105 -قولها: (كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالْعَتَاقَةِ [1] ... ) الحديث. [خ¦2520]
ظاهر الحديث يدلُّ على الأمر بالعَتَاقة عند الخسوف [2] والكلام عليه مِن وجوه:
منها: أنَّه يعارضنا ما ثبت [3] بسُنَّته عليه السَّلام، وبقوله [4] صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهِمَا [5] فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ) )، وقد ثبَتَتْ [6] كيفيتها، وأنَّها سُنَّةٌ بإجماع، فالجواب عن [7] الحديثين ليس بينهما تعارضٌ، بدليل: أنَّ الأمرين يمكن اجتماعهما، فإذا [8] كان الحديثان يمكن اجتماعهما فلا تعارض بينهما، ويكون الجمع بينهما [9] بأن يقول [10] : إنَّ الصَّلاة لها ـــ على ذلك الوجه المشروع ـــ هي [11] السنَّة لكونها [12] يَقْدِر عليها كلُّ أحدٍ [13] ، فقير وغني، وكبير وصغير [14] ، وإنَّ العَتاقة مندوب إليها لمن قَدَر عليها.
وهل يقتصر [15] على العتاقة ليس إلَّا، أو هي [16] مِن باب التَّنبيه بالأعلى على [17] الأدنى؟ فالظاهر أنَّها مِن باب التنبيه بالأعلى على الأدنى [18] بدليل قوله جلَّ جلاله: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] .
فإذا [19] كانت مِن التَّخويف فهي داعية إلى التَّوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البرِّ، كلٌّ على قدر طاقته، ولذلك كان بعض الصَّحابة يقول: كنَّا نَعُدُّ أو نحسَب الآيات رحمةً، وأنتم تحسبونها بلاءً، والحقُّ معهم، لأنَّها إذا كانت تخويفًا فهي داعيةٌ إلى الخير، وما هو داعٍ إلى الخير فهو خير، ولقلَّة فعل الخير اليوم [20] نحسَبه بلاءً.
ومما يشبه هذا حديث [21] بعض مشايخي
ج 2 ص 411
_رحمهم الله_ قال: كنا قعودًا بين يدي الشَّيخ، إذ جاء سائلٌ فحُرِم، فرأينا وجه الشَّيخ تغيَّر، ثمَّ خرج السَّائل، ورأينا وجه الشيخ [22] سُرِّي عنه فسألناه، فقال: لمَّا سأل وحُرِم، خفت أن يكون صادقًا، فيعود علينا منه وبالٌ [23] ، فلمَّا رأيت ثيابه [24] ، رأيت في أكمامه فَضْلَة تساوي نصفَ درهمٍ، فأيقنت أنَّه غيرُ صادقٍ، فارتفع عنِّي ما كنت خفت مِن وباله، فانظر إلى صدقهم في دينهم [25] ، وتصديقهم لِمَا قيل لهم، فهؤلاء المتَّبعون للسَّلف [26] رضي الله عنهم أجمعين.
فلمَّا كان [27] أشدُّ ما يُتوقَّع مِن التَّخويف النَّارُ، جاء النَّدب بأعلى شيءٍ تُتَّقى [28] به النَّار، لأنَّه قد جاء: (( مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللهُ مِنْهُ [29] بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْه [30] مِنَ النَّارِ ) )فمَن لم يقدر على ذلك فليعمل [31] على الحديث العامِّ، وهو قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ ) )فمن لم يجد فليأخذ [32] بالحديث الآخر العام [33] ، وهو قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَصَانِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي [34] مَصَارِعَ السُّوءِ ) )فيأخذ مِن وجوه البِّر ما أمكنه، ولكن لا بدَّ مِن الصَّلاة إذ ذاك [35] على ما سُنَّت، فإنَّ السُّنَّة أرفع مِن المندوب.
وفيه دليلٌ على رحمة الله سبحانه بهذه [36] الأمَّة أنْ جعل الآيات مذكِّرة [37] لهم ومخوِّفة حتَّى ينتبه العاقل، ويرجع الآبق، ويجتهد الحاضر، ويبادر الحازم، ويرجع [38] الظَّالم، وتعمُّ النِّعمة العبيد بفضله.
