( فَاطمةُ بَضعَةٌ منَّي ) )وهذا لم يخصَّ به غيرها.
وفيه دليل: على أنَّ القدر جارٍ على الرفيع والوضيع، يؤخذ ذلك مِن أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أخبر عن مَن كان قبلنا أنَّ ذلك كان فيهم في الشريف والضعيف وهذا أيضًا متعارف إلى هَلُمَّ جرَّا أنَّ المعاصي يجري القدر بها على مَن شاء مِن رفيع ووضيع.
وفيه دليل: على أنَّ وجوب الحكم في الشيء يسقطه عن ضده، يؤخذ ذلك مِن أنَّ الهلاك فيمن تقدَّم كان بتركهم [24] الحدود فبتوفيتها تكون النجاة، وقد جاء ذلك صريحًا في الكتاب والسنَّة.
أمَّا الكتاب فقوله تعالى: {وَلَوْ أنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66] والآي في هذا كثيرة.
وأمَّا السنَّة فقوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: (( لأنْ يُقَام حدٌّ مِن حدود الله تعالى في بقعة خير لهم مِن أنْ تمطر عليهم السماء ثلاثين يومًا ) )، ومِن طريق آخر: (( أربعين يومًا ) )والآثار فيه كثيرة أيضًا.
وفيه دليل: على [25] هيبة النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم عند الصحابة رضوان الله عليهم، وكثرة حيائهم منه، يؤخذ ذلك مِن قولهم: (وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ؟) وقد روي عنهم رضوان الله عليهم أنَّهم كانوا يتمنَّون [26] أنْ يسألوا النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم فلا يقدرون على ذلك، مع كثرة
ج 3 ص 453
تواضعه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم لهم ورحمته بهم، [27] حتى كانوا يتمنُّون أنْ يجيء مِن البادية مَن يسأله، فيسمعون جوابه عليه الصَّلاة والسَّلام للسائل.
وفي هذا دليل على قوة إيمانهم وكثرة تقواهم رضي الله عنهم، لأنَّ الله عزَّ وجل يقول: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] وأي شعائر [28] أعظم مِن إكرامه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم وترفيعه؟
وفيه دليل: على جواز القسم مِن السيِّد لمن هو دونه تأكيدًا في التصديق وإن كان صادقًا في نفسه، فإنَّه لا يقطع [29] بالصدق في قَسَمه إلا مَن هو صادق في قوله حسن في حاله، يؤخذ ذلك مِن قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (وَايْمُ اللهِ لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ محمَّد سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) .
وفيه دليل: على أنَّ حكاية حال المعصية أنْ لو كانت تقع ممَّن [30] ليس لها أهلًا ويسمَّى باسمه أنَّ ذلك [31] ليس بنقص [32] فيه، ولا يلحقه منه شؤم ولا معرة، يؤخذ ذلك مِن قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ محمَّد سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) فلو كان في ذلك شيء ممَّا ذكرنا أو ممَّا [33] يشبهه لم يقله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم في أحد مِن الخلق، فكيف [34] في هذه السيِّدة التي قال عليه الصَّلاة والسَّلام في حقِّها [35] : (( يَريبُني ما رَابَها [36] ) ).
وفيه دليل: على أنَّ [37] تعليقك فعلًا يؤلم شخصًا بشرط أنْ يقع منه موجِب له، ليس بقبيح [38] ولا فيه تغيير للنفوس، يؤخذ
ج 3 ص 454
ذلك مِن قوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم (لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ محمَّد سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا [39] ) لأنَّ قطع اليد ممَّا يؤلم لكن لم يضرَّه ذلك، ولا شوَّشه، لكونه [40] لمَّا جعل الشرط فيه وقوع شيء مِن الشخص يوجبه له وهي السرقة لم يضرَّه ذلك ولا شوَّش [41] عليه، وإنَّما التشويش بالحقيقة المخالفة إذا وقعت ولذلك قال:
~لا تبكيَّنَ وقوعَ ذنبِكَ إنَّما [42] يبكيكَ موجِبُه، وعليهِ فاندمْ [43] .
[1] في (ج) : (( أن ) ).
[2] في (ج) : (( نختار ) ).
[3] في (م) : (( جميعهم ) ).
[4] في (ج) : (( يرجحوا جميعهم إلا من أكثرهم ) ).
[5] زاد في (ج) : (( وأكثر حرمة لكن الإدلال له خصوصية أخرى وفيه دليل ) ).
[6] في (المطبوع) : (( ابن مولاه ) ).
[7] قوله: (( وأكثر حرمة لكن الإدلال له خصوصية أخرى وفيه دليل ) )ليس في (ج) .
[8] صورتها في (م) : (( الريح ) ).
[9] في (م) : (( أن ) ).
[10] في (ج) : (( ذاك ) ).
[11] في (ج) : (( علمه ) ).
[12] في النسخ: (( أجارتي ) )ولعل المثبت هو الصواب وهو مطابق للمطبوع.
[13] قوله: (( فيقول له: فما يأخذ الأجرة إلا من يخدم ) )ليس في (ج) .
[14] قوله: (( تأخذي ) )ليس في (م) .
[15] في (ج) صورتها: (( يؤذن ) ).
[16] في (م) : (( فهموا ) ).
[17] في (ج) : (( بهذا، فهموا فقهوا ) ).
[18] في (ج) : (( يسبب ) ).
[19] زاد في (م) : (( من ) ).
[20] قوله: (( وفعل البعض ) )ليس في (ج) وقوله: (( البعض ) )ليس في (م) .
[21] قوله: (( إلا ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[22] في (ج) و (م) : (( رضي الله عنهم ) ).
[23] قوله: (( يشهد ) )ليس في (ج) .
[24] في (ج) : (( لتركهم ) ).
[25] زاد في (م) : (( أن ) ).
[26] في (ج) : (( يشتهون ) ).
[27] في (م) : (( لهم ورحمة لهم ) ).
[28] في (ج) و (م) : (( شعار ) ).
[29] زاد في (ج) : (( إلا ) ).
[30] في (ج) : (( لمن ) ).
[31] قوله: (( إن ذلك ) )ليس في (م) .
[32] في (ج) : (( ينقص ) ).
[33] في (ج) : (( ذكرناه أو ما ) )وفي (م) : (( ما ) ).
[34] في (ج) : (( وكيف ) ).
[35] زاد في (ج) : (( رضي الله عنها ) ).
[36] في (م) : (( أرابها ) ).
[37] قوله: (( أن ) )ليس في (ج) .
[38] صورتها في (م) : (( بنسح ) ).
[39] في (ج) : (( بنت محمد ... الحديث ) ).
[40] قوله: (( لم يضره ذلك، ولا شوَّشه، لكونه ) )ليس في (ج) و (م) .
[41] في (م) : (( مشوش ) ).
[42] في (ج) : (( لوقوع ذنبك إنَّما ) ).
[43] العبارة في (م) : (( لا تبكين لوقوع ذنبك موجبه إنَّما يبكيك موجبه وعليه فاندم ) ).