126 -قوله [1] :(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
ج 3 ص 29
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا، فَقَالَ: يا رسولَ الله إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ [2] ). الحديث. [خ¦2755]
ظاهر الحديث يدل على جواز ركوب البَدَنة للضرورة، والكلام عليه مِن وجوه:
الأول: أنَّ الإمام [3] ينظر في حال رعيَّته ويدبِّر أمرهم، لأنه لولا أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان يتفقَّد أصحابه بالنظر لَمَا رأى صاحب البَدَنة فأمره بركوبها [4] ، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) )وعلى هذا المنهاج سار الخلفاء رضي الله عنهم بعده، يشهد لذلك ما رُوِيَ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فَقَدَ بعض أصحابه مِن صلاة الصبح فلمَّا أصبح مرَّ إلى أمِّهِ فسألها عنه، وليس هذا مقتصرًا على الإمام وحدَه لا غير، بل هو عام في كل الناس عن آخرهم، وقد بيَّنا عموم ذلك في الكلام على قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) ).
الوجه [5] الثاني: أنَّ الضرورة لها حكم يختصُّ بها ويباح لأجلها ما يمنع في غيرها، لأنَّ ركوب البَدَنة ممنوع شرعًا فلمَّا أن [6] أدَّت الضرورة إلى ركوبها، لكون صاحبها لم يكن له مركوب أجاز الشارع عليه السَّلام ذلك [7] ، لكن يشترط في الضرورة أن تكون ضرورية شرعية وأن ما يستباح لأجلها قد اغتفره الشارع عليه السَّلام في مثلها، فإن عُدِم هذا [8] الشرط فلا تجوز الإباحة.
الثالث: جواز المراجعة لأهل الفضل إذا لم يفهم المخاطب ما قيل
ج 3 ص 30
له، لأنَّ صاحب البَدَنة لَمَّا أن قال له النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (ارْكَبْهَا) احتمل عنده هل [9] يكون النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عَلِم أنها بَدَنة أولم يعلم؟ وقد [10] تقرَّر عنده النهي عن الركوب لها فراجع لأجل ذلك الاحتمال حتَّى فهم ما أراده النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، لكن تكون المراجعة لهم [11] بتأدُّب ووَقار، لأنَّ هذا الصحابي رضي الله عنه سأل بتأدُّب واحترام فلم يقل له: إنَّك قد [12] نَهيتَ عن ركوب البَدَنة ولكن ناداه بأحب أسمائه إليه وهو (رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) ، ثمَّ [13] قال له: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ) سؤال استرشاد [14] وتعلُّم، وإنما زاد على الاثنتين [15] إن كان زادها لكونه احتمل عنده هل سمع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما قال أو لم يسمع؟ فأعاد [16] الثالثة لكي يزيل عنه ما يتخيل مِن ذلك وإنما قال له النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَيْلَكَ) في آخر الكلام لكي يُعلِمه أنَّه سمع منه ما قال، وقد تقرَّر أنَّ دعاء النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أمته دعاءٌ لهم لا دُعاء عليهم كما تقدَّم في الأحاديث قبل.
الرابع: ما الحكمة في تقليد البَدَنة وإشعارها [17] وذلك شهرةٌ لها وقد تقرَّر مِن الشرع [18] على ما نقله العلماء أنَّ الأفضل فيما عدا الفرائض هو الإخفاء؟ والجواب مِن وجوه:
(الأول) : إن مِن العلماء مَن [19] يقول: إنَّ أمور الحج كلَّها فرض، فعلى هذا فالأمر على بابه.
(الثاني) : أنَّ سنن الحجِّ كلَّها بخلاف غيرها لأنَّها ظاهرة، فالحكمة بأن جعلت ظاهرة ليكون الأمر متناسبًا.
ج 3 ص 31
الثالث: أن بالتقليد وَجَبت [20] فجعل علمًا على وجوبها لهذه الفائدة ويكون ذلك العلم [21] فيه قطعًا للنفس مِن الطمع في الرجوع فيها فيكون فيه معنى مِن باب سدِّ الذريعة، وقد تكون واجبة بنذر أو غيره فيكون ذلك علمًا لها مِن أجل ما ذكرناه ومِن [22] أجل أن لا تختلط مع غيرها [23] .
[1] في (م) : (( عن أبي هريرة ) ).
[2] قوله: (( فَقَالَ: يا رسولَ الله إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ: (( ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ) )فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ )) زيادة من (م) على النسخ.، وقوله: (( الحديث ) )ليس في (م) .
[3] قوله: (( أن الإمام ) )ليس في (ج) .
[4] قوله: (( بركوبها ) )ليس في (ج) .
[5] قوله: (( الوجه ) )ليس في (ل) .
[6] قوله: (( أن ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[7] قوله: (( ذلك ) )ليس في (ج) .
[8] قوله: (( هذا ) )ليس في (م) .
[9] في (ج) و (م) : (( أن ) ).
[10] في (ل) : (( فقد ) ).
[11] قوله: (( لهم ) )ليس في (ل) .
[12] قوله: (( قد ) )ليس في (ل) .
[13] قوله: (( ثم ) )ليس في (ل) .
[14] في (ل) : (( إرشاد ) ).
[15] في (م) و (ل) : (( الاثنين ) ).
[16] في (م) : (( أعاد ) ).
[17] في (ل) : (( واستشعارها ) ).
[18] في (ل) : (( الشارع ) ).
[19] في (ج) : (( لمن ) ).
[20] في (م) : (( التقليد وجب ) ).
[21] قوله: (( العلم ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[22] في (ل) : (( من ) ).
[23] زاد في (م) : (( والله أعلم ) ).