75 - (عنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ [1] :سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي [2] ... ) الحديثُ. [خ¦1472]
ظاهرُ الحديثِ [3] يدلُّ على أنَّ أخذَ المالِ بسخاوةِ النفسِ بركةٌ فيه، وأخذَه بإشرافِ النفسِ نفيُ البركةِ منهِ [4] ، والكلامُ عليهِ من وجوهٍ:
منها: الدلالةُ على سخاوتِه صلى الله عليه وسلم، يُؤخَذُ ذلكَ مِن تكرارِ طلبِ الطالبِ عليهِ في المجلسِ الواحدِ [5] مرارًا، في كلِّ مرةٍ يُعطيهِ ولم يقلقْهُ ذلكَ.
وفيهِ دليلٌ على حبِّ النفوسِ المالَ، جُبِلَتْ [6] عليهِ بمقتضى الحكمةِ الربانيَّةِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قَولِهِ: (إِنَّ هَذَا المَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ) ، وهذهِ كنايةٌ عن الشيءِ المُستحسَنِ المحبوبِ، مصداقًا لقَولِهِ [7] تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] .
وجاءَ عن عمرَ رضي الله عنه أنهُ قَالَ: اللهُمَّ إنِّي لا أستطيعُ أنْ لا أحبَّ ما زَيَّنْتَهُ لَنَا، فاجْعَلْنِي مِمَّنْ أَخَذَهُ [8] منْ وجْهِهِ، وأُنْفِقُهُ فِيمَا يُرْضِيْكَ [9] .
وفيهِ دليل [10] على أنَّهُ قد [11] يقعُ الزهدُ مع الأخذِ وتكونُ فيه فوائدُ: منها أجرُ الزهدِ، ومنها راحةُ النفسِ، ومنها البركةُ في الرزقِ.
فأمَّا الزهدُ فبدليلِ قَولِه عَلَيْهِ السَّلَامُ: (بِسَخَاوَةِ) [12] ، وسخاوةُ النفسِ هو زهدُها، تقولُ: سَخَتْ بكذا، أي: جادَت بهِ، وسخَتْ عنْ كذا، أي: لم تلتفت إليهِ.
وأمَّا راحةُ النفسِ فقد قَالَ صلى الله عليه وسلم [13] : (( الزُّهْدُ في الدُّنْيا يُرِيْحُ القلبَ والبَدَنَ ) )، وهذهِ أعظمُ راحةٍ للنفسِ [14] ،وأما البركةُ في الرزقِ فلِقَولِهِ [15]
ج 2 ص 209
عَلَيْهِ السَّلَامُ: (بُورِكَ لَهُ فِيهِ) .
ويترتَّبُ على ذلكَ مِن الفقهِ أنَّ الزهدَ يجتمعُ بهِ خيرُ الدنيا والآخرةِ، فأمَّا خيرُ الدنيا فمَا يحصلُ لهُ مِنَ البركةِ في الحطامِ [16] الذي يطلبُه الحريصُ ولا يصلُ إليهِ، وراحةُ القلبِ والبدنِ اللَّذَيْنِ [17] قد حُرِمهما صاحبُ الدنيا وهما حقيقةُ النعيمِ فيها، وأمَّا الآخرةُ فما يتحصَّل [18] لهُ مِن ثوابِ الزهدِ هناكَ، وقلَّةِ الحسابِ، فإنَّ الزهدَ يحملُه على إخراجِ الواجباتِ والتوقُّفِ في المتشابهاتِ، وهي السعادةُ التامَّةُ، والذي يطلبُ الدنيا يخسرُ الدنيا والآخرةَ، فأمَّا خسارتُه في [19] الدنيا فتعبُ قلبِه وبدنه؛ لِقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: (( والحرصُ فِيْهَا يُتْعِبُ القَلْبَ والبَدَنَ ) ) [20] ، وهذه غايةٌ في الشقاءِ والتعبِ، وخسارتُه ما أمَّلَ منها من زيادةِ حُطامِها لكونِه تُرْفَعُ له البركةُ كما تقدَّمَ في قَولهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) ، وهو الحرصُ، وهذا غايةٌ في الحرمانِ؛ لأنهُ تَعِبَ التعبَ الكلِّيَ وحُرِمَ ما أمَّلَه.