وفيه دليلٌ على كثرة رحمة الله تعالى لنا [39] ، إذ جعل [40] هذا السَّيد
ج 2 ص 412
صلَّى الله عليه وسلَّم سببًا للرَّحمة، لأنَّه هو المبيِّن [41] لهذه وأمثالها [42] الموجبة للرَّحمة، لكن هنا إشارةٌ وهو قوله تعالى [43] : {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13] ، فهذه كلُّها ما يَنْتَفِع بها إلَّا مَن يُنيب، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ قد جعل على السَّعادة عَلَمًا، وعلى الشقاوة عَلمًا، فإذا أبصر الواحد [44] عَلَم الخير يفرح [45] بذلك، ولا يَغْتَرُّ ويشكر الله تعالى [46] .
وإذا رأى عَلَم الشَّقاوة أعاذنا الله منها بفضله [47] ضرع وخاف ولجأ ورغب وشكا، لعلَّه يقال: (فإنَّ الخمر مِن ساعة يعود خلًّا) ، ولذلك قيل [48] : لنفسك فانتبه وراقبها وحاسبها، وبالعذاب ذكِّرها، فإن وفَّتْ فخيرٌ ويا ليتَها، وإن عصَتْ فبالمجاهدة [49] عاقبها، والْجَأ إلى الكريم لعلَّه يعينك عليها، وغوائلَها احذرها [50] ثم احذرها.
[1] في (ج) و (م) : (( أمر النبي(عند الكسوف بالعتاقة ) )، و في (ل) : (( عند الكسوف بالعتاقة ) ).
[2] في (ج) و (م) و (ل) : (( الكسوف ) ).
[3] في (ج) : (( يثبت ) ).
[4] في (ج) : (( بقوله ) ).
[5] قوله: (( بهما ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[6] في (ل) : (( ثبت ) ).
[7] في (ج) و (م) : (( كيفيتهما وأنهما سنة مؤكدة فالجواب أن ) )وفي (ل) : (( أن ) ).
[8] في (ج) و (م) : (( وإذا ) ).
[9] قوله: (( بينهما ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى، وفي (م) : (( أن ) ).
[10] في (ج) و (ل) : (( نقول ) ).
[11] في (ج) : (( وهي ) ).
[12] في (م) : (( لأنها ) ).
[13] قوله: (( أحد ) )ليس في (ل) .
[14] قوله: (( وكبير وصغير ) )ليس في (ل) .
[15] في (ل) : (( عليها وقد يقتصر ) ).
[16] في (ل) : (( هو ) ).
[17] قوله: (( على ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[18] قوله: (( فالظاهر أنها من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى ) )زيادة من (م) على النسخ.
[19] في (م) : (( وإذا ) ).
[20] في (ط) : (( هنا ) )وفي (ل) : (( فينا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[21] في (ج) و (م) : (( وقد حدثني ) ).
[22] قوله: (( وجه الشيخ ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[23] في (م) : (( وباله ) ).
[24] في (ج) و (م) : (( ثوبه ) ).
[25] قوله: (( في دينهم ) )ليس في (م) .
[26] قوله: (( فهؤلاء المتبعون للسلف ) )ليس في (م) .
[27] قوله: (( كان ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى. وفي (ل) : (( ولما كان ) ).
[28] في (ل) : (( يتقي ) ).
[29] قوله: (( منه ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .
[30] قوله: (( منه ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[31] في (ط) و (ل) : (( يعمل ) ).
[32] في (ط) : (( يأخذ ) )وفي (ل) : (( لم يجده يأخذ ) ).
[33] زاد في (ل) : (( الفاذ ) ).
[34] في (ل) : (( وصانع المعروف يقي ) ).
[35] في (ل) : (( ذلك ) ).
[36] في (ل) : (( لهذه ) ).
[37] في (ج) : (( مدركة ) ).
[38] في (ج) و (م) و (ل) : (( ويرتجع ) ).
[39] قوله: (( لنا ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[40] في (ط) و (ل) : (( وفيه دليل على جعول هذا السيد ) ).
[41] قوله: (( جعل هذا السيد(سببًا للرحمة لأنه هو المبين ) )ليس في (ج) .
[42] في (ج) و (م) : (( لهذا وأمثاله ) ). وقوله بعدها: (( الموجبة للرحمة ) )ليس في (ج) و (م) .
[43] في (ج) : (( وقد نصَّ عز وجل على ذلك في كتابه بقوله تعالى ) ).
[44] في (ج) و (م) : (( المكلف ) ).
[45] في (ج) و (م) : (( يسرُّ ) ).
[46] زاد في (م) : (( على ذلك ) ).
[47] في (ج) : (( بكرمه ) ).
[48] في (ج) : (( وقيد ) ).
[49] في (ط) و (ل) : (( بالمجاهدة ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[50] في (ج) و (م) : (( فاحذرها ) ).