فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 363

حديث: لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده

146 -قوله: (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ) . [خ¦2998]

ظاهر الحديث يَدُلُّ عَلَى منعِ سَير الراكب بالليل وحدَه [2] ، والكلام عليه مِن وجوه:

الأَوَّل: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ) هل هذا عائد [3] على ما ذكره عليه الصَّلاة والسَّلام في أحاديث غير هذا ممَّا أذكره بعدُ أو لأمرٍ ثانٍ [4] غير ذلك أو لمجموعهما؟

احتمل كل واحد منهما، واحتمل أن يكون عائدًا عليها كلها [5] وهذا هو الأظهر، لأنَّه أبلغ في الزجر وأقوى وذلك موجود في الشريعة في غير ما موضع، الإبهام لتعظيم الفائدة، فإذا كان [6] المراد هذا الوجه الذي أبديناه فيترتَّب عليه مِن الفقه [7] أن ينظر

ج 3 ص 126

ما هو الأرشد: هل [8] إبداء الحقائق أو الإشارة إليها دون تعيينها؟ فالذي فيه الأصلح منهما يفعل [9] ، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام مرَّة أشار إلى الحقائق ولم يبيِّنها كما فعل فيما نحن بسبيله [10] ، ومرَّة أبدى الحقائق حين ذكر الثواب على الأعمال وغير ذلك.

الثاني: هل هذا النهي مقصور على الراكب دون غيره أو هو مِن باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟

احتمل الوجهين معًا، والأظهر أن يكون مِن باب التنبيه بالأعلى على الأدنى [11] ، لأنَّه أجمع للفائدة، ولأنَّ الماشي مِن باب أَوْلى أن [12] ينهى مِن الراكب، لأنَّه يباشر الأرض بنفسه، والراكب لا يباشر الأرض بنفسه [13] وقد يتأنَّس بالدابة التي هو عليها راكب، ولأنَّ العلَّة التي لأجلها نهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك هي والله أعلم ما ذكره في حديث غير هذا حيث أخبر [14] بأنَّ الشياطين تنتشر [15] أول الليل أكثر مِن آخره، فإذا كان الرجل وحدَه لا يؤمَن عليه مِن أذاة الشياطين، وكذلك [16] إذا كان [17] هو وغيره ليس معها [18] ثالث لقَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام في حديث غير هذا: (( الشَّيْطَانُ يَهمُ بالواحدِ والاثنينِ، والثَّلَاثةُ رَكْبٌ ) )فإذا كانوا جماعة وقع الأمن مِن إيذائهم [19] هذا مِن جهة [20] الشياطين.

وفيه معنى آخر وهو: أنَّه قد يخاف عليه لئلَّا [21] يغلبه النوم فيضلَّ عن الطريق، لأنَّ الليل للنوم أو يأخذه ألمٌ أو نازلةٌ مِن النوازل فلا [22] يجد مَن يلجأ إليه ولا مَن [23] يستعين به ويرتفق، والنبي صلَّى

ج 3 ص 127

الله عليه وسلَّم كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، فحضَّهُم عليه الصَّلاة والسَّلام على ما هو الأصلح لهم في الدنيا والآخرة.

وهذا النهي ليس على العموم لكلِّ الناس وإنما هو للعوامِّ وبعضِ أهل [24] الخواصِّ ممن هو متردِّد في حاله، وأمَّا مَن كان مِن الخواصِّ المتحققين فليس يتناوله هذا النهي، لأنَّ النهي إنَّما ورد فيمن كان وحده وهذا ليس [25] وحده. يَدُلُّ عَلَى ذلك قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ ) )وقَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام إخبارًا عن ربه عزَّ وجلَّ يقول: (( أَنَا جَلِيْسُ مَنْ ذَكَرَنِي ) )والخواص لا يزالون في الذكر فإذا حصلت له صحبة مولاه ومجالسته في سفره فهي الطريق المباركة.

ومثل ما نحن بسبيله قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] فأمر الله تعالى بالزاد عمومًا ثم نبَّه لأهل الخصوص بأعلى [26] الزاد وهو التقوى، فمَن كان مِن أهل التقوى فقد أخذ بأعلى الزاد [27] وهو التقوى [28] ، ومَن لم يكن له تقوى فلا يجوز له السفر إلا بالزاد المحسوس، فإن سافر دونه كان عاصيًا ودخل في عموم قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وكذلك فيما نحن بسبيله إن [29] سافر وحده دخل تحت النهي وألقى بيده [30] إلى التهلكة إن لم يكن مِن أهل الخصوص.