ونجدُ ذلكَ موجودًا [21] في عالمِ الحسِّ، ترى طعامَ أهلِ الدنيا كثيرًا في العينِ وعندَ الأكلِ ما تجدُ الشبعَ منهُ إلَّا من شيءٍ كثيرٍ، والقوةُ بالنسبةِ إلى ما أكلوا قليلةٌ، وطعامُ أهلِ التوفيقِ والزهدِ في مرأَى العينِ يسيرٌ ويأكلُ منهُ الجمعُ الكثيرُ ويشبعونَ ويجدونَ مِن القوى بالنسبةِ إلى ما أكلوا كثيرةٌ [22] ، ومعَ ما أهلُ الدنيا فيهِ مِن التعبِ ما يتولَّدُ بينهم في العينِ مِن
ج 2 ص 210
الحسد [23] والضغائنِ والغيباتِ والشحِّ على منعِ [24] الحقوقِ و بعضِها أو تَوفيتُها [25] ، وعلى هذهِ الصفاتِ معَ [26] التسامحِ في المشكلاتِ تترتبُ خسارةُ الآخرةِ، أعاذنا الله، أو طول الخسارة فيها والعذاب والهوان [27] .
وفيهِ دليلٌ لفضلِ أهلِ الصوفية [28] الذينَ بنوا طريقَهم على الزهدِ؛ لأنَّهُ أولُ بابٍ في السلوكِ، ولذلكَ قَالَ رئيسهم ورئيس أهل زمانه في العلم [29] يُمنُ بن رِزْقٍ رحمه الله: لايثبتُ لكَ قدمٌ في محجَّةِ الدينِ وفي قلبِك خوفُ الفقرِ والغنى [30] وحبُّ المنزلةِ والرياسةِ، فذلكَ مفتاحُ فقرِ [31] الأبدِ.
وفيهِ دليلٌ على جوازِ ضربِ المثلِ فيما لا يُمكِنُ السامعُ أن يعقلَه [32] حتى يُعلمَ أنَّه يعقلُه [33] منَ الأمثلةِ التي يغلب [34] على الظنِّ أنَّه يعرفها، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ [35] يَشْبَعُ) ؛ لأنَّ الغالبَ مِن الناسِ لا سيما في زماننا لايعرفونَ البركةَ إلا في الشيءِ [36] الكثيرِ، فأرادَ صلى الله عليه وسلم أن يُبيِّنَ لهم بالمثالِ الذي يعرفونَه [37] أنَّ البركةَ هي خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ ليست كما يزعمونَ، وضربَ لهم المثلَ بما يعرفُه [38] كلُّ أحدٍ، وهو أنَّه لا يقصدُ أحدٌ الأكلَ إلا مِن ن أن
أجلِ أن يشبعَ ويزولَ لهُ [39] ألمُ الجوعِ، فإذا أكلَ الأكلَ الكثيرَ ولم يشبعْ فكانَ ما أكلَهُ منَ الطعامِ مَخسورًا؛ لأنَّ [40] الفائدةَ التي مِن أجلِها استعملَ الطعامَ وهي [41] الشبعُ لم يجدْها.
فكذلكَ المالُ ليسَ الفائدةُ في عينِه وإنما يُرَادُ لِمَا يُتَوصَلُ به مِن
ج 2 ص 211
الفوائدِ، فإذا أكثرَ [42] المالَ ولم يجدْ به مِن الفوائدِ ما أرادَها فكأنْ لامالَ حاضرٌ، وذلكَ موجودٌ محسوسٌ في أبناءِ الدنيا والآخرةِ، تجدُ أبناءَ الدنيا لايقدرون [43] أن يصلوا إلى ضروراتِهم إلا بالأموالِ الكثيرةِ، فلمَّا رأوا ذلكَ لم تكن هِمَّتُهم إلا في تكثيرِ المالِ، وغابَ عنهم ماوراءَ [44] ذلكَ، وجاءَ أهلُ الآخرةِ فبلغوا تلكَ الضرورات التي لم ينالها [45] أهلُ الدنيا إلا بالأموالِ الكثيرةِ بأقلِّ الأشياءِ، وربما كانتْ أحسنَ منها، هذا موجودٌ كثيرٌ لمن تأملهُ [46] ونظرَهُ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ تقعيدَ الأحكامِ لا [47] يُقتصرُ فيها على ما يفهمُه المخاطبُ ليس إلا، بل [48] على ما يفهمُه المخاطبُ وغيرُه ممَّن هو دونَه في الفهمِ حتى لا يكونَ فيها إشكالٌ، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ صلى الله عليه وسلم للصحابيِّ رضي الله عنه: (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ) لأنَّا بالضرورةِ [49] نعلمُ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم يعلمونَ أن البركةَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللهِ كما هو الشبعُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللهِ؛ لأنَّهم قد رأَوا ذلكَ منهُ صلى الله عليه وسلم مِرارًا. ومِن بعضِهم في بعضٍ [50] على ما هوَ منقولٌ عنهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وعنهم، لكنْ ضربَ صلى الله عليه وسلم ذلك المثالَ من الشبع [51] لمَن يأتي بعدُ لزوالِ [52] الإشكالُ بتقعيدِ قاعدةٍ شرعيةٍ لا تحتملُ التأويلَ.
فانظرْ معَ هذا البيانِ التامِّ الأمرَ كيفَ هوَ اليومَ ممن يُنسَبُ إلى العلمِ في الغالبِ، فكيفَ
ج 2 ص 212
بالغيرِ؟ فقد تنكَّرَتِ [53] الطرقُ وعادَ الحقُّ في كثيرٍ من الأمورِ [54] مشكوكًا فيهِ، وبعضُه مجحودًا للعوائدِ السوءِ التي كثرت ممن لبَّسَ على الناسِ [55] أنَّهم علماءُ وصالحونَ فإنَّا لله وإنا إليه راجعونَ، ولذلكَ قَالَ صلى الله عليه وسلم: (( كيفَ بكَ ياحُذَيْفَةَ إذا تركتَ بِدْعَةً، قَالَوا: تركَ سُنَّةً؟ ) ))، فقَالَ: ما تأمرُني إن أدركنَي ذلكَ الزمانُ؟ قَالَ [56] : (( أقرضْهُم مِن عرضِك ليومِ فقرِكَ [57] ) ). معناه: افعلْ ما هو الحقُّ والسنَّةُ ودعْهم يقولونَ ماشاؤوا فإنَّكَ مأجورٌ في كونِهم يأخذونَ في عرضِك بغيرِ حقٍّ شرعيٍّ.
ثم قَالَ [58] عَلَيْهِ السَّلَامُ: (اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) ، هنا خلافٌ بينَ العلماءِ وأهلِ الصوفية [59] ، فالعلماءُ يقولونَ: اليد العليا هي المُعطيةُ والسفلى هي الآخذةُ، وأهلُ الطريقِ يقولونَ بالضدِّ: إنَّ العليا هي الآخذةُ؛ لأنَّها هي التي أعطَتكَ بالشيءِ اليسيرِ الثوابَ الكثيرَ؛ واحدةٌ بعشرةٍ وبسبعينَ وبسبعِ مائة، والسفلى هي المُعطيةُ [60] ؛ لأنَّها هي المنتظرةُ للمُجازاةِ وهي مفتقرةٌ إلى ذلكَ.
والذي يظهرُ لي والله أعلمُ أنَّ الجمعَ يقعُ بينهما [61] بوجهٍ آخرَ، وهو حسنٌ إذا تأملتَه، لا يخلو العاطي [62] أن يكونَ هو الذي يطلبُكَ لقبولِ معروفِه أو أنتَ هو [63] الذي تطلبُ [64] منهُ ذلكَ، فإنْ كنتَ أنتَ [65] الطالبَ له فيدهُ عليكَ وهي العليا، وقد حصلَ منكَ ذلُّ السؤالِ إليهِ، وقد جاءَ أنَّ الذلَّ في السؤالِ [66] ولو عن الطريقِ
ج 2 ص 213
والمُنكرُ لهذا جحدَ [67] ضرورةً [68] .
وإنْ كانَ هو الذي يطلبُكَ بمعروفِه فقد كسرَ مائيَّةَ وجهِهِ إليكَ في أمرٍ أنتَ فيهِ بالخيارِ وهو محتاجٌ إليهِ، إمَّا لزوالِ واجبٍ عليهِ أو لخيرٍ يؤمِّلُه في دنياهُ أو [69] آخرتُه فإنَّهُ لم يأتِكَ بمعروفِه كرامةً لكَ، وإنما هوَ لأمرٍ يقصدُه، في قبولِكَ [70] أنتَ إيَّاهُ معروفٌ وهوَ السائلُ فيهِ، فالحاجةُ لهُ ويدُه هي السُّفلَى ويدُ الآخذِ هي العُليا، وقد قَالَ عليٌّ رضي الله عنه: مَن دعانَا [71] إلى معروفٍ كانَ الفضلُ لهُ، فإنْ أجبناهُ كانَ الفضلُ منَّا [72] .
وبساطُ الحال [73] الذي نحنُ بسبيلِه يشهدُ لذلكَ؛ لأنَّ سيِّدنا صلى الله عليه وسلم لم يقلْ ما قَالَ وضرب هذين المثالين [74] إلا لسائلٍ لهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كرَّر سؤالَه مرارًا.
وفيهِ دليلٌ [75] لوجهٍ رابعٍ وهو أنَّه [76] جعلَهما الاثنينِ حَسَنَينِ وأحدُهما يَشرُفُ [77] على صاحبِه بزيادةٍ ما، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ: (خَيْرٌ) لأنَّهُ أدخلَهُما في بابِ (أفضلَ) ، وباب (أفضل) [78] يشهدُ بالحسنِ أو الخيرِ للمذكورينَ غيرَ أنَّ أحدَهُما [79] يكونُ إنْ فُعِلَ يكونُ خيرًا [80] مِن غيرِه كما نقولُ: زيدٌ خيرٌ مِن عَمرٍو وما نفينا الخيريَّةَ عن [81] عمرٍو بالأصالةِ، ولكنَّ زيدًا [82] أرفعُ منهُ درجةً فيها، فكذلكَ هاتان اليدانِ [83] كلاهُما حسنٌ؛ لأنهما امتدَّا [84] إلى معروفٍ وحصلت الفضيلةُ [85] بينهما بمرجِّحٍ ثانٍ: إمَّا نظرَ بعينِ الفعلِ أو بعينِ المالِ أو بعينِ القصدِ
ج 2 ص 214
أو بمجموعِهما [86] ، فمن أجلِ هذهِ التعليلاتِ أوجد [87] الخلاف.
وفيهِ دليلٌ على إرشادِ الشارعِ عليهِ السلامُ إلى الأعلى في المقاماتِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) كأنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ يقولُ: كن ممَّن يدهُ عُليا، ولا تكنْ ممَّن يدُهُ سُفلى إلا أنَّ هذا في السؤددِ [88] والمقاماتِ الدينياتِ لا في الدنيا وحطامِها [89] .
وفيهِ دليلٌ على أنَّ بيانَ العللِ بعدَ قضاءِ الحاجةِ ليسَ بمخجلٍ ولا مُفسِدٍ للمعروفِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ سيِّدَنا صلى الله عليه وسلم لم يُبيِّنْ للسائلِ ولا ضربَ له المثلَ [90] إلا بعدَ قضاءِ حاجتِه مرارًا حتى تمَّتْ أُمنيتُه، وحينئذٍ بَيَّن عَلَيْهِ السَّلَامُ لهُ [91] العللَ التي في السؤالِ.
وفيهِ مِنَ الفقهِ أنَّ [92] بعدَ قضاءِ حاجتهِ كانَ خاطرُه خاليًا مِن التشويشِ ومن التُّهمَةِ للمتكلِّمِ وأرفعَ للخجلِ، ويجتمعُ له قضاءُ حاجتِه، وفائدةٌ أُخرَى: وهو التعليمُ [93] بما لم يكنْ يعلَمُ.
وفيهِ دليلٌ على جوازِ سؤالِ الملوكِ [94] وليسَ فيهِ مذلَّةٌ، يؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ سيِّدَنا [95] صلى الله عليه وسلم لم يعرِّضْ لهُ في حقِّ سؤالِه إيَّاهُ بشيءٍ إلَّا أنهُ قَالَ لهُ قاعدةً كليَّةً، ولو كانَ في سؤالِه شئٌ ما كتمَه منهُ ولا كانَ أيضًا يُعطيهِ شيئًا حتى يبيِّنَ لهُ ما فيهِ من الكراهيةِ؛ لأنَّهُ المشرِّعُ [96] ، والبيانُ عندَ الحاجةِ إليهِ لا يجوزُ [97] تأخيرُه،
ج 2 ص 215
وكأنَّ قوةَ [98] الكلامِ يقولُ لهُ: يا حكيمُ، ليسَ الأخذُ مني مثلَ الأخذِ مِن غيري: (اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) ؛ لأنَّ يدَه صلى الله عليه وسلم هي العُليا على كلِّ الحالاتِ؛ لأنَّها لا مماثلَ لها ولا يتناولُهُ صلى الله عليه وسلم التمثيلُ في الفضيلةِ، وهذا بَيِّنٌ لاخفاءَ فيهِ ويخلفُه بالميراثِ في المنزلةِ، وإنْ كانَ ليسَ مثلُه مَن له الخلافُة بعدَه وكذلكَ مَن نابَ عنِ الخليفةِ نائبٌ بعدَ نائبٍ وإنْ بَعُدَ، أعني: إذا كانوا مِن أهلِ الفضلِ والدِّينِ [99] .
وفيهِ دليلٌ على أنَّ المطلوبَ [100] المبالغةُ في النصيحةِ والتعليمِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يقتنعْ [101] بالمثالِ الأولِ إلا حتى أكَّدَهُ بالمثالِ الثاني لكونِه فيهِ معنًى زائدٌ، وكلَّما [102] زادتْ [103] أدلةُ الحذر [104] كان أقوى في المنعِ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ [105] مِن أقوى الأسبابِ في حملِ العلمِ بمُقتضى الحكمةِ: الجِدةُ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّه صلى الله عليه وسلم لمْ يعلِّمْه حتَّى أغناهُ بتكرارِ العطاءِ ثلاثًا.
وفيهِ دليلٌ على جوازِ تكرارِ السؤالِ ثلاثًا، والرابعةُ ممنوعةٌ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّه في كلِّ مرةٍ مِن الأُولى والثانيةِ أعطاهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وسكتَ عنهُ، وفي الثالثةِ أعطاهُ وأشغلَه بإلقاءِ العلمِ عن إعادةِ السؤالِ؛ لأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم فيهم مِن الفهمِ والذكاءِ لقوةِ إيمانِهم مايزجُرُهم في الإشاراتِ أقلَّ من هذا.
وفيهِ حُجَّةٌ لأهلِ الطريقِ الذينَ يقولونَ بالزنبيل؛ لأنَّهم يقولونَ: مِن شرطِه أن لا يخرجُ لشخصٍ معيَّنٍ يقصدُه، ولا يُلحُّ في سؤالِه ولا يحلِفُ،
ج 2 ص 216
وإنما يسألُ اللهَ فإذا حملتْهُ المقاديرُ إلى بابٍ أو شخصٍ لا يتعدَّاهُ لغيرِه [106] ، ومن شرطِه أنْ لا يخرجَ إلا على حاجةٍ صادقًا لِقَولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا بأسَ أنْ يَشْكُوَ المؤمنُ حَاجَتَهُ لِأَخِيْهِ المُؤمِنِ ) ). فإذا سألَ ذلكَ الشخصُ الذي حملتْهُ القدرةُ إليهِ فإنْ أعطاهُ فحسنٌ، وإنْ حرمَه [107] فحسنٌ ثم يقصدُ ثانيًا وثالثًا، فإن حرمُوهُ الثلاثةُ [108] لا يزيدُ عليهم شيئًا ويعلم أنَّ المقصود منه الصبرُ والتسليمُ فيرجعُ إلى موضِعه ولايسألُ غير مَن ذكرَ حتى يفتحُ اللهُ لهُ أو يفعلُ [109] فيهِ ما شاءَ ..
فانظرُ اليومَ هل ترى مِنَ الطرفينِ [110] : العلمُ والحالُ، مَن هو على ما يقتضيهِ طريقُه مما استنبطَه أهلُه الموفَّقونَ [111] مِن الكتابِ والسنَّةِ كما أبديناه [112] قبلُ، وفي هذا الحديثِ طرفٌ منه؟ كلا والله تشعَّبتِ الطرقَ وقلَّ السالكونَ فإنَّا لله وإنا إليه [113] راجعون.
[1] في (ج) و (م) و (ل) : (( قوله ) )بدل قوله: (( عن حكيم بن حزام: قال ) ).
[2] زاد في (ل) : (( ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» ، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ ) ).
[3] في (ج) : (( ظاهره ) ).
[4] قوله: (( نفي البركة منه ) )ليس في (ج) و (م) .
[5] قوله: (( في المجلس الواحد ) )ليس في (ج) و (م) .
[6] قوله: (( جبلت ) )ليس في (ج) .
[7] في (ج) : (( يؤيده قوله ) )، وقوله: (( مصداقًا ) )ليس في (م) .
[8] العبارة في (ج) و (م) : (( اللهم إنَّا لانستطيع أن نحب [في(م) : (( أن لا نحب ) )] مازيَّنته لنا فاجعلنا ممن نأخذه )) .
[9] زاد في (م) و (ج) : (( أو كما قال ) ).
[10] قوله: (( وفيه دليل ) )ليس في (ج) .
[11] قوله: (( قد ) )ليس في (ل) ، و قوله: (( على أنَّه ) )ليس في (م) .
[12] في (ل) : (( سخاوة وسخاوة ) )، والعبارة في (م) : (( فمنْ أخذه بسخاوةِ نفسٍ ) )، و في (ج) : (( قوله عليه السلام من أخذه ) ).
[13] قوله: (( فقد قال صلى الله عليه وسلم ) )ليس في (م) .
[14] في (ج) و (م) و (ل) : (( النفس ) ).
[15] في (ج) و (م) : (( لقوله ) ).
[16] العبارة في (م) : (( فما يحصل له من الحطام ) ).
[17] في (ج) : (( الذين ) ).
[18] في (م) : (( تحصَّل ) ).
[19] قوله: (( في ) )ليس في (ل) ، و في (م) : (( خسارة في ) ).
[20] زاد في (ج) و (م) : (( أو كما قال ) ).
[21] قوله: (( موجودًا ) )ليس في (ج) و (م) .
[22] في (ج) : (( ويجدون القوة الكثيرة ) )، وفي (م) : (( ويجدون في القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ) ).
[23] في (ج) : (( التعب يتولد يفهم من الحسد ) )، وفي (م) : (( التعب يتولد بينهم الحسد ) ).
[24] في (ج) و (م) : (( والضغائن والغيبة والشح بمنع ) ).
[25] قوله: (( أو توفيتها ) )ليس في (ج) و (م) .
[26] في (م) : (( من ) ).
[27] في (ج) و (م) : (( يترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان أعاذنا الله منها بمنه ) ).
[28] في (ج) و (م) و (ل) : (( الصوفة ) ).
[29] قوله: (( رئيسهم ورئيس أهل زمانه في العلم ) )ليس في (ج) و (م) .
[30] في (ج) و (م) : (( مع الغنى ) ).
[31] قوله: (( فقر ) )ليس في (م) .
[32] في (ج) و (ل) : (( يفعله ) ).
[33] في (ج) : (( يعقل ) ).
[34] في (ط) : (( تغلب ) )والمثبت من (ل) .
[35] في (ج) : (( فلا ) ).
[36] في (ج) و (م) و (ل) : (( بالشيء ) ).
[37] في (ج) و (م) : (( يعرفوه ) ).
[38] في (ل) : (( يعرفونه ) ).
[39] في (ج) و (م) : (( ويزيل به ) ).
[40] قوله: (( على أنَّه ) )ليس في (م) .
[41] في (ل) : (( وهو ) ).
[42] في (ج) و (ل) : (( كثر ) ).
[43] في (ط) : (( لايقدروا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[44] صورتها في (م) : (( ما رأوا ) ).
[45] في (ج) و (م) و (ل) : (( ينلها ) ).
[46] في (ج) و (م) : (( أمَّلَّه ) ).
[47] قوله: (( لا ) )ليس في (ج) .
[48] قوله: (( بل ) )ليس في الأصل (ط) وهو مثبت من (ج) و (م) .
[49] في (م) : (( لا بالضَّرورة ) ).
[50] في (م) : (( مع بعض ) ). قوله: (( في بعض ) )ليس في (ج) .
[51] في (ج) و (م) : (( المثل ) )بدل قوله: (( ذلك المثال من الشبع ) ).
[52] في (ج) و (م) : (( ليزول ) ).
[53] في (ج) : (( تتكسر ) ).
[54] في (م) : (( النَّاس ) ).
[55] في (م) : (( العلماء ) ).
[56] في (م) : (( فقال ) ).
[57] في (ج) : (( أقرضهم ليوم فقرك ) ).
[58] في (ج) و (م) : (( وقوله ) ).
[59] في (ج) و (م) و (ل) : (( الصوفة ) ).
[60] في (ل) : (( العاطية ) ).
[61] في (م) : (( أنَّ الجمع بينهما يقع ) ).
[62] في (ج) و (م) : (( المعطي ) ).
[63] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) و (م) .
[64] في (ل) : (( يطلب ) ).
[65] قوله: (( أنت ) )ليس في (ل) .
[66] قوله: (( وقد جاء أنَّ الذُّلَّ في السؤال ) )ليس في (م) .
[67] في (ج) : (( يجحد ) ).
[68] في (م) : (( والمنكر بهذه الضرورة ) ).
[69] في (م) : (( و ) ).
[70] في (ج) و (م) : (( يقصده مما أشرنا إليه فقولك ) ).
[71] في (ل) : (( دعا ) ).
[72] في (ج) و (م) : (( من دعانا فالفضل له فإن أجبنا فالفضل لنا ) ).
[73] في (ط) : (( الحديث ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[74] قوله: (( وضرب هذين المثالين ) )ليس في (ج) و (م) .
[75] قوله: (( وفيه دليل ) )ليس في (ج) ، ومكانه بياض.
[76] في الأصل (ط) و (ل) : (( لأنه ) )، وفي (ج) : (( أن ) ).
[77] في (ج) و (م) : (( يفضل ) ).
[78] في (ط) : (( الأفضل ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[79] في الأصل (ط) و (ل) : (( أحدهم ) )، وقوله: (( يكون ) )بعدها ليس في (ج) و (م) .
[80] في (ط) : (( خير ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[81] في (ج) : (( من ) )، وفي (م) : (( الخير عن ) ).
[82] في (م) : (( زيدٌ ) ).
[83] في (ط) و (ل) : (( هاتين اليدين ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[84] في (م) : (( ابتدآ ) )، وفي (المطبوع) : (( امتدتا ) ).
[85] في (م) : (( المعرفة ) ).
[86] في (م) : (( أو بمجموعها ) ).
[87] في (ج) و (م) : (( وقع ) )، وفي (ل) : (( أوجب ) ).
[88] صورتها في الأصل (ط) و (ل) : (( السدد ) )، وقوله: (( السؤدد و ) )ليس في (ج) و (م) .
[89] في (م) : (( وفيه دليلٌ على إرشاد ... الدنيا وحطامها ) )وقع هذا الكلام مكررًا.
[90] في (ل) : (( الأمثال ) )، وفي (ج) : (( ولا حذر له القتل ) ).
[91] قوله: (( له ) )ليس في (م) .
[92] في (م) : (( من الفقه أيضًا أنَّه ) ).
[93] في (ج) : (( المتعلم ) ).
[94] في (ج) و (م) : (( سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملات ) ).
[95] زاد في (ج) : (( محمد ) ).
[96] في (ج) : (( لأن المشروع ) ).
[97] زاد في (م) : (( أيضًا ) ).
[98] في (ج) و (م) : (( بقوة ) ).
[99] قوله: (( أعنى إذا كانوا من أهل الفضل والدين ) )ليس في الأصل (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[100] زاد في (ج) : (( من ) ).
[101] في (ج) : (( يقنع ) ).
[102] في الأصل و (ل) : (( وما ) )، وفي (ج) : (( وكما ) )والمثبت من (م) .
[103] زاد في (م) : (( له ) ).
[104] في (ج) و (م) : (( التحذير ) ).
[105] قوله: (( أن ) )ليس في (ج) .
[106] في (م) : (( بغيره ) ).
[107] في (ج) : (( أحرمه ) ).
[108] في (ج) و (م) : (( حرمة الثلاث ) )، وفي (ل) : (( حرموه الثلاث ) ).
[109] في (ج) : (( ويفعل ) ).
[110] في (ل) : (( الطريقين ) ).
[111] في (م) : (( أهل الله الموفقون ) )، وفي (ج) : (( الموقوفون ) ).
[112] في (ج) : (( ابتديناه ) ).
[113] في (ط) : (( وإليه ) )والمثبت من النسخ الأخرى.