150 -قوله: (نَهَى [1] رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) . [خ¦3015]
ظاهر الحديث يَدُلُّ عَلَى أنَّ قتل النِّساء والصبيان لا يجوز، لكن هل النهي على العموم أم لا؟
محتمل والأظهر أنَّه ليس على العموم [2] لأنَّ المَعْنِيَّ به في (غزو المشركين بعد القدرة عليهم) وهذا بقيد، وهو: أن يكون النِّساء والصبيان لم يقاتلوا حين الحرب، فإن قاتلوا فقتلُهم [3] جائز هذا في حال القدرة عليهم، وأمَّا [4] حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أُصِيب منهم إذا كان بغير تعمُّد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام في هذه الحالة: (( هُمْ مِنْ آبائِهِم ) ).
ثمَّ هذا النهي هل هو لعلَّة أم لا؟ الظاهر أنَّه لعلَّة [5] أن النِّساء والصبيان مِن جملة الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في [6] حين حربهم.
ثمَّ هذه العِلَّة هل هي متعدَّية أم لا؟ فإن قلنا بأنَّها [7] غير متعدِّية فلا بحث [8] ، وإن قلنا: إنَّها [9] متعدية وهو الظاهر، لأنَّه اللائقَ [10] بكلام الشَّارع عليه السَّلام، لأنَّه أُوْتِي جوامع الكلم، فحيث ما وُجِد من كلامه حكم وفُهِمَت له عِلَّة، فحيث ما وُجِدت تلك العِلَّة يكون الحكم مَنوطًا بها، والعِلَّة في الحديث على [11] ما ذكرنا وهو ما حصل للمسلمين مِن الفائدة مِن [12] غنيمة النِّساء والصبيان مِن غير [13] ضرر لحقهم كما تقدَّم، فحيث ما وجدنا فائدة لم يتعلَّق بها ضرر في الدين وجب استعمالها،
ج 3 ص 143
وإنَّما قلنا: أن تكون لا يلحق منها ضرر، لأنَّ أكبر [14] الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين [15] ، لأنَّ مقاتلتهم إيَّاهم عملًا على إطفاء نور الله تعالى، والنساء والصبيان لم يقاتلوا فلم يدخل مِن قِبَلِهم [16] ضرَر فكانت فائدة مِن غير ضرر [17] في الدين.
ثمَّ هذه العِلَّة هل يتعدَّى الحكم بها للباطن أم لا؟ الظاهر تعدِّيها على البحث الذي قدَّمناه، لأنَّ أهل الباطن والظاهر مِن بحره عليه الصَّلاة والسَّلام اغترفوا، كلٌّ منهم على مقتضى طريقه: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] فتعديها [18] للباطن هو أن تُعرَف تلك العِلَّة في الباطن كما عُرِفت في الظاهر، فالمرأة في الباطن كناية عن الدنيا، لأنَّها مِن زينتها، والصبيان كناية عن الهوى، لأنَّه [19] مثلهم لمخالفته العقل [20] وغلبة الشهوة [21] ، لأنَّ الصبيَّ يوصف بعدم العقل واتباع الْمُرْدِيات وهي صفة الهوى، فإن تعلَّق القلب بواحد منهما [22] دون ضرر في الدين جاز استعماله على مقتضى العِلَّة فمثال تعلُّقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال لإِحياء رمق يُسْتَعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان العلم، ولم يكن تعلُّق القلب به [23] يمنعه مِن آداب الأعمال والحضور فيها فهذا جائز ولا يضرُّ اتباع النفس والهوى فيه [24] .
ومثل هذا كانت أفعال الصَّحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي الله عنه حيث كان يقول: لأهله اعملوا الطعام [25] مشروبًا فإن بين المأكول
ج 3 ص 144
والمشروب كذا وكذا آية، فلم يكن نظره [26] للطعام للشهوة، وإنما [27] كان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة العبادة، لأنَّ تعلُّق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره مِن المباحات وإن كان جائزًا على لسان العلم فهو ممنوع عند أهل الباطن فوجب قتله عندهم، وقتله هو [28] تركه، لأنَّهم يقولون: ترك الشهوات قرع الباب، وترك الحظوظ رفع الحجاب.
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول: إنِّي لأتزوَّج النِّساء وما لي إليهنَّ حاجة، وأطأ المرأة [29] وما لي إليها [30] شهوة، فقيل له: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قال: رجاء أن يخرج الله مِن ظهري ما [31] يَكثُر به محمَّد [32] الأممَ يوم القيامة.
وإن كانت الشهوة في النكاح والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها فيها إذا كان النكاح على لسان العلم [33] ، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين: (( يُؤجَر الْمُؤْمِنُ [34] حَتَّى في بُضْعِهِ لامْرَأَتِهِ. فقيل: كيف يا رسول الله، ينال أحدنا شهوته ويكون فيها [35] مأجورًا؟ قال: أرأيتَ لو وضَعَها في الحرامِ أَكَانَ [36] يكونُ [37] مَأْثُومًا؟ قيل: نعم، قال: كذلكَ إِذَا وضَعَها في الحَلَالِ يكونُ مَأْجُورًا ) )أو كما قال عليه السَّلام [38] .
وقد طلَّق عمر رضي الله عنه إحدى [39] نسائه فقيل له: لِمَ طلَّقتَهَا وهي مِن أمرها وشأنها وأثنى عليها بأنواع الخير [40] ؟ فقال: أعرف [41] فيها أكثر ممَّا تقولون، ولكن [42] مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها
ج 3 ص 145
عمَّا يلزمني مِن أمور المسلمين ففارقتها [43] ، فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور جائزة [44] على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب الشريعة والحضور في التعبُّدات [45] تركوها، لأنَّ ما طلبوا [46] أجلَّ، لأنَّ مَن علم ما طلب هان عليه ما ترك، فما يكون لهم مِن هذه الخواطر والشهوات فهو مِن النوع الذي يُقتَل [47] ، وقتله هو دفعه.
وقد قال عزَّ وجلَّ في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] والطائف هو الخاطر الذي يخطر مِن إغواء الشيطان، وقد [48] قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة رضي الله عنها حين سألته عن الرجل يلتفت في صلاته، فقال: (( تلكَ خُلْسَة يختَلِسُها [49] الشيطانُ منْ صَلَاةِ أَحَدِكم ) )وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إنَّ اللهَ لا يقبلُ عملَ امْرِئٍ حتَّى يكونَ قَلْبُه معَ جوارحِهِ ) )ولا يكون القلب مع الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس [50] أو خطرة مِن شيطان [51] أو هوى.
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة: لا أحبُّ [52] أن يكون لي دكان على باب المسجد، لا تفوتني [53] صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم دينارًا أتصدَّق به في سبيل الله، لا أؤثر ذلك على الفقر [54] ، وإنَّما قال ذلك: لأنَّه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء عن الحضور والذكر، والفقير
ج 3 ص 146
ليس له شغل غير التعبُّد والحضور.
وأمَّا صفة تعلُّق خطرات الهوى [55] فهو مثل أن يكون هواه ممَّا يوافق قُربة، فيفعل هو [56] القُربة ولا يبالي بموافقة الهوى، لأنَّ الهوى [57] كان سببًا للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل، وما كان سببًا لشيءٍ فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة، فلهذا المعنى [58] قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مِنْ سعادةِ المرءِ أنْ تكونَ شَهْوتُه فيما [59] يُرضِي ربَّه ) )أو كما قال عليه السلام [60] ، ومثل ما نحن بسبيله الأضحية، لأنَّها قُربة وفيها الأكل والإعطاء والتمتع والادِّخار، ومثل هذه الخصال هي التي تحضُّ عليها النفس والهوى [61] فيكون المرء في ذلك مأجورًا، وإن كانت النفس والهوى يريدان [62] ذلك وهذا إذا قصد بها السنة [63] ، وأمَّا إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخرًا فهو [64] مِن النوع الذي يقتل، لأنَّه [65] ضرر في الدين وقتله هو [66] تركه، لأنَّ قتل النِّساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا [67] هو إعدامه فيناط الحكم بالعِلَّة حيث وجدت كما ذكرنا.
ومن ذلك أيضًا [68] لبس الثياب والطيب [69] والزينة في الأعياد والجمع إذا قصد به السُّنَّة ويكون [70] في ذلك مأجورًا، لأنَّ فيه أيضًا راحة النفس وحظها وتنعُّمها [71] ، ومعَ ذلكَ فله [72] الأجر في فعله ذلك، ومثل هذا كثير والكل مثل الأَوَّل إن [73] كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضرُّ تعلُّق النفس والهوى
ج 3 ص 147
بذلك، وإن كان لشهوةٍ أو لحظٍّ [74] فالحكم كما تقدَّم وعلى هذا فَقِسْ.
[1] في (م) : (( إنه ولي حميد عن ابن عمر نهى ) ).
[2] قوله: (( أم لا؟ محتمل والأظهر أنَّه ليس على العموم ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[3] في (ج) : (( فقتالهم ) ).
[4] زاد في (م) : (( في ) ).
[5] في (م) : (( أم لا ظاهر الحديث أنه لعلة ) ).
[6] في (ج) : (( من ) ).
[7] قوله: (( بأنها ) )ليس في (ج) وفي (م) : (( أنها ) ).
[8] في (م) : (( يجب ) ).
[9] في (ج) : (( بأنها ) ).
[10] في (م) : (( الأليق ) ).
[11] قوله: (( على ) )ليس في (ج) و (م) .
[12] في (م) : (( في ) ).
[13] في (م) : (( والصبيان بغير ) ).
[14] في (م) : (( أكثر ) ).
[15] في (م) : (( المؤمنين ) ).
[16] في (ط) : (( قتلهم ) ).
[17] في (ج) : (( بغير ) )وفي (م) : (( فائدة بغير ضرر ) ).
[18] في (م) : (( بتعديها ) ).
[19] في (م) : (( لأن ) ).
[20] في (ج) : (( لمخالفة العلل ) )وفي (م) : (( لمخالفة العقل ) ).
[21] زاد في (م) و (ج) : (( عليه ) ).
[22] في (م) : (( منها ) ).
[23] زاد في (م) : (( من ) ).
[24] قوله: (( فيه ) )ليس في (م) .
[25] في (ج) : (( اعملوا للطعام ) ).
[26] قوله: (( نظره ) )في (م) ليست واضحة.
[27] قوله: (( إنما ) )ليس في (ج) و (م) .
[28] في (م) : (( عندهم ) ).
[29] في (ج) و (م) : (( وأطؤهن ) )
[30] في (ج) و (م) : (( وأطؤهن وما لي إليهن ) ).
[31] في (م) : (( من ) ).
[32] في (ج) : (( محمد به ) ).
[33] قوله: (( ومأجور صاحبها فيها إذا كان النكاح على لسان العلم ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[34] في (م) : (( للمؤمن ) ).
[35] في (م) : (( فيه ) ).
[36] في (ج) : (( كان ) ).
[37] قوله: (( يكون ) )ليس في (م) .
[38] قوله: (( أو كما قال عليه السلام ) )ليس في (ط) ، أما في (ج) : (( وكما قال ) )والمثبت من (م) .
[39] في (ج) : (( أحد ) ).
[40] في (ج) و (م) : (( بأنواع من الخير ) ).
[41] قوله: (( أعرف ) )ليس في (م) .
[42] في (ج) و (م) : (( لكن ) ).
[43] في (م) : (( ففارقها ) ).
[44] في (م) : (( جارية ) ).
[45] صورتها في (م) : (( التقيدات ) ).
[46] في (م) : (( ما طلبوها ) ).
[47] في (ج) : (( من أنواع تقتل ) ).
[48] قوله: (( قد ) )ليس في (م) .
[49] في (ج) : (( جلسة يجتلسها ) )النقطة تحت الحرف 269/ب.
[50] في (م) : (( إلا لدوام الحضور دون حديث النفس ) ).
[51] في (م) : (( الشيطان ) ).
[52] في (م) : (( لأحب ) ).
[53] في (ج) : (( يفوتني ) ).
[54] في (م) : (( الفقراء ) ).
[55] في (م) : (( خطرات الشيطان والهوى ) ).
[56] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) .
[57] قوله: (( لأنَّ الهوى ) )ليس في (ج) .
[58] قوله: (( المعنى ) )ليس في (ج) .
[59] في (م) : (( ما ) ).
[60] قوله: (( فلهذا المعنى قال عليه ... ربه أو كما قال عليه السلام ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[61] في (م) : (( الخصال التي تحض عليها الهوى والنفس ) ).
[62] في (م) : (( يرادان ) ).
[63] في (م) : (( الجنة ) ).
[64] في (م) : (( وقصد بها المباهاة وفخر فإنه ) ).
[65] في (م) : (( ولأنه ) ).
[66] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) .
[67] في (م) : (( إعدام لهم وقتل هذا ) ).
[68] قوله: (( أيضا ) )ليس في (م) .
[69] في (م) : (( والتطيب ) ).
[70] في (م) : (( يكون ) ).
[71] قوله: (( وتنعمها ) )في (م) ليست واضحة.
[72] في (م) : (( ولذلك فله ) ).
[73] في (م) : (( إذا ) ).
[74] قوله: (( أو لحظ ) )ليس في (م) .