وإلى ما نحن بسبيله أشار بعض الفضلاء مِن أهل الطريق بِقَوْلِهِ: إن الحالَ القويَّ إذا ورد على الفقير يمشي حيث شاء فهو في ذِمَّة الله لا يلحقه أذى، وينجح سعيه في كل ما يخطر

ج 3 ص 128

له مِن سبل الخير أو الأمور المباحات، لكن هذا يحتاج إلى بيان، لأنَّ المباح عند أهل الطريق متروك، لكن قد يكون المباح واجبًا أو مندوبًا إذا كان سببًا لأحدهما، لأنَّه ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتوصل إلى المندوب إلا به فهو مندوب، فإن كان المريد في حاله متردِّدًا [31] فذلك دالٌّ على ضعفه فلا يعمل [32] عليه وشأنه التقيُّد بلسان العلم، فإن ترك لسان العلم وعمل على الحال الذي وَرَدَ عليه مع ضعفه كان مرتكبًا [33] للنهي.

الوجه الثالث [34] : في الحديث (إشارة صوفية) وهو أنَّ السفر عند أهل الطريق عبارة عن الانتقال مِن حال إلى حال كما هو عند أبناء الدنيا عبارة عن الانتقال مِن بقعة إلى بقعة، وظلمة الليل عبارة عن الجهل ووافقهم في هذا أهل الفقه، لأنَّ الظلام عند الكلِّ بمعنى الجهل وضده العلم وهو النور، فلا يسافر أحد [35] منهم سفرًا فيه ظلمة إلا بمرافقة العلم [36] والتقوى فيصير هو بمَن معه رَكْبًا [37] يأمَن مِن ضرر الشيطان وفِتَن [38] الهوى جعلنا الله ممن صحب ما صحبوا حتَّى يبلغ ما بلغوا بمنِّه.

[1] في (م) : (( والله الموفق للصواب عن ابن عمر عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال ) ).

[2] قوله: (( ظاهر الحديث يَدُلُّ عَلَى منع سير الراكب بالليل وحده ) )ليس في (ج) .

[3] في (م) : (( عائدا ) ).

[4] في (م) : (( ثالث ) ).

[5] في (ط) : (( على كلهم ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[6] في (م) : (( هذا ) ).

[7] قوله: (( الفقه ) )في (م) ليست واضحة.

[8] في (م) : (( على ) ).

[9] في (م) : (( والذي فيه الاصلح منها يفعل ) ).

[10] قوله: (( بسبيله ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[11] قوله: (( احتمل الوجهين معًا، والأظهر أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى ) )ليس في (ج) .

[12] قوله: (( أن ) )ليس في (م) .

[13] قوله: (( والراكب لا يباشر الأرض بنفسه ) )ليس في (ط) و (م) والمثبت من (ج) .

[14] في (م) : (( أخبرنا ) ).

[15] في (ط) : (( ينتشروا ) )والمثبت من (ج) وفي (م) : (( تنشز ) ).

[16] في (م) : (( أذى به الشياطين فكذلك ) ).

[17] زاد في (م) : (( الرجل ) ).

[18] في (م) : (( معهما ) ). ولعله الأصوب كما في (المطبوع) %

[19] في (م) : (( إذايتهم ) ).

[20] في (م) : (( وجه ) ).

[21] في (م) : (( لأن لا ) ).

[22] في (م) : (( ولا ) ).

[23] في (ط) : (( بما ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[24] قوله: (( أهل ) )ليس في (ج) و (م) .

[25] في (م) : (( وليس هذا ) )بتقديم وتأخير.

[26] في (م) : (( ماعلى ) ).

[27] في (م) : (( فقد أخذناه على الزاد ) ).

[28] قوله: (( وهو التقوى ) )ليس في (ط) ، وفي (م) : (( وهو التقى ) )والمثبت من (ج) .

[29] في (م) : (( فإن ) ).

[30] في (م) : (( بنفسه ) ).

[31] زاد في (م) : (( فهو مريد ) ).

[32] في (م) : (( دل على ضعفه ولا يعمل ) ).

[33] في (م) : (( مركبا ) ).

[34] في (م) : (( الثاني ) ).

[35] في (م) : (( أحدا ) ).

[36] في (ط) و (م) : (( بمرافقة العلم ) )والمثبت من (ج) ، وفي (المطبوع) : (( بموافقة أهل العلم ) ).

[37] في (م) : (( ومن معه راكبا ) ).

[38] قوله: (( فتن ) )في (م) ليست واضحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت