ج 5 ص 5
شممت ليلة رائحة طيبة بعد العشاء، واستمرت حتى دخلت في الفراش، فلم نقدر على النوم لأجلها. فسألت الأولاد: هل تشمّون شيئًا أم [1] لا؟ فقالوا: لا. ثم نام الأولاد، فرأى بعضهم في النوم كأن بيتهم فيه حسن واتساع، وهو مدوّر بكراسٍ لها حُسْن كثير، والنبيّ صلى الله عليه وسلم جالس على كرسي في وسطهم، والخلفاء حوله، وباقي الكراسي عليها الصحابة والملائكة.
فذكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم تلك الرائحة التي شم أبوه، فقال عليه السلام: تلك الرائحة كانت مِنَّا حين نزولنا عليكم قبل العِشاء، وأنتم تتكلمون في مسألة كذا وكذا. فذكر المسألة التي كانوا يتحدثون فيها، ثم دخل علينا أصحابكم الأموات بالطيب. فأول من دخل علينا المجد، وهو أكثرهم طيبًا، وفتح الذي حج مع أبيك، والسنهودي، وابن الوافدة، والسنجاري، والمجد معالي، فسلموا، وطلبوا الدعاء وانصرفوا. فذلك الذي شم أبوك.
ثم أتت الملائكة بأطباق الطعام، فتلك الرائحة الباقية. ثم بقينا نحن حتى صلّى أبوك العشاء وصلينا معه، وكنت أنا عن يمينه، وحين دعا بعد صلاته أمَّنت أنا وهؤلاء على دعائه، وقد استجيب دعاؤه، ولو دعا بأكثر لأجيب.
ثم دخل المجد وعليه حلّة حسنة، ثم دخل الأصحاب الأحياء بعده. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف حالك يا حسن؟ فقال: بخير ببركتك. فقال: بل
ج 5 ص 6
بالعمل واتباع سنتي.
ثم أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم الملائكة أن يقوموا فيسلموا على أصحاب ابن أبي جمرة، ففعلوا.
ثم أمر، عليه السلام، لأصحاب ابن أبي جمرة أن يخلع كل واحد منهم على المجد ثوبًا ففعلوا، إلا محمدًا الفاسي، فإنه خلع عليه ثوبين.
فأخذ المجد تلك الأثواب كلها، فخرج بها فغاب ساعة، ثم أعادها وقال: خذوا عني خلعكم، قد أخذت منها ما احتجت، وهي تثقل عليّ، ولا أريد منكم إلا أن تعطوني من ماء ذلك الشرح، فإني لم أر في أعمالي كلها والعلوم ماء نفعني مثله. وكان يعني طلب ذلك من أربعة وهم: ابن أبي جمرة، وأبو عثمان، ومحمد الفاسي، والحموي. فقالوا: كيف يكون للشرح ماء؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: معنى الماء: العلم. فقال ابن أبي جمرة: فكيف نعطيك العلم وأنت في دار البقاء؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: الفقراء طريقتهم الفتوة. وبيّن كيفية إعطائه العلم وهو في دار البقاء. فقال: يقرأ أحدكم الحديث أو الحديثين بحسب ما سهل عليه، ومن لم يحفظ الحديث يعيّن بنيّته الحديث الفلاني ثم يقول: اللهم إن ثوابه صدقة على فلان، خالصًا لوجهك، وتنفيذ الوصية. فكان المجد يقول للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ما أريد منهم إلا أن يكملوا لي الذي بقي لي من الشرح، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: كيفية العمل في هذا أن ينسخ له باقيه ويوقف عليه.
فقال المجد: أول ما قَدِمت على الحق سأل سبحانه
ج 5 ص 7
جماعتي: من هذا؟ فقالوا: هو من أصحاب ابن أبي جمرة. فقال جلّ جلاله: مرحبًا بالسادس من أصحاب ابن أبي جمرة، وهو أفضلهم. فقلت: يا رب، بأي عمل فضلتهم؟ فقال جلّ جلاله: كانوا يصحبونه ويحبونه، ولم يقدروا على طريقته، وأنت مع صحبتك له ومحبتك له كنت على طريقته، فبذلك فضلتهم. فقلت: يا مولاي أنت علاّم الغيوب، فكيف تسأل: من هذا؟ فقال: يا حسن، تعرف من هم ومن أصحاب من هم حتى أعرفهم بمنزلتهم عندي.
فأول ما قدّمت من عملي الشرح. فقلت: يا رب، وأنت أعلم، هذا كلام ابن أبي جمرة. فقال جلّ جلاله: أنا عرفته له، وأنا كتبته له في اللوح المحفوظ قبل أن خلقت الخلقَ، وأنه ليس له في الدنيا ثانٍ، وأنه مؤيَّد إلى يوم القيامة، وأنه من صدَّق به، أو بحديث واحد منه رحمته، ومَن رحمته لا يحتاج إلى شيء. وأما من عمل به فلا يعلم ما له إلا أنا الذي مننت به عليه. وأقل ما أعطيه أنني أكتبه في عِلِيِّين، والزيادة على ذلك لا نهاية لها، أو الخطر لمن كذَّب به.
وأن الثلاثة أحاديث وهي: حديث الإفك وحديث ابن الصامت وحديث المعراج [2] ، مَنْ صدّق بواحد منها كان كمن قام سنة وصامها، وأقل ما أعطيه أني أحل عليه الرحمة، وأكتبه في حضرتي.
وإذا قَدِم ابن أبي جمرة عليَّ يرى أن ليس في عمله أفضل منه، وأني أخبرت به آدمَ قبل موته [3] .
فقلت: يا مولاي، كيف
ج 5 ص 8
أخبرت به آدم؟ فقال جلّ جلاله: أخبرته بأنه يكون من ذريته من أمة محمد في آخر الزمان شخص يقال له: عبد الله بن أبي جمرة، أوتيه علمًا من عندي، لم أعطه أحدًا غيره.
والويل لمن كذب به من هؤلاء. فقلت: يا رب، ومن هم؟ فقال: المنتهكون لحرمة نبيي، وأنا لا أمهلهم. فقلت: يا رب، أليس قد أمهلتهم ثلاث سنين؟ فقال سبحانه وتعالى: لم يكن إمهالي لهم إلا لحكمة، ولو شئتُ عرفتك بها، ولكن لا أعرفك.
والنبيّ صلى الله عليه وسلم في كل كلمة يقولها المجد يقول: اسمعوا خطاب الحق سبحانه لكم. فقال بعض الأصحاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لم لا كنت أنت الذي تخبرنا بهذا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما فعل ذلك لكي تعرفوا قدر ما لقي من صحبتكم.
فقال أبو عثمان لحسن: لم لا تطلب هذا الذي طلبت لنا من أبويك؟ فقال: هم لم يعطوني شيئًا، ويا ليتهم يخلّصون أنفسهم، وأنا أشفع فيهم وفي أهلي يوم القيامة، ليعلموا قدر العناية الربانية. وأبشر يا أبا عثمان فإن الله قد استجاب دعاءك في أن يحفظ الله ابن أبي جمرة وأصحابه كما حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله: إن الله سبحانه وتعالى قد اختار لك أصحابك قبل الخلق، كما اختار لي أصحابي قبل الخلق [4] .
ثم قال عليه الصلاة والسلام: فيجب لي على كل واحد منكم شكرانة. فقالوا: كيف يكون لك شكرانة
ج 5 ص 9
وأنت في دار البقاء؟ فقال: لا أريد منكم شكرانة حسيًا، وإنما أريد منكم شكرًا معنويًا، وهو الزيادة في العمل، ودوام الشكر لله سبحانه وتعالى، فإن الوقت يحتاج لذلك.
[1] كذا، والصواب: أو.
[2] أرقامها: 119، 3، 160.
[3] كذا.
[4] كذا.