فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 363

حديث: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت ..

119 -قولها: (كَانَ رَسُولُ اللهِ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ [2] يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ ... ) الحديث. [خ¦2661]

ظاهر الحديث يدلُّ على براءة عائشة رضي الله عنها مما تُحُدِّثَ به [3] فيها، لكن قد [4] يَرِدُ عليه اعتراض، وهو أن يقال: براءتها قد عُلِمت مِن كتاب الله عزَّ وجلَّ، فما فائدة الإخبار بذلك ثانية؟

والجواب عنه [5] : أنَّ القرآن إنَّما نزل [6] في براءتها مِن نفس ما رُمِيَت [7] به، وبقي تشوُّف [8] النُّفوس السُّوء لأن يكون هناك موجبٌ لِمَا قيل عنها، أو سببٌ من أسباب ما رُمِيت به، فيكون وقوعًا ثانيًا قريبًا مما بُرِّئَت منه.

وقد اختلف العلماء في أسباب النِّكاح، هل هي كالنِّكاح أم لا؟ فعلى قول مَن قال: بأنَّها [9] كالنِّكاح، فيكون ذلك إفكًا ثانيًا [10] ، فيكون هلاكًا شائعًا في الأمَّة لا مخرج منه، وقد قال بعض العلماء: إنَّ مَن رمى عائشة أمَّ المؤمنين [11] رضي الله عنها بشيءٍ مما برَّأها الله منه أنَّه مخلَّد في النَّار، واستدلَّ على ذلك بأن الله قد برَّأها في كتابه، فمَن رماها بذلك فقد ردَّ القرآن [12] بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [13] [النور: 23] .

وعلى قول مَن قال: بأنَّه ليس كالنِّكاح فيكون [14] ذلك معرَّة تلحقها، ولحوق [15] المعرَّة بها هتك

ج 2 ص 463

لحرمة ما حرَّم الله مِن حُرْمة بيت النُّبوَّة، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( سَبْعٌ [16] لَعَنْتُهُمْ أَنَا وكلُّ نَبِيٍّ مُسْتَجَاب ) )وعدَّ فيهم: (( والمنتهكُ [17] مَنْ حُرْمَةِ أهلِ بيتي مَا حرَّمَ اللهُ ) )وهذه مَفسدة كبرى [18] في الدِّين وذلك عون للشَّيطان [19] على المؤمنين، فبراءتها لنفسها هنا، وإن كان ظاهر ذلك أنَّه لنفسها لكن [20] ذلك دين محض، وبراءة للمؤمنين أيضًا [21] كما فعلت أمُّ سَلَمة أيضًا [22] في حديث الحديبية حين صُدُّوا عن البيت وهم مُحْرِمون [23] ، فأمرهم النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يحلقوا وينحروا ويُحِلُّوا فلم يفعلوا، فدخل عليها النَّبي صلى الله عليها وسلم وهو متغيِّر، فقالت له رضي الله عنها: ما شأنك؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أَمَرْتُهُمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا ) )فقالت رضي الله عنها: إنَّهم لم يَعْصُوك، وإنَّما [24] اتبعوك، لأنَّهم اقتَدَوا بفعلك، فافعل أنت فيتَّبعون [25] ، فخرج عليه السَّلام ففعل ما أمرهم، ففعلوا.

فكان كلامها رحمة للمؤمنين، ولطفًا بهم، لأنَّها أزالت ما كان وقع في قلبه [26] عليه السلام من الغيار [27] الذي منه يُخَاف الهلاك عليهم، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها هنا [28] ، لأنَّ ذلك رحمة وإزالة للهلاك، وهذا رحمة ووقاية مِن الهلاك الذي أشرنا إليه أولًا، ومما يدلُّ على أنَّها أرادت هذا الوجه، أنَّها لم تقل [29] شيئًا، ولم تفصح بالقصة [30] كيف وقعت، إلَّا بعد ثبوت عدالتها وتصديق مقالتها [31] مِن كتاب ربِّها، وحين لم يكن لها شاهد على ذلك،

ج 2 ص 464

لم تقل [32] شيئًا، وإنَّما كان قولها إذ ذاك: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] على ما يأتي في آخر الحديث.

وفي هذا دليل على أنَّ المرء مأمور أن يدفع المعرَّة عن نفسه إذا قدر على ذلك، وكان له مِن خارج ما يصدِّقه وإلَّا فالصَّبر والاضطرار [33] إلى الله تعالى، لعلَّه أن يكشف ذلك بفضله، وكذلك أيضًا ينبغي أن يراعي [34] حقَّ إخوانه [35] المؤمنين، فينفي عنهم كلَّ ما يضرُّهم، كما فعلت عائشة رضي الله عنها، أتت بالحديث لهذين المعنَيَيْن على ما [36] تقدَّم.

وقد حُكي عن الأعمش رضي الله عنه قريبٌ مِن هذا المعنى، وهو أنَّه كان يمشي بطريق فلقيه أحد تلامذته، وكان أعور فمشى التِّلميذ معه، فقال له الأعمش: يا بني، اذهب فامشِ وحدك، فقال: ولِمَ؟ فقال له [37] : الشَّيخ أعمش، والتِّلميذ أعور فيقع النَّاس فينا، فقال التِّلميذ: نؤجَر ويأثمون، فقال الشَّيخ: نَسلَم ويسلَمون خير من أن نُؤجَر ويأثموا [38] ، فاختار سلامة المسلمين وعمل عليها، ولم يرد أن يختصَّ بالأجر مع دخول الإثم عليهم، كما فعلت عائشة رضي الله عنها، قد [39] أراحت المسلمين مِن هذه المعصية [40] الكبرى التي قد [41] كانت حلَّت بهم، وتركت الأجر لنفسها، لأنَّها [42] مهما تُكُلَّم فيها كان لها في ذلك أجر.

ثمَّ في الحديث وجوهٌ كثيرةٌ مِن أحكام وآداب على ما يذكر بعد في تتبع ألفاظ الحديث إن شاء الله تعالى.

فأمَّا قولها:(كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ

ج 2 ص 465

سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا [43] مَعَهُ)فيه وجهان:

الأوَّل: جواز السَّفر بالنِّساء.

الثَّاني: جواز القرعة، لكن [44] القُرعة هنا واجبة أم لا؟

فأمَّا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فالقُرعة في حقِّه عليه السَّلام ليست [45] بواجبة، لأنَّ القسمة ليست واجبة [46] عليه وهي [47] الأصل، فمِن باب أولى القرع [48] ، وأمَّا غيره فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال وقد ذكرت [49] في الفقه.

وأمَّا قولها [50] : (فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فخرجَ سَهْمِي [51] ) أي: خرج سهمي بالقرعة، حذفت [52] ذلك للاختصار، وقد يَرِد [53] على هذا الفصل [54] سؤال، وهو أن يقال: لِمَ أَبهَمَت ذكر الغزوة ولم تُبيِّنْها، ولم تذكر أكان فيها وقيعة [55] أم لا؟

والجواب عنه [56] : أنَّها إنَّما أرادت بسياق الحديث ما قدَّمنا ذكره مِن نفي [57] المعرَّة عن نفسها، ورعي حقِّ أخوَّة المؤمنين، وذكر الغزوة لا يتعلَّق ممَّا هي [58] بسبيله شيء، فذكرت مِن ذلك ما لابدَّ منه لتعلم أنَّ سفر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في الغزو لا في غيره، وكذلك [59] روي عنه عليه السَّلام أنَّه لم يسافر بعد النُّبوَّة إلَّا لحجٍّ أو جهادٍ.

وقولها: (فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ) إنَّما أتت بذكر الحجاب توطئة لِمَا تذكر [60] بعد، وهو مِن الفصيح في الكلام، إذا احتاج المرء إلى ذكر شيءٍ أتى في أوَّله بكلام يوطئ له بيانًا [61] لِمَا يريد إبداءَه. والحجاب على ضَرْبين:

فحجابٌ عن الأبصار مباشر للذَّات.

ج 2 ص 466

وحجابٌ للذَّات مفارق لها منفصل عنها.

(فالأوَّل) : لا يجوز للأجنبيين [62] مباشرته، لأنَّ مباشرته لذلك مباشرة للمرأة، و (الثَّاني) : وهو المنفصل سائغ للأجنبيِّ [63] مباشرته للضَّرورة في ذلك، إذا كان [64] فيه أهليَّة ومعرفة بالخدمة [65] ، كما كانت الأهليَّة في الحاملين لهذا الهودج على ما [66] يُذْكَر بعد.

وقولها: (فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ) فيه وجوه:

الأوَّل: أنَّ ما كان للدُّنيا وزينتها وكان عونًا على الدِّين [67] ، فليس بدنيا، وهو [68] للآخرة، لأنَّ الهودج كان عند العرب مما يفتخرون به ويتباهون، فلمَّا أن جاء الشَّارع عليه السَّلام، ورأى فيه مصلحة للدِّين [69] ، استعمله مِن أجل سَتر [70] الذي فيه، ولا يتأتَّى مثله في غيره.

الثَّاني: جواز الحمل على الدَّابة الحمل الكثير [71] ، إذا كانت مطيقة لذلك، لأنَّ الهودج كما قد عُلِم مِن ثقله، لكن لمَّا أن كانت الدَّابة مطيقة لذلك، لم يمنعه الشَّارع عليه السَّلام.

الثَّالث: جواز لمس السَّتر المنفصل عن البدن للأجانب، لأنَّها أخبرت أنَّ ناسًا كانوا موكَّلين بهودجها للرَّفع والخفض [72] ، والسَّتر المنفصل عن البدن صفته كما تقدَّم.

وقولها: (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ) فإنَّما قالت ذلك [73] لتبيِّن أنَّ العادة [74] كانت مستصحبة في كلِّ سفرهم على ما ذكرته قبل، لم يزيدوا في العادة شيئًا، ولا [75] نقصوا منها ما يوجب كلامًا.

وقولها [76] :(وَقَفَلَ

ج 2 ص 467

وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ)قد يَرِد عليه سؤال، وهو أن يقال: ما فائدة تكرار هاتين الَّلفظتين [77] ، وذكر إحداهما يغني عن الأخرى؟

والجواب عنه [78] : أنَّها إنَّما أتت بذلك، لأنَّهما لمعنيين مختلفين، وليسا [79] لمعنى واحد، وهما أيضًا مخالفان للسَّير، فما ذكرت قبل مِن السير، أفاد بأنَّ [80] الأمر كان مستصحبًا على ما ذكرت مِن حين خروجهم إلى حين وصولهم إلى الموضع الذي توجَّهوا إليه، وفي القفول [81] يفيد بأنَّ [82] الأمر أيضًا كان [83] مستصحبًا إلى حين الرجوع، والدنوُّ يفيد بأنَّ ذلك دام حتَّى كانوا بقرب المدينة، ووقع لهم [84] هذا الواقع.

وقولها: (آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ) فإنَّما [85] أتت بذكر هذا لِتُبيِّن العذر الذي أوقعها في التَّخلُّف عن الهودج، حتَّى حُمل عنها.

وفيه دليلٌ على أنَّ الإمام أو أمير الجيش [86] أو صاحب رُفقة، إذا أراد السَّير أن يخبر مَن معه ويؤذنهم بذلك، ثمَّ يتربَّص عليهم [87] قليلًا بقدر ما يقضون حوائجهم، وما يكون لهم من الضَّرورات [88] ، ويكون تربُّصه معلومًا، لأنَّ التَّربص المجهول لا يتأتَّى للنَّاس به منفعة، حتَّى تكون مدَّة التَّربص معلومة، ويكون لوقت الرَّحيل أَمَارة غير الإذن الأوَّل، لأنَّها [89] أخبرت أنَّها لمَّا سمعت الإذن بالرَّحيل [90] قامت عند ذلك لقضاء شأنها، فلو عهدت منهم أنَّ ذلك الإذن لنفس الرَّحيل، لم تكن لتخرج إذ ذاك.

وقولها:

ج 2 ص 468

(فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ) فيه وجوه:

الأوَّل: جواز خروج المرأة وحدَها، لكن يشترط فيه أن تأمن على نفسها الفتنة، فإن توقَّعت شيئًا ما من الفتنة، فلا يسوغ خروجها، لأنَّ خروج عائشة رضي الله عنها كان مأمونًا مِن [91] ذلك.

الثَّاني: أنَّ [92] للمرأة أن تخرج لقضاء شأنها بغير إذن من زوجها، لأنَّها أخبرت أنَّها خرجت لِمَا ذكرته، ولم تذكر أنَّها استأذنت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك، فقد يحتمل أن يكون النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَذِنَ لها في ذلك [93] أوَّلًا بالاستصحاب، ويحتمل أن يكون ذلك مسكوتًا عنه للعلم به بحكم [94] العادة.

الثَّالث: أنَّ الخروج لقضاء الحاجة، يكون بالبعد بحيث لا يُسمع له صوتٌ، ولا يُرى له شخصٌ، لأنَّها أخبرت أنَّها جاوزت الجيش، وحينئذٍ قضت ما إليه خرجت [95] .

الرَّابع: أنَّ اختلاف الأحوال سبب لتغيير الأحكام، إمَّا لسعادةٍ أو لشقاءٍ [96] ، لأنَّها أخبرت أنَّها كانت على حالة واحدةٍ قد عهدت [97] منها، فلمَّا أن أخلَّت بما عُهد منها لعذرٍ كان هناك قد [98] أبدته قبل وتبديه [99] بعد، وقع لها ما وقع، لكن تغيير الحال على ثلاث مراتب:

الرُّتبة [100] الأولى: تغير الشَّخص نفسه عمَّا عهد.

الثَّانية: تغيُّر [101] حال النَّاس معه.

الثَّالثة: تغيُّر [102] العادة الجارية مِن الله تعالى.

(أمَّا الأولى) : فهي لسببٍ وقع، إمَّا بغفلة أو بوقوع ذنبٍ، فيحتاج مَن كانت له عادة مستمرةٌ [103] ، يعني مِن أفعال

ج 2 ص 469

التَّعبُّد، ثمَّ لم يقدر [104] عليها وعجز عنها أن يرجع إلى أفعاله، فينظرها على لسان العلم، فإن وجد معه الخلل أقلع عنه وتاب منه واستغفر، وإن لم يجد شيئًا بقي متَّهِمًا لنفسه بذلك، ويسأل الله أن يُطلِعه على ما خَفِي عليه مِن أمره، ويستغيث به ويسأله الإقالة، لأنَّه لا بدَّ وأن يكون قد تقدَّم له مِن المخالفة شيءٌ حتَّى وقعت به العقوبة مِن أجله، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

ولهذا كان بعض الفضلاء مِن أهل الصُّوفية [105] يقول: أعرف تغيير حالي في خُلُق حماري، لمراقبته لنفسه فمهما رأى تغيرًا مَّا انتبه فرجع لنفسه فنظر [106] في أفعاله مِن أين أُتِيَ فيها؟ حتَّى إنَّ مِن شدَّة مراقبتهم أَفْلَس بعضهم في آخر عمره، فقال: هذا عقوبة ذنب أوقعته منذ عشرين سنة، قلت لرجلٍ: يا مفلس، فمِن شدَّة مراقبته عرف [107] مِن أين أُتي [108] ، وإن كان الزَّمان قد طال به.

و (أمَّا الثَّانية) : وهي ما يقع بينك وبين صديقك الذي كنت تعهد منه من المعاملة، فشأن مَن وقع له ذلك أن يرجع لنفسه، فينظر بلسان العلم، هل وقع منه ما يوجب ذلك أم لا؟ فإن وجد شيئًا اعترف لصاحبه بخطئه وتقصيره واستغفر مِن فعله، وإن لم يجد شيئًا فليسأل [109] عنه مَن ظهر له ذلك منه، فلعلَّه يخبره بذلك، فإمَّا أن يكون له عذر فيستعذر أو خطأ فيعترف به إلى

ج 2 ص 470

غير ذلك، لأنَّ تغيير [110] الحال المعهود لا يقع إلَّا لموجب وبالنَّظر وبالسُّؤال بعد النَّظر يوجد [111] ذلك.

(الثالثة) : وهي تغيير العادة الجارية مِن الله، وهي على ضَرْبين: إمَّا بقطع [112] عادة تكون سببًا للكرامة [113] ، مثل تغيير العادة التي [114] وقعت لعائشة رضي الله عنها، كان تغيير العادة لها [115] سببًا لكرامتها، ونزول القرآن في حقِّها، وزيادة في رفع قدرها، والثانية: دالَّة على الغضب والبعد لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إِذَا أَبْغَضَ اللهُ قَوْمًا أَمْطَرَ صَيْفَهُمْ، وأَصْحَى شِتَاءَهُمْ ) )فأخبر [116] عليه السَّلام أنَّه عند الغضب تُغَيَّر [117] لهم العادة، فإذا وقعت هذه النَّازلة، فليس لهذه إلَّا [118] التَّوبة والإقلاع والاستغفار، ولأجل هذا سنَّ [119] عليه السَّلام الاستسقاء والاستصحاء وجعل مِن سُنَّته كثرة الاستغفار.

وقولها: (فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى [120] الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي) فيه وجوه:

الأوَّل: صيانة اللسان عن ذكر المستخبثات، لأنَّها كَنَت عن قضاء الحاجة بقولها: (قَضَيْتُ شَأْنِي) وكذلك كانت عادة العرب في هذا المعنى، ولذلك سمُّوا قضاء الحاجة غائطًا، لأنَّ الغائط عندهم المنخفض مِن الأرض، وهم كانوا يقضون فيه حوائجهم [121] إبلاغًا في السَّتر، فسمُّوا الشَّيء بالموضع الذي يجعل فيه مجازًا لتنزيه كلامهم عن ذكر المُستَخْبَثات.

الثَّاني: تفقُّد المال، لأنَّها أخبرت أنَّها افتقدت عقدها حين الرُّجوع.

ج 2 ص 471

الثَّالث: جواز تحلِّي النِّساء في السَّفر، لكن ذلك بشرط أن يكون الحليُّ لا يسمع له صوتٌ، لأنَّها أخبرت أنَّ العقد كان عليها في حين السَّفر، والعقد ولو تحرَّك به [122] صاحبه، لم يُسمع له صوتٌ، فأمَّا إذا كان الحليُّ [123] يُسمع له صوتٌ، فلا يجوز التَّحلِّي به إذ ذاك، لأنَّ سمعه سببٌ لفتنة بعض النَّاس.

وقولها: (فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ [124] قَد انْقَطَعَ) قد [125] يَرِد عليه سؤال، وهو أن يقال: ما فائدة إخبارها بذكر صفة العقد، وهي على ما قد [126] قرَّرتم لم تذكر شيئًا إلَّا لمعنى مفيد؟

والجواب عنه: أنَّ ذكرها لصفة العقد فيه فائدة لتبيِّن [127] أنَّ العقد كان له قيمة يسيرة، وقد نهى الشَّارع عليه السَّلام عن إضاعة المال عامًَّا في اليسير والكثير [128] ، فرجعت في طلبه لأمر الشَّارع عليه السَّلام لا للعقد [129] نفسه.

وفيه أيضًا فائدة أخرى: وهي أن تبيِّن [130] أنَّهم كانوا في الدُّنيا على قدم التَّجرد والزُّهد، بحيث أنَّهم كانوا لا يتحلُّون بالذَّهب ولا بالفضَّة، فإنَّ قيل: [131] ذلك تزكية للنَّفس، والتزَّكية ممنوعة، قيل له: ليس هذا مِن باب التَّزكية، لأنَّ ما تخبر به عن نفسها في هذا المقام فهو إخبار عن حال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فهي تخبر بسنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وحالِهِ لا عن نفسها.

وقولها: (فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ)

فيه [132] دليلٌ على طلب المال، والحثِّ عليه إذا ضاع، لأنَّها رجعت في طلب العقد، واشتغلت [133] بالتماسه،

ج 2 ص 472

حتَّى رحل القوم عنها [134] .

وقولها: (فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي [135] ) إلى قولها: (فاحْتَمَلُوه) [136] فيه وجوه:

(الأوَّل) : تبرئتها للموكَّلين بحمل [137] الهودج مما يُنسَب إليهم مِن الغفلة والتَّفريط، لأنَّها أتت بالفاء وهي للتعقيب، فعُلِم بذلك أنَّهم كانوا حين إتيانهم يبادرون ويتسارعون في الخدمة مِن غير تَوانٍ يلحقهم، وأنَّ ذلك كان [138] منهم عادة مستمرَّة لا يحتاجون في ذلك لإذن مستأنف.

(الثَّاني) : التَّزكية لهم، ومعناه قريب مما تقدَّم، لأنَّ إخبارَها بسرعة الخدمة منهم تزكيةٌ في حقِّهم، إذ إنَّ سرعة خدمتهم دالَّة على النصح منهم والوفاء لِمَا يجب مِن تعظيم جانب النبوة، ثمَّ زادت ذلك وضوحًا وبيانًا حتَّى لا ينسب إليهم شيء ما من غفلة ولا تفريط بقولها: (لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) ، لأنَّ الهودج كما قد [139] عُلِم مِن ثِقَله، والثِّقل الكثير إذا نقص منه شيء يسير وجماعة تحمِلُه [140] قلَّ أن يتفطَّنوا [141] لذلك لخفائه، وهي [142] على ما أخبرت كانت نحيلةَ الجسم لم يَغشها اللَّحم كما كُنَّ نساءُ ذلك الوقت على ما سيأتي بعد، فهي بالنسبة إلى ثقل الهودج شيء يسير، فزال عنهم ما يتوقع في حقِّهم بهذا الإخبار.

وفي هذا دليلٌ على أنَّ مَن رمى بشيء وغيره يتضمَّن معه شيء مما [143] رمى به مِن أجله، فإذا قدر على براءة نفسه فليبرئ غيره، ويُبْدِي عذره كما يبرئ نفسه، كما فعلت عائشة رضي الله عنها على ما

ج 2 ص 473

تقدَّم.

(الثَّالث) : تبرئتها [144] مما تُشَانُ به، لأنَّ الهزال في النِّساء قد يكون عيبًا في حقِّهن، فأزالت ما ينسب إليها مِن ذلك بقولها: (وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) فأخبرت أنَّ نساء زمانها كُنَّ على ذلك الحال، ولم تكن وحدَها كذلك، فإذا كان كلُّ النِّساء على ذلك الحال، فذلك ليس بعيب [145] في حقِّها، وإنَّما يكون عيبًا أن لو كانت وحدَها كذلك [146] .

وقد يَرِد على قولها: (لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) سؤال وهو أن يقال: ما فائدة تكرار هاتين اللفظتين وذكر إحداهما يغني عن الأخرى؟

والجواب عنه [147] : أنَّ اللفظتين ليستا لمعنى واحد، لأنَّ كلَّ سمين ثقيل، وليس كل ثقيل سمين، لأنَّ مَن استوفى الطعام وإن لم يسمن، فقد امتلأ الجوف بالطعام، والعروق بالدم، والعصب والعظم بالقوَّة، فيحصل به الثِّقل بلا سمن، لأنَّه ليس كلُّ النَّاس يكثر لحمه ويسمن بامتلاء جوفه بالطعام، فقد يكون ذلك، وقد لا يكون، والثقل لابدَّ منه فأخبرت أنَّ المعنيَين لم يكونا فيهن [148] .

(الرَّابع) : الاستعذار عنها وعن غيرها مِن النسوة اللاتي [149] ذكرت بقولها: (وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِن الطَّعَامِ) والعلقة هي الشَّيء اليسير من الطَّعام، فأبدت عذرها وعذرهنَّ في ذلك، وأنَّ ما كُنَّ عليه ليس خِلقة [150] خلقنَ عليه، وإنَّما كان سببه [151] قِلَّة أكلهن.

وفي هذا دليلٌ على أنَّ المرء إذا قال في نفسه أو في غيره شيئًا وهو يتضمَّن معنى ما ممَّا قد يلحق به الشين فليبرئ [152] نفسه وغيره ببيان العذر في

ج 2 ص 474

ذلك، وما هو السبب الذي لأجله كان ذلك.

(الخامس) : تزكية نفسها وغيرها مِن النسوة في زمانها، لأنَّ قولها: (وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ) تزكية في حقِّهن، لأنَّ ذلك يبين زهدهن وإيثارهن الدِّين على الدُّنيا، وذلك للقرائن التي قد عُلمت مِن أحوالهن، لأنَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم، لم تكن لهم همَّة ولا نظر إلَّا في الإقامة بأمر الله وإظهار دينه وعلو كلمته، فأشغلهم [153] ذلك عن طلب الدُّنيا والحث عليها حتَّى كان النِّساء يأكلن العُلقة مِن الطعام لأجل زُهدهن [154] وقِلَّة الشَّيء عندهم [155] فيرضين بذلك [156] ، فإذا كان أكل النساء على هذا الحال فكيف به أكل الرجال [157] ، لأنَّهم أكثر صبرًا على الجوع من النساء؟ وقد جاء أثر يبيِّن أكل الرِّجال أيضًا كيف كان وهو ما روي: (( أَنَّهُم كَانُوا يمصُّونَ نواةَ التَّمْرِ وَيَتَدَاولُونَهَا [158] بَيْنَهُمْ ويُقَاتِلُونَ عَلَيْهَا ) )، فإذا كان قلَّة أكلهن لأجل هذا المعنى، فالإخبار بذلك هو نفس التزَّكية.

فإن قال قائل: [159] التزَّكية ممنوعة بالكتاب، فلا يسوغ أن تكون زكَّت نفسها كما ذكرتم، قيل له: إنما أتت بذلك تزكية للغير وتضمن تزكيتها للغير تزكية نفسها [160] بحكم الضرورة وهي لم تقصده، وأيضًا فإخبارها بهذه الأحوال ليست [161] مِن باب التَّزكية، وإنَّما هي [162] مِن باب الإخبار عن حال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّته وحال الصَّحابة رضوان الله عليهم وكيف كانوا في دنياهم.

(السَّادس) : إنَّ المدح

ج 2 ص 475

والذَّم إنَّما يكون بحسب ما اعتاده النَّاس، لأنَّ الفقر عيب [163] ، لكن لمَّا أن [164] كان فقر الصَّحابة رضي الله عنهم مِن قِبَل زهدهم وورعهم حتَّى قال بعضهم: (( كُنَّا نَدَعُ سَبْعِيْنَ بَابًا مِنَ الحلالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ في الحرامِ ) )فلمَّا أن كان فقرهم لأجل هذا المعنى صار مدحًا في حقِّهم، وكذلك التَّابعون لهم بإحسان إلى يوم الدِّين، ومثل ذلك قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أَكْثَرُ أَهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ ) )والبَلَهُ باعتبار ما أراده الشَّارع عليه السَّلام رفضهم الدنيا واشتغالهم بطلب الآخرة، حتَّى [165] لا يدرون كيف يكتسبون [166] الأموال، ولا كيف يتسبَّبون في دنياهم؟ وأمَّا في مسائل الدين فهم أعرف النَّاس بذلك، هذا هو حال الأبلَه الذي أراد الشَّارع عليه السَّلام.

وإذا [167] قال اليوم رجل لإنسان يا أبله، وهو يريد ما اصطلحوا عليه اليوم فذلك ذمٌّ له، لأنَّ الأبله عندهم مَن لا يميِّز مسائل [168] دينه ولا دنياه [169] ، وكذلك أيضًا الفقر، لأنَّ الفقر [170] عندهم عَيب كبير، وقد سمُّوا الغني سعيدًا، وإن كان ما بيده مِن غير حِلِّه وعلى [171] غير وجهه، فقد يكون ما بيده هو السبب لدخوله جهنم وعذابه، وهم يسمُّونه سعيدًا مِن أجله، فلمَّا أن كان الفقر في الصحابة رضوان الله عليهم لأجل المعنى الذي ذكرناه كان مدحًا لهم، فلذلك وصفتهم عائشة رضي الله عنها بذلك، لأنها قالت: (يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ) وذلك يؤذن بفقرهم.

وقولها:

ج 2 ص 476

(وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) قد يَرِد عليه سؤال وهو أن يقال: ما فائدة ذكرها لصغر سِنِّها ولا يتعلق بذلك معنى مما أرادت أن تبديه؟

والجواب عنه [172] : أنَّها إنَّما ذكرت ذلك لتبيِّن عذرها فيما فعلت لكونها اشتغلت بطلب العِقد وتركت القوم حتَّى رحلوا. فقد تنسب في ذلك إلى الغفلة والتفريط، فأتت بذكر صِغر سِنِّها لتبيِّن ما حملها على ذلك، لأنَّ الصغيرَ السِّنِّ لم تقع [173] له تجربة بالأمور حتَّى يعلم ما يفعل فيما يقع به، فلو كانت [174] لها تجربة بالأسفار وبما يطرأ [175] فيها لم تكن لتفعل ذلك، ولأتت إلى موضعها قبل بحثها عن [176] العِقد فتُعْلِم [177] النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيتربَّص عليها حتَّى تجده كما فعلت في حديث التيمُّم.

ولأجل هذا المعنى قال الفقهاء في الشاهدَين العدلين يحملان شهادتهما وأحدهما مبرز للشهادة وهما عارفان بمقاطعها أنَّه [178] يُستفسرَ غير المبرز [179] عن إجماله ما أراد به، والمبرز يقبل [180] منه بالإجمال [181] ولا يستفسر، ولا فرق [182] بينهما غير أنَّ المبرز [183] وقعت له التجربة بالشهادات وما يطرأ عليه فيها مِن الفساد وغير المبرز لم يقع له ذلك.

وقولها: (فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ) فإنما [184] أتت بذلك لتبيِّن عذرها ولتزيل [185] ما يتوقع في حقِّها مِن الغفلة، لأنَّه قد يُنْسَب [186]

ج 2 ص 477

إليها أنها أبطأت في الرجوع بعد وجود العِقد حتَّى كان ذلك [187] سببًا لرحيل القوم عنها، فأتت بالفاء التي هي للتعقيب لتبيِّن أنَّ رجوعها كان في أثر وجود العقد مِن غير مُهلة ولا تراخٍ وقع منها، ولتبيِّن أنَّها رجعت على الطريق [188] ولم تَحِدْ [189] عنه حتَّى كان ذلك سببًا لرحيل القوم عنها، لأنَّها لو حادت عن الطريق لنُسبت في ذلك إلى تفريط، لأنَّه قد يقال: إنهَّا [190] لمَّا أن [191] كانت جاهلة بالطريق لكان الأَوْلى [192] بها أن تتَّخذ مَن يخرج معها، ولا تخرج وحدها، لأنَّ ذلك سببًا إلى إتلافها [193] عن القوم، فأزالت ما يتخيل هناك مِن هذه الأمور، لكونها أتت بالفاء، فقالت: (فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ) وذلك يفيد بأنَّها بعد وجود العقد لم يقع لها تربُّص في الطَّريق ولا في الموضع الذي كانت فيه، وإنَّما قصدت عند [194] وجود عِقدها موضع هودجها لا غير.

وقولها: (فَأَمَمْتُ [195] مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ [196] ) أممتُ: بمعنى قصدتُ [197] ، أي: قَصَدَتْ إلى [198] موضع هودجها فأقامَتْ به، وهذا مما يشهد لتنبُّهها [199] في أمورها مع أنَّها كانت صغيرة السِّن، لأنَّها لو لم تقعد بموضعها ذلك وسارت في طلب القوم، لاحتمل أن تصيب طريقهم أو تحيد [200] عنه، فإن حادت عنه فتهلك وتُتْلِف نفسها، ومقامها بموضعها تقطع [201] فيه بأنَّهم يرجعون إليها بذلك الموضع، فلمَّا أن احتمل سيرها في أثر القوم الاتلاف أو

ج 2 ص 478

التلاقي [202] ، ومقامها بموضعها [203] يقطع فيه بالتلاقي فعلت ما يقطع [204] فيه بالنجاة وتركت المحتمل.

وقد عمل اليوم جلُّ أهل هذا [205] الزَّمان بعكس ذلك، فأخذوا المحتمل وعملوا عليه، وتركوا ما يقطعون فيه بالخلاص، لأنَّهم أخذوا في التَّعبُّد [206] ودخلوا في المجاهدات مِن غير أن يلاحظوا [207] السُّنَّة ويتبعوها، وتعبُّدهم ومجاهدتهم مع ترك نظرهم إلى سنَّة [208] النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قلَّ أن يقبل منهم، وإن قُبل فلا يُعلم هل يخلص أم لا؟ والاتباع كان أولى بهم مِن ذلك، لأنَّه يُقطع فيه بالخلاص والنجاة بفضل الله ومِنته [209] لقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران: 31] ، ولقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ عَمَلَ امْرِئ حَتَّى يُتْقِنَهُ ) )قالوا: يا رسول الله: وما إتقانه؟ قال: (( تخلصهُ [210] مِنَ الرِّيَاءِ والبِدْعَةِ ) )

والرياء: هو العمل لأجل الناس، والبدعة: هي أن يعمل في التَّعبُّد ما لم يأمر الشَّارع عليه السَّلام به [211] ولا فَعَلَه، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيْتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي، وَمَنْ أَحْيَانِي [212] كَانَ مَعِي في الجَنَّةِ ) )فالتَّابع اليوم للسُّنَّة قد [213] شهد له النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة، كما شهد للعشرة رضي الله عنهم، غير أنَّ العشرة كانت لهم الفضيلة [214] مِن جهة أخرى، وهو ما خُصُّوا به مِن المزية لقوله تعالى: {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26] وما أعطاهم الله ومَنَّ عليهم بصحبة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ورؤيته، وتساووا [215]

ج 2 ص 479

مع غيرهم مِمَّن أحيا اليوم سنَّة في الوعد الجميل بدار النَّعيم والخلود [216] فيها.

وقولها: (فَظَنَنْتُ [217] أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي [218] فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ) ظننت: بمعنى علمت، وسيفقدونني: ليس [219] يعود على مَن كان يحمل الهودج، لأنَّهم لا [220] يفتقدونها [221] مِن حيث أن يفقدوها [222] ، وإنَّما هو عائدٌ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّ سيِّد القوم يكنَّى عنه بلفظ الجمع، ويحتمل أن يكون عائدًا على ذوي محارمها مِن أب أو أخ [223] أو غير ذلك ممَّن يجوز له الدُّخول عليها.

وقولها: (فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ) يُحتمل أن يكون نومها بهذا الموضع أحدَ وجهين وقد يجتمعان:

(أحدهما) : أنَّها كانت حديثة السِّن، والحديث السِّن كثير النَّوم لأجل ما معه من الرُّطوبات [224] ، فلم تقدر أن تقعد [225] لكثرة النوم الذي كان بها، ويحتمل أن يكون نومها كرامة من الله في حقِّها، لأنَّ موضعها [226] موضع الفزع، سيَّما صغير السِّن إذا كان في البريَّة وحيدًا، سيَّما وقد كانوا راجعين مِن الغزو والأعداء كثيرون [227] ، فلمَّا أن اجتمعت [228] عليها هذه الأسباب، وكلُّ واحدة منها موجبة للخوف، فكيف بالجميع؟ فأرسل الله عليها النَّوم ليُذهب عنها ما تجد [229] مِن ذلك.

ومثل هذا قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: 11] ، أرسل عزَّ وجلَّ النَّوم على المؤمنين حين كثر عليهم الخوف، وكان بينهم وبين المشركين رملة لا يستطيعون قتالهم بها، فأنزل الله

ج 2 ص 480

عزَّ وجلَّ المطر وهم نيام، فتهيَّأت الرملة وحسن عليها القتال، فلمَّا أن ارتفع المطر وزال عنهم ما كانوا يخافون، أذهب الله عنهم النَّوم فاستيقظ [230] القوم، ومنهم مَن سقط سيفه مِن يده لكثرة نومه، لأنَّ نومهم كان وهم على ظهور [231] خيولهم متهيئين [232] للحرب، والمنافقون لم يرسل الله عليهم [233] نومًا، وبقي عليهم الخوف الشَّديد، فكان نوم المؤمنين كرامة في حقِّهم. فكذلك نوم عائشة رضي الله عنها لَمَّا أن كثر [234] عليها أسباب الخوف، أرسل الله عليها النَّوم حتَّى زال عنها ذلك بالفرج.

وقولها: (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ) إلى قولها: (يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ) فيهِ وجوه:

الأوَّل: إنَّ السُّنَّة في السَّفر أن يكون وراء القوم رجل أمين معروف بالصَّلاح والخير، يقفو أثرهم، لأنَّها أخبرت [235] أن صفوان بن المعطَّل كان مِن [236] وراء الجيش، وصفوان هذا كان مِن أهل الخير والصلاح [237] ، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم شهد له بذلك على ما سيأتي، ولأجل ما يعلم فيه مِن الأمانة والخير، جعله عليه السَّلام يقفو أثر القوم [238] ، والعلَّة في ذلك أنَّ القوم إذا رحلوا عن موضعهم، قد يتركون شيئًا مِن حوائجهم نسيانًا، أو يقع لهم شيء مِن أموالهم، أو ينقطع [239] أحدهم فيتلف عنهم [240] ، كما اتفق لعائشة رضي الله عنها، فإذا كان مِن وراء القوم مَن يقفوا أثرهم، وكان صالحًا أمينًا أُمِنَ مِن ذلك، لأنَّه إن وجد مالًا دفعه بأمانته

ج 2 ص 481

لصاحبه، وإن وجد ضعيفًا أو تالفًا حمله، كما فعل صفوان مع [241] عائشة رضي الله عنها، وإنَّما ذكرت اسم الرَّجل لتبرِّئ نفسها مما رُمِيت به ومِن أسبابه لِمَا يُعْلَم مِن صلاحه ودينه رضي الله عنه، وأنه ليس فيه أهليَّة لِمَا قيل فيه، وذكرت [242] كيفية قدومه عليها لتزيل [243] ما يتخيل هناك من الشوائب بالكُلِّيَّة من كلام ومراجعة وغير ذلك.

الثَّاني: إنَّ للمرأة [244] أن تكون في الهودج كما هي في بيتها ولا تُكلَّف أن تستتر فيه [245] ، لأنَّها قالت: (وَكَانَ [246] يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ) فأفاد ذلك أنَّه عرفها، ولا وقعت المعرفة إلَّا و أنَّه [247] قد رأى [248] منها شيئًا ظاهرًا حتَّى عرفها به، فلو كانت مستترة بالستر [249] الذي أُمِر النِّساء أن يخرجن به ولم [250] يرَ منها شيئًا [251] ، ولو كانت في الهودج مستترة كلَّها لكان الخروج بذلك أولى، كذا [252] الخروج ليلًا أو نهارًا، ولأنَّ الهودج يغني عن السَّتر، لأنَّه كالبيت وهي إذا كانت في البيت غير مأمورة بذلك، والخروج بالليل في الظُّلمة فيه ذلك المعنى، لأنَّ الليل سَتر بذاته، فلا يُرى للمرء شخص [253] فيه تتحقَّق صفاته به [254] ، فلا يجب عليها السَّتر الذي يجب بالنَّهار عدا الليالي المقمرة إذا كانت صاحية.

الثَّالث: إنَّ كلام المرأة لا يجوز إلَّا لضرورة لا بدَّ منها بعد العجز عن التَّحيل [255] في عدم الكلام [256] ، إلَّا أن تكون تلك الضرورة لا بدَّ فيها مِن الكلام ولا تزول الضرورة إلَّا به، فذلك سائغ

ج 2 ص 482

مثل الشَّهادة على المرأة إلى غير ذلك، لأنَّها أخبرت أنَّ صفوان لَمَّا عرفها، لم ينادها باسمها ولا سألها عن [257] خبرها، وإنَّما كان يُرجِّع، لأنَّ السُّؤال يستدعي الجواب، فعدل عن ذلك إلى كلام لا يحتاج فيه إلى جواب بحيلته اللطيفة [258] ، وهذا مما يشهد له بالدِّين وحسن النَّبالة [259] .

والاسترجاع: هو [260] قول المرء [261] : (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، وكذلك أيضًا قول [262] : (لاحول ولا قوة إلَّا بالله) ، لمَّا أن رآها وعرفها نزل عن راحلته وهو يرجِّع لكي تستيقظ لاسترجاعه [263] ، ثمَّ وطئ يد النَّاقة، لأنَّ عادة العرب كانت [264] إذا أرادوا أن يرُكبوا أحدًا وطئوا يد النَّاقة لتتهيَّأ للرُّكوب، فكأنَّه يقول لها: اركبي للعادة المعروفة فيما فعل.

فلمَّا [265] أفاقت لاسترجاعه، ورأت منه تلك الحالة، علمت أنَّه يريد ركوبها للنَّاقة، فركبت ثمَّ أخذ رضي الله عنه بزمام النَّاقة فقادَها [266] ليكون ذلك أستَرَ لها [267] ، فلا يرى لها شخصًا، ولوكان خلفها لاحتاج أن يغمض [268] عينيه، ولكانت هي متوقعة خائفة مِن وقوع النَّظر، فتقدَّم لكي يجيل بصره حيث أراد، ولكي يرى الطَّريق فيمشي عليه ويقصد القوم، ولكي تبقى هي [269] مستترة لا تتوقَّع شيئًا ولا تخافه، كلُّ [270] هذا مِن دينه وأدبه ومسايسته، ولأجل ما فيه مِن هذه المعاني جعله النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقفو أثرَهم.

وقولها: (حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أي: لم

ج 2 ص 483

يزالوا على ذلك الحال حتَّى لحقوا بالقوم، وكان وصولهم في نَحْر الظَّهيرة [271] ، والقوم قد نزلوا، والتَّعريس: يُطلق على النُّزول، والإقامة عن السَّير كان ذلك ليلًا أو نهارًا.

وقولها: (فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ) فإنمَّا [272] أبهمت ذكر الهالكين ولا ذكرت بمَ هَلكوا [273] للعلم بذلك.

وقولها [274] : (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ [275] سَلُولَ) عبدالله هذا مِن كبار المنافقين [276] ، وهو رئيس [277] مَن تكلَّم فيها وتقوَّل، وقال: فأبدت ذِكْره وبيَّنَتْ [278] اسمَه، لتبيَّن [279] أنَّ أصل ما قيل [280] كان مِن قِبَله، وما كان ابتداؤه ممن كان هذا حاله، فهو كذبٌ محضٌ لا شكَّ فيه، كما ذكرت أيضًا اسم صفوان، للعلم بدينه وما هو عليه مِن الخير، كلُّ ذلك لكي تُتَيَّقَن براءتها ويسلِّم [281] النَّاس ممَّا نزل بهم في ذلك.

وقولها: (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا) اشتكيت [282] : بمعنى مرضت، أي أصابها المرض مدة شهر بعد قدومها مِن السَّفر، وإنَّما ذكرت مرضها لتبيِّن العذر الذي منعها مِن [283] معرفة ما قيل مدة الشَّهر [284] ، لأنَّ المريض أحكمت السُّنَّة فيه أن لا يقال له في ذلك الحال ما يؤلمه.

وقولها [285] : (يُفِيضُونَ [286] مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ) أي: اشتهر ما قاله أهل الإفك عند النَّاس، وكانوا يتحدَّثون به بينهم، ولا يظن ظانٌّ أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم، أو واحدًا [287] منهم وقع فيها بشيءٍ مما قيل أو صدَّق به، وإنَّما كان تحدُّثهم [288] في ذلك [289] على طريق التَّعجب والإنكار، حتَّى لقد كان الرَّجل منهم

ج 2 ص 484

يقول لزوجته: ألم تسمعي إلى [290] ما قيل في فلانة؟ فتقول له [291] زوجته: لو قيل لك ذلك فيَّ أكنتَ تصدِّق؟ فيقول: لا والله [292] ، فتقول: فكيف بفلانة.

وقولها [293] : (وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي) إلى قولها: (حَتَّى نَقَهْتُ [294] ) فيه وجوه:

الأوَّل: إنَّ المريض [295] يزيد بتغير الباطن، لأنَّها قالت (ويريبني في وجعي، أنِّي [296] لا أرى مِن رسول الله [297] صلَّى الله عليه وسلَّم اللُّطف الذي كنت أعهد [298] منه حينَ أمرض) ، ويريبني بمعنى يزيدني [299] ، فازداد الألم بها [300] لتغيُّر باطنها، لنقص إحسان النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لها، وما عهدت منه مِن اللطف والرَّحمة في حال المرض.

ثمَّ المرض بالنسبة إلى الباطن والظاهر ينقسم قسمين: فمرض حسِّي، ومرض معنوي، فالحسِّي: هو ما يكون في البدن، والمعنوي: هو ما يتعلَّق بالنَّفس مِن التَّغيرات والهموم والأحزان.

فأمَّا [301] المرض الحسيُّ فشأن صاحبه التَّردد إلى الطَّبيب، وامتثال ما يأمره [302] به مِن الأدوية إن كان جاهلًا بالطِّب، فإن كان له حياة [303] أذهب الله عنه ذلك الألم، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا أن خلق الدَّاء خلق له [304] الدَّواء، وقد كانت عائشة رضي الله عنها أعرف النَّاس بالطِّب، فَسُئِلت: مِن أينَ اكتسبتِ ذلك؟ فقالت: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كثير الأمراض، وكان يتداوى، فما مِن عِلَّة إلَّا ومرض بها وعالجها، فالمداواة مِن السُّنَّة، اللهُمَّ إلَّا مَن ترك ذلك ثقة بربه ومُتَّكِلًا عليه في برئه، فهو أَوْلى لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ

ج 2 ص 485

أَلْفًا الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وهُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ [305] ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )) فمَن قدر على هذا كان أولى، ومَن لم يقدر عليه فله في السُّنَّة اتساع [306] ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما ترك ذلك ورجع إلى التَّداوي والمعالجة، لأنَّه هو [307] المشرِّع، ثمَّ إنَّه إذا تطبَّب يحذر [308] أن يعتقد أنَّ ذلك يبرئه، وإنَّما يرجو ذلك مِن الله، ويتكِل [309] عليه فيه ويفعل الأسباب امتثالًا للسُنَّة وإظهارًا للحكمة لا [310] لغير ذلك، هذا هو حكم المرض الحسيِّ.

وأمَّا المرض المعنويُّ فهو ينقسم إلى [311] قسمين:

(فالأوَّل [312] ) : هو النِّفاق كما قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا} [البقرة: 10] وذلك ليس له دواء ولا معالجة، إلَّا الدُّخول في الإسلام، والتَّصديق بوعد الله ووعيده.

وأمَّا (الثَّاني) : فهو في المؤمنين، وهو ما يخطر [313] في بواطنهم مِن الوسواس [314] ومِن الكسل عن العبادات، وذلك [315] ليس له دواء إلَّا الدُّخول في المجاهدات، وترك الوقوف مع ما يقع في الباطن مِن ذلك، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ [316] : مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا قَالَ لَهُ [317] ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ [318] ، وَلْيَنْتَهِ ) )ومعنى (( ولْيَنْتَهِ ) )أنَّه يعرف أنَّ ذلك مِن الشَّيطان، فيلغيه [319] عنه، لأنَّ المرء [320] ليس مأمورًا بأن لا يقع له شيء مِن هذه الأمور، وإنَّما هو مأمور بأن يدفع ما يقع له، فإذا [321] كثُر ذلك منه ولم يقدر على دفعه، فالمجاهدة إذ ذاك

ج 2 ص 486

والدخول في أنواع التَّعبُّد [322] والتَّعمق فيها، ولأجل هذا المعنى تُحْتَاجُ المجاهدةُ لِتُزِيلَ [323] ما يُتوقَّع هناك مِن هذه الأمور، لأنَّ ألم الظَّاهر يذهب بوسواس [324] الباطن [325] . هذا هو حكم المرض المعنوي، ثمَّ نرجع الآن إلى بيان الوجوه المستفادة على ما قررناه.

الثَّاني: أنَّ تغيير العادة موجب لحكم ثانٍ، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يغيِّر لها العادة حتَّى تُحدِّث في شأنها [326] .

وفي هذا دليل للقول [327] بسدِّ الذَّريعة، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يعلم في [328] أهله كلَّ خير، وأنَّهم ليسوا لِمَا قيل أهلًا، ومع ذلك نَقَص لها مِن العادة وأظهر لها مِن الهجرة [329] شيئًا سدًَّا للذَّريعة [330] ، لأنَّ الغَيْرَة مِن الدين، ولو لم يفعل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، لأدَّى إلى ترك الغَيْرَة، لأنَّه قد يقال في غيرها [331] شيء مما قيل فيها أو ما يشبهه [332] فيترك الامتعاض [333] لذلك اقتداءً به عليه السَّلام، والامتعاض [334] لذلك هي [335] الغَيرة، والغَيرة شُعبة مِن شُعب الإيمان، ففعل ذلك لأجل هذا المعنى.

الثَّالث: أنَّ السُّنَّة في المريض أن يُلْطَف به، لأنَّها قالت: (لَا أَرَى مِن النَّبِيِّ [336] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَعهد مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ) فأفاد ذلك أنَّه عليه السَّلام كان له لطف زائد للمريض [337] ، وقد أمر عليه السَّلام في غير [338] هذا الحديث أن يُفسَح للمريض في عمره، لأنَّ مرض البدن هو الحسيُّ، والنَّفس ترتاح إلى طول الحياة وتشتهي العافية، فإذا فُسِح لها في العمر حصل له [339] راحة مِن المرض

ج 2 ص 487

المعنويِّ لارتياح نفسه مما بها مِن غمِّ المرض بما يقال له في ذلك، فقد يكون ذلك سببًا لخفَّة المرض عنه كما هو [340] أيضًا بتغيُّر [341] باطنه يزيد به المرض كما تقدَّم.

الرَّابع: أنَّ مَن قيل فيه شيء يكون قذفًا في حقِّه، فذلك يُوجب هجرته [342] ، وإن لم يتحقَّق عليه ما قيل، ولا يجوز [343] هجرته بالكُلِّيَّة، وإنَّما يُنْقَص له مِن العادة التي كان يُعَامل بها بحسب ما كان الواقع، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُبْقِ [344] لعائشة رضي الله عنها ما عهدت منه مِن اللطف، ولم يَهجُرها أيضًا بالكُليَّة، لأنَّه عليه السَّلام كان يُسلِّم حين يدخل، وقد روي عنه عليه السَّلام أنَّ السَّلام [345] يُخْرِجُ مِن الهُجران [346] .

الخامس: أنَّ مَن وقع ذلك به، لا يُكلَّم كلامًا يستدعي الجواب، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن ليسألها [347] عن حالها، لأنَّ ذلك يستدعي الجواب، فإذا وقع منها الجواب والمراجعة في الكلام، كان ذلك موجبًا للطف، فزال ما أُريد مِن الهُجران [348] .

السَّادس: السُّؤال عن [349] أهل البيت إذا كانوا مرضى، لأنَّه عليه السَّلام كان يسأل عنها، والعلَّة في ذلك أنَّه قد يزيد عليهم [350] زيادة في مرضهم، فيتعيَّن [351] على ربِّ البيت القيام بتلك الوظيفة.

السَّابع: السَّلام على أهل البيت، لأنَّه عليه السَّلام كان يسلِّم حين دخوله عليهم [352] ، وقد رُوي أنَّ ذلك سببٌ للبركة في البيت.

وقولها:

ج 2 ص 488

(فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) إلى قولها: (فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي) فيه وجوه:

الأوَّل: جواز خروج المرأة لقضاء حاجتها مِن غير أن تستأذن [353] في ذلك، لأنَّها أخبرت أنَّها خرجت لذلك، ولم تذكر أنَّها استأذنت، ولأنَّها عادةٌ تقدَّمت، وكلُّ [354] عادةٍ مستمرة لا يُحتاج فيها لإذن [355] .

الثَّاني: صيانة اللسان عن ذكر المستقذَرات [356] وحسن الكناية في ذلك، لأنَّها كَنَت عَنْ ذكر قضاء الحاجة بقولها: (مُتَبَرَّزُنَا) وقد تقدَّم.

الثَّالث: صيانة البلد عن الفضلات، لأنَّها أخبرت أنَّهم كانوا [357] يخرجون إلى البريَّة لقضاء حاجة الإنسان على عادة العرب، الأُولِ لتنزيه [358] بلدهم عن فضلات الإنسان، فكانت بلدهم مصانة [359] عن فضلات الإنسان [360] .

ولهذا المعنى [361] قال عليه السَّلام في المرأة تجرُّ مِرْطها وتمشي في المكان القذر: إن ما بعده يطهره [362] ، لكون البلد كان مصانًا [363] مِن النَّجاسات، وإن كان فيه شيءٌ مِن فضلات الدَّواب فذلك قليل، وإن كان فيكون في وسط الطَّريق، لأنَّ الدَّواب غالبُ سَيرها في وسط الطُّرق [364] .

والسُّنَّة في مشي النِّساء إذا خرجن مع الحيطان، ولذلك قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( ضيِّقُوا عَلَيْهِنَّ الطُّرقَ لِكَي يَكُون مَشْيُهُنَّ [365] مَعَ الجدرانِ ) )وفضلات الدَّواب لا تكون هناك هذا هو الغالب، وإن كان مِن ذلك شيء فنادر، والنَّادر لا يحكم

ج 2 ص 489

به.

وقد نهى عليه السَّلام عن قضاء الحاجة في ظِلِّ الجدران على الإطلاق، وكذلك في ظِلِّ الشجر، كان ذلك في البلد أو في البريَّة، فالغالب على هذه المواضع سلامتها مِن النَّجاسات، ولهذا سُمِّي بالمكان القَذِر، لأنَّ القَذِر غيرُ النَّجس، فالقَذِر هو ما تعافه النفوس وهو في نفسه طاهر، فجعل عليه السَّلام أنَّ ما بعده مِن المواضع النَّظيفة التي يمر عليها [366] يطهره إزالة لِمَا في النفوس من ذلك، كما جعل عليه السَّلام النَّضح طهورَ ما شُكَّ فيه إزالةً لِمَا في النُّفوس [367] ، ولو كان المراد بـ (القَذِر) النَّجس لأمر [368] عليه السَّلام بغسله على الإطلاق، كما أمر بذلك في النَّجاسة تصيب الثَّوب وتتعيَّنُ فيه، ولم [369] يأمر فيه بالنَّضْح.

الرَّابع: صيانة البيوت عن اتخاذ الكُنُف فيها أنَّها [370] قالت: (قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ [371] الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا) فأفاد ذلك أنَّهم حين اتخذوا الكُنُف، لم يتخذوها في البيوت، ولكن اتخذوها خارجةً عنها قريبةً [372] منهم، ولأنَّ الكُنُف [373] موضعُ النَّجاسات، وقد نُهي عن الذِّكر فيها وقد أُمر بالتَّعبُّد [374] في البيوت، فمُنِعت أن تكون في البيوت لأجل هذا المعنى.

الخامس: أنَّ المرأة لا تخرج لقضاء الحاجة إلَّا مستَتِرة، إذا كان الموضع الذي تخرج [375] إليه خارجًا عن موضعها، بحيث أنَّها تُضطَر أن تشترِك مع غيرها في الطَّريق، لأنَّها قالت: (لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا [376] ) لأنَّ الليل زيادة في السَّتر.

ج 2 ص 490

وقوله: (فِي الْبَرِّيَّةِ _أَوْ فِي التَّنَزُّهِ_) شكٌّ مِنَ [377] الرَّاوي في أيِّهما قالت عائشة رضي الله عنها.

السَّادس: نُصرة المؤمن والتَّعظيم له، وهو [378] لازم مع الأجانب والأقارب، لأنَّ أم مِسطح لمَا قالت: (تَعِسَ مِسْطَحٌ) قالت لها: (بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ [379] رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟) وإن كان [380] مِسطح ابنًا لها، فردَّت عائشة رضي الله عنها ما قالت [381] فيه والدته، بقولها [382] : (بِئْسَ مَا قُلْتِ) وعظَّمته [383] بقولها: (أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا) ؟.

السَّابع: إنَّ الأصل استصحاب [384] الحال، لأنَّها استصحبت ما كان عندها مِن عدالة مِسطح، لكونه شهد بدرًا، وأنكرت ما قيل فيه حتَّى يثبت [385] عندها ذلك بيقين.

الثَّامن: أنَّ الذَّاكر لشيءٍ يُنتَقَد عليه، فعليه أن يأتي بالدَّليل على جوازه، لأنَّ أمَّ مِسطح لَمَّا ذكرت ما يُنْتَقد عليها، أتت بالدَّليل على جواز ما ذكرت، بقولها: (أَلَمْ تَسْمَعِي إلى مَا قَالُوا؟) وأخبرت بأنَّ ولدها كان في جملة مَن خاض مع الخائضين.

التَّاسع: إنَّ الشَّيْنَ في الدِّين يؤلم أهلَ الفضل أكثر الإيلام [386] ، لأنَّها أخبرت أنَّها لَمَّا قيل فيها ما قيل وذلك شَين في الدِّين، حزِنَت لذلك حتَّى لم يبقَ لها نوم على ما سيأتي.

ثمَّ بقي بحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت