فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 363

حديث: من حلف على يمين كاذبًا ليقتطع مال رجل

…120 - قوله (1) : قال رسول الله صلعم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ (2) ... » / الحديث. [خ¦2676]

…ظاهر الحديث (3) يدلُّ على تحريم اليمين الفاجرة التي يُقطع بها مالُ المسلم، وتشديدُ الوعيد لمن حلفها ليقْطَع بها مال امرئ مسلم، ثم الكلام عليه مِن وجوه:

…الأوَّل: قوله ?: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ(4) بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) ظاهره (5) أنَّه إذا كان ذلك لقطع (6) مال امرئ كافر فهو جائزٌ، وليس كذلك؛ لأنَّ (7) أهل الذِّمة يتنزلون (8) في معاملاتهم (9) منزلة المؤمنين، فعلى هذا يحتمل أن يكون: أطلق ? (10) ذلك على المؤمنين لكونهم أغلب؛ لأنَّ أهل الذِّمة بالنسبة إلى المؤمنين قليل، ويحتمل (11) أن يكون فعلُ ذلك مع الذِّميِّ عقابه أخفَّ مِن فِعْلِه مع (12) المؤمنين، لنقص حرمة الذِّميِّ عن حرمة المسلم، ويحتمل أن يكون فِعْلُ ذلك مع الذِّميِّ أشدَّ في العقاب؛ لأنَّه جمع فيه ما جمع (13) في المسلم، وزاد عليه خفرَه للذِّمَّة (14) .

…الثَّاني: وهو يتقرَّر بسؤال وارد، وهو أن يقال: لِمَ خُصَّ فاعل هذا الذَّنب بالغضب دون غيره مِن أفعال الذُّنوب؟ لأنَّه جاء فيها مَن فَعَل كذا كان عليه (15) كذا وعوقب بكذا، كما قيل في الغادر: «يُنصب له لواء عند أُستِه بقدر غَدرته (16) ينادى عليه هذه غدرة فلان بن فلان» ، وكما قيل في آكل أموال اليتامى: يأكل نارًا، إلى غير ذلك؟

…والجواب عنه (17) : أنَّه إنَّما خصَّ صاحب هذا الفعل بالغضب، لكونه (18) ارتكب ثلاثة أشياء عظيمة محرَّمة: وهي اليمين الفاجرة وهي التي يعبِّر عنها الفقهاء (19) باليمين / الغموس، وردَّ الحقَّ باطلًا، وأخَذَ مال هذا بغير حقٍّ.

…الثَّالث: أنَّ غضب الله تعالى المذكور في الحديث ليس المراد به ما يُعهَد مِن الغضب في البشر؛ لأنَّ ذلك مستحيل في حقِّ الله تعالى، وإنَّما المراد به ما يصدُر عنه مِن شدَّة العقاب؛ لأنَّ الملِك إذا غَضب على أحد عاقبه (20) وشدَّد عليه، وكذلك أيضًا إذا رَضي عن (21) أحدٍ أحسنَ إليه، وزاد في الإحسان، والله ? مستحيل في حقِّه الصِّفة الواردة على البشر الموجبة للرضا والغضب، وهو الميل والتَّعلق والنُّفور والكراهية (22) ، ومثاله في النقيض وهو طريق الإحسان قوله ?: «يَضْحَكُ رَبُّكَ مِنْ ثَلاثٍ: القوم يَصْطَفُّونَ لِلْقِتَالِ (23) ، والقوم يَصْطَفُّونَ (24) للصَّلاةِ، والرجل يقومُ في جَوْفِ الليلِ» .

…والمراد بالضحك هنا كثرة الثَّواب لهم والإحسان إليهم.

…الرَّابع: إنَّ الغضب لا يتعلَّق إلَّا بمجموع الأوصاف المتقدِّم ذكرها، فإذا لم يبلغها كان عقابه غير الغضب، وكذلك أيضًا (25) إذا كان الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته؛ لأنَّ ذلك ليس بيمين شرعيٍّ، وإنَّما سمَّاه (26) الفقهاء يمينًا مجازًا (27) ، ومثاله مَن حلف بالطَّلاق أو العِتاق أو المشي أو غير ذلك، فحاصله أنَّه علَّق فعله بشرط، فإذا (28) وقع الشرط منهم (29) وقع المشروط وبالله التوفيق.

[1] في (م) : (( عن عبد الله قال ) ).

[2] قوله: (( لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) )زيادة من (م) على النسخ. و قوله بعدها: (( الحديث ) )ليس في (م) .

[3] العبارة في (ل) : (( المفضال الجواد وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبه وسلم تسليما قوله قال صلعم من حلف على يمين وهو فيها فاجر الحديث ظاهر الحديث ) ).

[4] في (ط) و (م) و (ل) : (( ليقطع ) )والمثبت من (ج) .

[5] في (ج) : (( ظاهر ) ).

[6] في (ل) : (( القطع ) ).

[7] قوله: (( ذلك لقطع مال امرئ كافر فهو جائزٌ، وليس كذلك، لأنَّ ) )ليس في (م) .

[8] في (م) : (( يتناولون ) ).

[9] في (ج) و (م) : (( معاملتهم ) ).

[10] في (م) : (( فعلى هذا يكون ? أطلق ) ).

[11] في (م) : (( ومحتمل ) ).

[12] في (م) : (( على ) )، وبعدها في (ل) : (( الذمي ) ).

[13] قوله: (( جمع ) )ليس في (م) ، وفي (ط) : (( أجمع فيه ما أجمع ) )وفي (ل) : (( لأنه أجمع فيه ما اجتمع ) )والمثبت من (ج) .

[14] في (ج) : (( الذمي ) )، وفي (م) : (( حقره الذمة ) ).

[15] في (ل) : (( له ) ).

[16] في (ج) : (( غدره ) ).

[17] قوله: (( عنه ) )ليس في (ج) .

[18] في (ل) : (( لأنه ) ).

[19] في (ط) و (ل) : (( يعبرون عنها الفقهاء ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[20] في (ج) تصحيفًا: (( على قبة ) ).

[21] في (ط) : (( على ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[22] في (م) : (( والكراهة ) ).

[23] في (ل) : (( للحرب ) ).

[24] في (ج) في الموضعين: (( يصفون ) ).

[25] قوله: (( أيضًا ) )ليس في (م) .

[26] في (ط) و (ل) : (( سموه ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[27] زاد في (م) : (( له ) ).

[28] في (م) : (( إذا ) ).

[29] قوله: (( منهم ) )زيادة من (ج) على النسخ.

ــــــــــــــــــ

حديث: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم

…121 - قوله (1) : عَنِ النبيِّ (2) صلعم: (لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ...(3 ) ) الحديث (4) . [خ¦4485]

…ظاهرُ الحديثِ يدلُّ على مَنْعِ تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم، ثمَّ الكلام عليه مِن / وجوه:

…الأوَّل (5) : هل النهي عامٌّ في كلِّ ما يدَّعونه في كتبهم وغيرها مِن الشَّهادات، أو هل (6) هو خاصٌّ بما يدَّعونه في كتبهم (7) لا غير؟

…يحتمل الوجهين معًا، لكنَّ تمام الحديث يقتضي أنَّ المراد به (8) ما يدَّعونه في كتبهم؛ لأنَّه ? قال بعد النهي: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (9) } [العنكبوت:46] ، يعني به: التوراة (10) والإنجيل؛ لأنَّه قد صحَّ بأخبار القرآن أنَّ الكتابين التَّوراة والإنجيل أُنزلا (11) عليهم، وأنَّهم قد غيَّروا فيهما (12) وبدَّلوا، فإذا قرأوا شيئًا وادَّعوا أنَّه مِن التَّوراة أو الإنجيل (13) ، احتُمل أن يكون ذلك حقًّا، لأنَّهم لم يبدِّلوا الكتاب كلَّه وإنَّما بدَّلوا بعضه، واحتُمل أن يكون ذلك مما بدَّلوه وغيَّروه، فلمَّا أن احتُمل الوجهين معًا، مَنع ? التَّصديق لهم حذرًا مِن أن يُنسب لله (14) تعالى ما لم يقُلْه، ومنع التَّكذيب حذرًا مِن أن يُكذَّب بكلام الله تعالى إذا كان ما قالوه حقًّا.

…وبه يستدلُّ مالك ? على القول بسدِّ الذَّريعة، وقد منع الفقهاء تصديقهم مرَّةً واحدةً كان ذلك في كتبهم أو غيرها، مع أنَّ الحديث قد لا يخلو مِن الإشارة إلى ذلك.

…ووجه المنع مِن تصديقهم في كلِّ ما يأتون (15) به: أنَّه لَمَّا أن أخلُّوا بالأصل وهو دينهم وكتابهم (16) الذي أُنزل عليهم فكَذَّبوا فيه وخالفوا الحقَّ، فكيف يُصدَّقون في غيره؟!

…فإن (17) حملنا الحديث على العموم مِن غير تقييدٍ على ما ذهب إليه بعض الفقهاء فلا / بحث (18) ، وإن حملناه على الخصوص لقوله ?: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (19) } [العنكبوت:46] كان البحث (20) ما ذكرناه، فحصل مِن كِلَا الوجهين العموم لعدم (21) صدقهم على الإطلاق، وهذا هو الحكم (22) وعليه عَمَلُ السَّلف، وقد جاء اليوم بعض النَّاس فاتخذوهم أصدقاء وكلَّفوهم الأشغال وائتمنوهم عليها، فإنا (23) لله وإنا إليه راجعون في الأخذ بضدِّ هذا الأمر الجليِّ!

…ويُستنبط (24) مِن الحديث مِن الحكم أنَّ النهي إنَّما هو (25) خشية الكفر الصُّراح، فنتبع (26) هذا الأصل فمتى وجدنا نسبة منه تعلَّق الأمر عليه لقوله ?: «الشِّرْكُ فِي أُمَّتِي أَخْفَى مِنْ دَبِيْبِ النَّمْلِ» ولقوله تعالى في الشَّهادة: {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2] ، والعدل: (27) مَن تخلَّص من شوائب الكفر، لأنَّ المعاصي مِن أجزاء الكفر؛ لكنَّ الفرق بينهما أنَّ نفس الكفر يخرج عن دائرة الإسلام، والمعاصي تخرج عن كمال الإيمان، يشهد لذلك قوله ?: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولَا يَخْتَلِسُ الخُلْسَةَ حِيْنَ يَخْتَلِسَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (28) » ، ومعناه: أنَّه لا يكون في تلك الحالة كامل الإيمان؛ لأنَّ الإيمان يُنافي ما يفعله، وهو مع ذلك مُقرٌّ بالشَّهادة.

…فكذلك (29) أيضًا البدع مِن ذلك القبيل إذا كانت غير مستحسنة أو غيرها (30) ، وبعضها أشدُّ مِن بعض، يشهد لِمَا ذكرناه قولُه ?: «افترقَ (31) بَنُو إسرائيلَ عَلَى اثْنَيْنِ (32) وسبعينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً كلُّها في النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» قيل: يا رسول الله وما هي الواحدة؟ قال: (33) / «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» . أو كما قال ? (34) ، فما أوجب النَّار لمن تقدَّم ذكرهم إلَّا تلك الشَّوائب التي عندهم من الكفر (35) وكذلك هؤلاء؛ لأنَّهم لا يخلون مِن الشَّوائب، ولأجل تخلُّص هذه الطَّائفة المذكورة في الحديث من الشَّوائب، كانوا مع النَّبي صلعم في الجنَّة.

…فعلى هذا ينبغي (36) لمن لم يكن له علم يَعرِف (37) صدق أهل هذا الزَّمان مِن كذبهم، أن يجتنبهم مرَّةً واحدةً إلَّا أن يوقعه الله ? على رجل مِن أهل العلم عاملًا (38) بعلمه تابعًا (39) للسُّنة فيه، فيجب عليه أن يسند ظهره إليه، ويمتثل أمره فيما يشير به عليه، ويأخذه (40) بكلتا يديه ويشدُّ عليه لأنَّ مثل هذا اليوم نادرٌ وجوده.

…والأصل الحذر مِن الوقوع في مخالطة مَن تقدَّم ذِكرُهم، وقليل مَن (41) يَسلَم منهم، لسُرعة سَرَيان سُمِّهم لمُخالطهم (42) ، اللهُمَّ إلَّا مَنْ مَنَّ الله عليه بالتَّوفيق، يُؤيِّد ما قرَّرناه قولُه ?: «يأتي في (43) آخِرِ الزَّمَانِ قومٌ يُحَدِّثُونَكُمْ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا (44) أَنْتُم وَلَا آباؤكم، فَخُذُوا مَا تَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا تُنْكِرُونَ (45) » .

…فعلى هذا فلا يُقتصر بالحديث على (46) ما ذكرناه لا غير، إذ المعنى فيه ما قد ذكرناه وما هو آكد عليك وخاصٌّ بك (47) ، وذلك موجود في المرء نفسه، بل ما في نفسه أشدُّ عليه مما قد تقدَّم، لأنَّه مع أولئك يكفيه (48) الانعزال عنهم ويسلَم منهم، وليس له قدرة (49) أن ينعزل عن نفسه إلَّا بمجاهدة وحضور في كل أنفاسه وقوة مِن الله وتأييد، فيكون حاضرًا غائبًا / حيًا ميتًا، فيجمع (50) بين الأضداد، ويا ليت بعد هذا السَّلامة والخلاص، وإن لم يكن على هذا الأسلوب وإلَّا فقد هلك.

…بيان ذلك أنَّه قد اجتمع عليه في نفسه ثلاثة أشياء، وهي موبقة مهلكة إن وقعت الطاعة (51) إليها، وهي: النَّفس، والهوى، والشيطان.

…فالنفس: قد قال تعالى في حقِّها: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53] .

…والهوى: قد قال تعالى في حقِّه: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف:176] ، وتسويل الهوى وتسويل النَّفس قريب من قريب.

…والشَّيطان: قال تعالى (52) في حقِّه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر:6] ، فإن لم يكن المرء حاضرًا في كلِّ أنفاسه، وله تمييز بوقوع ما يأتيه مِن هذه الخواطر، وإلَّا فقد دخل في عموم الحديث الذي نحن بسبيله، فيصدِّق باطلًا ويكذِّب حقًّا (53) .

…ولأجل الجهل بهذه (54) الخواطر وقع كثير مِن المدَّعين بأنَّهم (55) مِن أرباب القلوب، فكل ما يخبرون به باطلٌ؛ لأنَّ له هذه الثَّلاث خواطر وله اثنان آخران، وهما ما يكون مِن قِبَل الله ? أو الملَك، فالذي مِن قِبَل الله ? (56) هو في سرعة وقوعه مثل البرق ثم بعده في الحين (57) مِن غير مهلة خاطر النَّفس، فما يمر ذاك (58) إلَّا وهذا قد استقرَّ في المحلِّ، فمن لم يكن (59) له معرفة بهذا الأمر وإلَّا فقد ضلَّ بالضَّرورة، وكان مِن الذين يحسَبون أنَّهم يُحسنون صُنعًا، وهم على غير شيء.

…ولهذا كثير منهم يقولون: قيل لي، وقلت، وخطر لي، ووقع لي، وكل (60) ذلك باطل، وإنَّما الواقع له أحد الثَّلاثة (61) التي قدَّمنا / ذكرها، وإن خرج في بعض المرار شيء (62) بحسب ما قال، فذلك بالوفاق، وأمَّا بالحقيقة فلا، كل ذلك سببه (63) الجهل بالتفرقة بين ما قد ذكرنا (64) .

…فالحاصل مِن حاله أنَّه داخلٌ في عموم الحديث يكذِّب حقًّا ويصدِّق باطلًا، لكن نحتاج هنا إلى بيان هذه الخواطر وما هو الحكم فيها لأرباب القلوب، وما هو الحكم فيها لغيرهم.

…فحكم مَن كان مِن أرباب القلوب أن (65) ينظر فيما يقع له مِن الخواطر مِن أيِّ جهة يقع (66) ؛ لأنَّ القلب له بابان: باب للفؤاد (67) ، وباب في وسط القلب يتلقَّى الغيوب مِن الربِّ، فالخاطر الربَّانيُّ يأتي (68) مِن ذلك الباب الذي له على الصفة التي قدَّمنا ذِكرها، ثمَّ يستقرُّ بموضعه خاطر النَّفس والهوى.

…فيحتاج صاحب هذا الحال الحضورَ الكليَّ حتَّى يعلم الخاطر الأوَّل، وما استقر بعده في المحلِّ، ولأجل التَّحقُّق بهذين (69) الخاطرين ومعرفتهما وكيفيتهما، كان كثيرٌ ممن مَنَّ الله عليهم بذلك لا يقولون شيئًا ولا يُسألون عن (70) شيء فيجيبون عليه إلَّا (71) ويخرج في الوجود كذلك لا زيادة فيه ولا نقصان؛ لأنَّهم يعملون على الخاطر الربَّانيِّ بالحقيقة، وما كان مِن الله فوقوعه لا شكَّ فيه.

…هذا هو حكم هذه الخواطر الثَلاث (72) .

…وأما ما كان مِن قِبَل الملَك، فوقوعه مِن ناحية يمين القلب (73) .

…وأمَّا ما كان مِن قِبل الشَّيطان، فوقوعه (74) مِن جهة الأيسر.

…هذا هو حكم أرباب القلوب (75) .

…وأمَّا غيرهم (76) ، فحكمه في ذلك أن ينظر ما هو السَّبب الذي مِن أجله وقع له / ما وقع، ثمَّ لا يخلو الواقع أن يكون (77) طاعة مطلقة أو معصية مطلقة، فالطَّاعة كلُّها مِن إلهام الله ? أو الملَك، والمعصية كلُّها مِن الشَّيطان والنَّفس، وإن كانت بعض الطَّاعات فيها اشتباه هل هي مِن الله ?، أو مِن الملَك، أو مِن النَّفس، أو مِن الشَّيطان، فإذا وقع هذا الشَّبه فليوقع بإزائه تمحيصَ ذلك الواقع على لسان العلم وتخليصه مِن الشَّوائب المتعلِّقة به.

…فما كان مِنَ الله أو مِنَ الملك فهو مِنْ قَبيل أفعال البرِّ على الإطلاق لا يتعلق به شبيه (78) ، وإن كان مِن النَّفس والشَّيطان (79) فلابدَّ مِن الشبه (80) تظهر عند تمحيصه (81) بلسان العلم؛ لأنَّهما لا يأمران بذلك إلَّا لمكرٍ خفيٍّ منهما لا يقدران أن يتوصَّلا إلى ما أرادا إلَّا بواسطة هذه الطَّاعة.

…مثال ذلك في الشَّيطان: أنَّه يأتي أوَّلًا مِنْ قِبل المعاصي فلا (82) يقدر على صاحبه بشيء (83) ، فيأتيه مِن قبل التَّرغيب في العبادة والتبتُّل والانقطاع، وليس مقصوده مِن (84) ذلك إلَّا لعلَّة، وهي أن يُكثر من المجاهدة (85) ، فتحصل له السَّآمة، فعند حصول السَّآمة يأتيه (86) ، فيعرض (87) له بالشَّهوات التي كان (88) يألف، فيردُّه إليها، فيرجع حاله أسوأ (89) مما كان أوَّلًا، لتركه (90) العبادة والقنط مِن رحمة الله والأخذ في الشَّهوات.

…ومثال ذلك في النَّفس: ما حُكي عن بعض الفضلاء أنَّه كان في تعبُّدٍ وخيرٍ ثمَّ وقع له أن يخرج إلى الجهاد، فبقي متحيِّرًا في أمره، مِن كون أنَّ الجهاد مِن أفعال البرِّ، والنَّفس هي الآمرة بذلك ومحال في حقِّها أن (91) تطلب الخير أو تريده، / فبقي متَّهمًا لها فيما أمرت به، فمُنَّ عليه باللجأ إلى الله تعالى أن يطلعه على خبيئة أمرها، فنام فإذا بقائل يقول له: قد سَئِمتْ مِن كثرة المجاهدة مِن الصِّيام والقيام ويَئِستْ (92) مِن أن تستريح منه، فأرادت أن تموت في الجهاد (93) لكي تستريح مما هي فيه (94) ويحصل لها الثناء بعد الموت، ثمَّ أفاق مِن نومه فآلى على نفسه أن لا يزول عن (95) حاله أو يزيد عليه حتَّى يموت على ما هو بسبيله، فانظر شدَّة خبثها ودِقَّته (96) وخفائه، حتَّى إنَّها رَضِيَتْ بالثَّناء بعد الموت ولا فائدة لها فيه، وقليل مَن يتفطَّن إلى هذا (97) النَّظر الدَّقيق إلَّا مَن مُنَّ (98) عليه بالتَّوفيق.

…ولأجل ما فيها مِن هذا الخبث العظيم، لم يكن لأهل الصُّوفية (99) في ابتداء أمرهم شغل ولا نظر غير العمل على (100) قتلها وترك النَّظر إليها، ثمَّ بعد قتلها وهو المعبَّر عنه بمخالفتها في كلِّ ما تريده، لم يطمئنوا إليها وهم حذرون منها متحرِّزون في كلِّ أنفاسهم، حتَّى لقد حُكي عن بعض فضلائهم (101) أنه قال: رأيت فيما يرى النَّائم ملائكة نزلت من السَّماء، يخيِّرون كلَّ شخص ويعطونه (102) ما يريد، ثمَّ أتوا (103) إليَّ، فخيَّروني فاخترت قتل نفسي، فجيء بها في صورة، فقطعوا رأسها، فقالت: بقيت مني الجثَّة، فقطَّعوها قطعًا قطعًا (104) ، فقالت: بقي مني البعض (105) فأنا أعمل على البعض (106) الذي بقي لكي أزيله.

…فانظر (107) بعدما فُعل بها هذا الفعل، لم يطمئنَّ إليها وأخذ في مجاهدتها، هذا هو حكم أرباب (108) / القلوب في خواطرهم، فَحْسُبك الفحصُ عمَّا يخصُّك، وهو آكد ممَّا يعم (109) .

…وإنَّما احتجنا إلى ذكر هذه الخواطر وحكمها وما العمل فيها، لكون أنَّ الحديث يتناولها بالمعنى الذي ذكرناه، وهو التَّصديق بالباطل والتَّكذيب بالحقِّ، وذلك موجود في الخواطر لاشكَّ فيه بل هو آكد، لأنَّه مما يخصُّ وغيره على العموم، والله المستعان.

[1] في (م) : (( عن أبي هريرة ) ).

[2] في (ج) : (( رسول الله ) ).

[3] زاد في (م) : (( وَقُولُوا: {آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [آل عمران: 199] الآيَةَ ) ).

[4] قوله: (( الحديث ) )ليس في (م) .

[5] قوله: (( الأول ) )ليس في (ل) .

[6] قوله: (( هل ) )ليس في (م) و (ل) .

[7] زاد في (م) : (( وغيرها من الشهادات أو هو خاص بما يدعونه في كتبهم ) ).

[8] قوله: (( به ) )ليس في (م) .

[9] في (ط) : (( وقولوا آمنا بالله وما أنزل إليكم ) )، وفي (ج) و (م) : (( وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ) ).

[10] في (ج) : (( يعني بالتوراة ) )، وفي (م) : (( يعني التوراة ) )والعبارة في (ل) : (( وقولوا أمنا بالله وما أنزل يعني به التوراة ) ).

[11] في (م) : (( نزلا ) ).

[12] في (م) : (( فيها ) ).

[13] في (م) : (( والإنجيل ) ).

[14] في (م) : (( إلى الله ) ).

[15] في (ل) : (( ما يأتوا ) ).

[16] في (م) : (( وبكتابهم ) ).

[17] في (م) : (( وإن ) ).

[18] في (ل) : (( فلا يجب ) ).

[19] في (ج) : (( وقولوا آمنا بالله وما أنزل إليكم ) )، وفي (م) : (( وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ) ).

[20] في (ل) : (( وقولوا أمنا بالله وما أنزل كان البحث ) ).

[21] في (م) : (( لعموم ) ).

[22] في (م) : (( الحق ) ).

[23] في (م) : (( إنا ) ).

[24] في (م) : (( وليستنبط ) ).

[25] قوله: (( هو ) )ليس في (م) .

[26] في (ج) و (م) : (( فنتتبع ) )وفي (ل) : (( فيتبع ) ).

[27] زاد في (م) : (( هو ) )، وفي (ل) : (( العدل هو ) ).

[28] قوله: (( ولَا يَخْتَلِسُ الخُلْسَةَ حِيْنَ يَخْتَلِسَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) )ليس في (م) .

[29] في (ج) و (م) و (ل) : (( وكذلك ) ).

[30] قوله: (( أو غيرها ) )ليس في (ج) و (م) العبارة في (ل) : (( من ذلك القبيل كانت مستحسنة أو غيرها ) ).

[31] في (ج) و (م) و (ل) : (( افترقت ) ).

[32] في (م) : (( اثنتي ) )وفي (ل) : (( اثني ) ).

[33] قوله: (( قيل يا رسول الله وماهي الواحدة قال ) )ليس في (ل) .

[34] في (ج) و (م) : (( قال أو كما قال ?: ما أنا عليه وأصحابي ) )وقوله: (( أو كما قال ? ) )ليس في (ل) .

[35] قوله: (( من الكفر ) )ليس في (ج) و (م) .

[36] في (ل) : (( فينبغي ) ).

[37] في (ل) : (( لهم علم بما يعرف ) ).

[38] في (ج) و (م) : (( عامل ) ).

[39] في (ج) و (م) : (( من تابع ) )لكن في (م) بدون (( من ) ).

[40] في (م) : (( ويأخذ ) ).

[41] في (م) : (( ممن ) ).

[42] في (ط) : (( لمخالطتهم ) )، وفي (م) : (( ومن سرعة سمهم لمخاطبتهم ) )وفي (ل) : (( لمخالطيهم ) )والمثبت من (ج) .

[43] قوله: (( في ) )ليس في (ج) .

[44] في (ج) و (م) : (( بما لا تعرفون ) )وفي (ل) : (( يسمعوا ) ).

[45] في (ط) و (ل) : (( فخذوا ما تعرفوا ودعوا ما تنكروا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[46] في (ل) : (( فلا تقتصر بالحديث إلا على ) ).

[47] في (ط) : (( وخاصًا بك ) )والمثبت من (ل) . وفي (ج) : (( وما هو آكد عليك وخصوصًا بك، فعلى هذا يُقتصر بالحديث على ما ذكرناه لا غير، إذ المعنى فيه ما قد ذكرناه أو كما قال ? ) )، وفي (م) : (( وما هو آكد عليك وخصوصًا بك، فعلى هذا فلا يُقتصر بالحديث على ما ذكرناه لا غير، إذ المعنى فيه ما قد ذكرناه ) ).

[48] في (ج) : (( أولائك بكيفية ) )، وفي (م) : (( أولائك يكفيه ) ).

[49] في (م) : (( القدرة ) ).

[50] في (ج) : (( فجمع ) ).

[51] في (ج) و (م) : (( وقع الطوع ) ).

[52] في (م) : (( قال الله تعالى ) ).

[53] في (ط) و (ل) : (( فيصدق ويكذب حقا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[54] في (م) : (( ولأجل هذا الجهل من هذا ) ).

[55] في (ل) : (( أنهم ) ).

[56] قوله: (( أو الملَك، فالذي من قِبل الله ? ) )ليس في (م) .

[57] صورتها في (ل) : (( في الخير ) ).

[58] في (ج) و (م) : (( ذلك ) ).

[59] في (م) : (( تكن ) ).

[60] قوله: (( كل ) )ليس في (م) .

[61] في (ط) و (ل) : (( الثلاث ) )والمثبت من (م) و (ج) ، وبعدها في (م) : (( الذي ) ).

[62] قوله: (( شيء ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.

[63] في (م) : (( يشبه ) )وفي (ل) : (( شبه ) ).

[64] في (ج) و (م) : (( ذكرناه ) ).

[65] في (ج) : (( بأن ) )، قوله: (( أن ) )ليس في (م) .

[66] في (م) و (ل) : (( تقع ) ).

[67] في (ج) : (( في الفؤاد ) )، وفي (م) : (( بابان للفؤاد ) ).

[68] قوله: (( يأتي ) )ليس في (م) .

[69] في (م) : (( التحقيق في هذين ) ).

[70] في (ط) : (( على ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[71] في (م) : (( وإلا ) ).

[72] في (م) : (( الثلاثة ) ).

[73] قوله: (( وأما ما كان من قبل الملك فوقوعه من ناحية يمين القلب ) )زيادة من (م) على النسخ.

[74] في (م) : (( وقوعه ) ).

[75] في (ج) : (( الظنون ) ).

[76] في (م) : (( وأما حكم غير هذه ) ).

[77] في (ل) : (( تكون ) ).

[78] في (ج) : (( وشبهه ) )، وفي (م) : (( شبه ) ).

[79] في (م) : (( أو الشيطان ) ).

[80] في (ط) : (( الشبيبه ) )، وفي (م) : (( الشبيه ) )، وبعدها في (ل) : (( يظهر ) ).

[81] في (م) : (( تمحضه ) ).

[82] في (م) : (( ولا ) ).

[83] قوله: (( بشيء ) )ليس في (م) .

[84] في (م) و (ل) : (( في ) ).

[85] في (ج) و (م) : (( يكثر منها ) ).

[86] في (م) : (( فيأتيه ) ).

[87] في (ل) : (( فتحصل له السآمة بالله فتعرض ) ).

[88] في (م) : (( كانت ) ).

[89] في (ط) : (( أبخس ) )وقوله: (( أسوأ ) )في (ل) ليست واضحة، و بعدها في (ل) : (( ما ) ).

[90] في (ج) و (م) : (( لترك ) ).

[91] في (ج) : (( أو ) ).

[92] في (ل) : (( فيئست ) )، و قوله بعدها: (( من ) )ليس في (ل) و (م) و (ج) .

[93] قوله: (( في الجهاد ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[94] العبارة في (ل) : (( أن تموت فتستريح مما فيه ) ).

[95] في (م) : (( على ) )، وفي (ل) : (( على نفسه ألا يزال على ) ).

[96] في (ج) : (( ودقها ) ).

[97] في (ل) : (( يتفطن لهذا ) ).

[98] في (ج) : (( منَّ الله ) ).

[99] في (ل) : (( الصوفة ) ).

[100] زاد في (ل) : (( ما ) ).

[101] في (ج) : (( فضلائهم بعض ) ).

[102] في (ج) : (( يخبرون كل شخص ويعظونه ) ).

[103] في (م) : (( ما يريده فأتوا ) ).

[104] قوله: (( قطعا ) )ليس مكررًا في (ل) .

[105] في (ج) و (ل) : (( البَضع ) ).

[106] في (ط) و (ل) : (( البَضع ) ). والمثبت من النسخ الأخرى.

[107] زاد في (م) : (( إلى ما ) ).

[108] في (م) و (ل) : (( غير أرباب ) ).

[109] في (ج) : (( وهو آكل مما يطعم ) )، وفي (م) : (( آكد مما يعلم ) ).

ـــــــــــــــــــ

حديث: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس

122 -قولها [1] : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي [2] يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا [3] ) )الحديث. [خ¦2692]

ظاهر الحديث يدلُّ على جواز تعمُّد الكذب، إذا كان مآله إلى الخير [4] .

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَيَنْمِي [5] خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) معناه: أن تكون نفسُ الكِذْبة لفظَ (خير) أو تكون تلك الكذبة تَنمي [6] إلى خير، لكن يعارض هذا رؤيا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في منامه [7] للكذَّاب، وهو يعذَّب بالكَلُّوب مِن الحديد على ما ذكر في الحديث أول كتاب، والجمع بينهما والله أعلم هو أنَّ العذاب على الكذب [8] عامٌّ فيه كلُّه [9] ، وما جاء في غيره فهو تخصيص [10] للعامِّ مثل هذا الحديث [11] الذي نحن بسبيله وغيره مما نص عليه [12] ، لكن نحتاج هنا [13] إلى تقسيم الكذب مِن حيث هو كذب، وبيان كل قسم منه وما الحكم [14] فيه؟ وذلك أنَّ الكذب على خمسة أقسام: فكذبٌ واجبٌ، وآخرُ مندوبٌ، والثَّالثُ مباحٌ، والرَّابعُ مكروهٌ، والخامسُ حرامٌ.

فأمَّا الواجبُ:

ج 2 ص 546

فهو [15] مثل ما إذا علمت مستقرَّ شخص، وسألك عنه مَن يريد قتله ظلمًا وعدوانًا، وعلمت ذلك [16] بيقين، فيتعيَّن عليك الكذب إذ ذاك، وليس [17] بكذب شرعًا، وإنَّما هو [18] كذب لغة على ما نقله الفقهاء. وأمَّا المندوبُ: فهو مثل الكذب في الحرب، لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( الحَرْبُ خَدْعَةٌ ) )، وهو مِن شيم الأبطال والشجعان [19] ، وكذلك كلُّ كذب يَنْمي إلى خير، وهذا القسم هو [20] الذي يتناوله الحديث الذي نحن بسبيله، لأنَّ الخير مندوب إليه ابتداء وما آل إليه فهو مثله ما لم يخالطه شيءٌ فهو [21] ممنوعٌ شرعًا.

وأمَّا المباحُ: فهو [22] مَن يعلم شيئًا، ثمَّ يُحدِّث ضدَّه [23] ناسيًا أو مخطئًا، لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ ) ).

وأمَّا المكروهُ: فهو مثل كذب الرَّجل لامرأته، لِمَا جاء في الحديث أنَّ رجلًا سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أأكذب لامرأتي [24] ؟ فقال: (( لا ) )فقال: أَعِدْها؟ فقال: (( نعم ) )، ولأنَّ القصد بالكذب لها صلاح خاطرها، وذلك يحصل بالوعد ولا حاجة للكذب والوعد ليس مِن شرطه وقوع الكذب [25] ، لأنَّه محتملٌ أن يموت هو أو تموت هي أو يقعَ الفراق أو يفتح الله عليه فيفي بوعده لها.

وباقي الكذب على عموم حديث الكلُّوب المعارض لِمَا نحن بسبيله، وقد جاء في الحديث (أنَّ الرَّجل إذا انفلتت منه دابَّته، فأراها المخلاة فتظنُّ أنَّ فيها العلف فتأتي فلا [26] تجد شيئًا، أنَّها تسمى كِذبة [27] يحاسب المرء عليها) ،

ج 2 ص 547

هذا [28] مع أنَّ الشَّارع عليه السَّلام قد نهى عن إضاعةِ المال، وتركُ الدَّابة مهملة موجب [29] لإضاعتها [30] ، فناهيك به في غيرها.

ولأهل الصُّوفية [31] في الحديث دليلٌ لِمَا يفعلونه مِن المكر [32] بنفوسهم، فيوعدونها [33] ببعض شهواتها لكي تبلغهم ما يريدونه [34] مِن أفعال الطَّاعات، ثم بعد تبليغها لهم ما أرادوه لا يوفون [35] لها بما اشتهت عليهم إلَّا أن يأتيهم مِن غير تسبُّب فيه ولا عمل عليه، لأنَّ القاعدة عندهم ترك الشهوات، حتَّى لقد حكي عن بعض فضلائهم أنه: اشتهى شهوة مِن الشهوات [36] فكلَّف نفسَه أنواعًا مِن العبادات ونذَر لها أنَّها [37] إن فعلت ذلك أنالها [38] ما أرادت، ففعلت ما كلفها واجتهدت في خلاصه [39] ثم لَمَّا أن فرغت منه كلَّفها بشيء آخر، ثمَّ كذلك، ثمَّ كذلك [40] حتَّى سئمت النفس بالكلية فعاهدها أنَّها إن فعلت كذا وكذا مِن أفعال البر ليأتينَّها [41] بما أرادت على كل حال.

فلمَّا أن رأت منه العهد قوي رجاؤها في [42] الوفاء، فاجتهدت فيما كلَّفها مِن الطاعات [43] حتَّى أتَمَّتْها على ما شرط عليها، ثم بقي بعد ذلك مترددًا لا يدري ما يفعل في أمره فلم يقدر أن يُنيلَها شهوتَها فتغلبه بعد سنين في مجاهداتها [44] ولم يقدر أن يتركها كذلك لئلا تسأم وتكسل عن التعبد، فبينا [45] هو كذلك متردِّد في أمره لا يدري ما يفعل فإذا بأخٍ له يستأذن عليه فأذن له بالدخول

ج 2 ص 548

فإذا هو بتلك الشهوة على المراد فسأله عن ذلك فقال: اشتريته لآكله ثم جئت به إلى البيت فنمت وتركته فرأيت النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام [46] يقول لي: اذهبْ [47] بذلكَ الطعام إلى أخيك فلان فكله معه.

فانظر كيف كان حالهم في شهوة واحدة أفضت بهم [48] إلى هذا الخير العظيم، فكيف بهم أن لو عددت عليهم الشهوات لكانوا يقتلونها [49] في أنواع التعبُّدات وهي لم تصل بعد إلى طرف مِن مرغوبها؟ فالوعد للنفس بمرغوبها كالوعد للزوجة بذلك سواء، لأن المقصود صلاحهما [50] ولأجل تقعيد حالهم على هذا الأسلوب كانت نفوسهم أبدًا لا تشتهي شيئًا حذرًا منها مِن إدخال المشاقِّ عليها، لأنَّها لا تطلب إلا الراحة في وقتها [51] وإن وقعت منهم [52] شهوة فنادر، حتَّى [53] إنَّ مَن وقع له منهم شهوة تسطر في الكتب [54] لندورها، فانظر الكذب للنفس ما أنمى مِن الخير وما أظهر ولو لم يكن فيه إلا أنَّها ترتدع عن الشهوات لكان ذلك كافيًا، لأنَّ ترك الشهوات هو المعبَّر عنه بقرع الباب والله المستعان.

ج 2 ص 549

[1] في (م) : (( عن أم كلثوم بنت عقبة أنها ) ).

[2] في (ج) و (م) و (ل) : (( بالذي ) ).

[3] قوله: (( فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ) )زيادة من (م) على النسخ، و قوله بعدها: (( الحديث ) )ليس في (م) .

[4] في (م) : (( كان حاله خير ) )، وفي (ل) : (( خير ) ).

[5] في (ج) و (م) و (ل) : (( ينمي ) ).

[6] في (ج) : (( ينمي ) ).

[7] قوله: (( في منامه ) )ليس في (م) .

[8] في (م) : (( الكذاب ) ).

[9] قوله: (( كله ) )ليس في (ج) .

[10] في (م) : (( جاء في الغير تخصيص ) ).

[11] قوله: (( الحديث ) )ليس في (ل) .

[12] زاد في (ج) : (( السلام ) ).

[13] في (م) : (( لا نحتاج ها ههنا ) ).

[14] في (ل) : (( الحكمة ) ).

[15] قوله: (( فهو ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[16] في (م) : (( بذلك ) ).

[17] زاد في (م) : (( هو ) ).

[18] قوله: (( هو ) )ليس في (ل) .

[19] قوله: (( والشجعان ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.

[20] في (م) : (( هو القسم ) ).

[21] قوله: (( فهو ) )ليس في (ج) و (م) .

[22] في (م) : (( والمباح هو ) ).

[23] في (ج) و (ل) : (( بضده ) )، وفي (م) : (( يتحدث بضده ) ).

[24] في (ج) : (( الكذب لامرأته ) ).

[25] قوله: (( والوعد ليس من شرطه وقوع الكذب ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى، وفي (م) زيادة: (( وقوع يحتمل الكذب ) )، وبعدها في (ج) : (( ولأنه ) ).

[26] في (م) : (( ولا ) )، وبعدها في (ل) : (( تجده ) ).

[27] في (م) و (ل) : (( كذيبة ) ).

[28] قوله: (( هذا ) )ليس في (ل) .

[29] في (ل) : (( توجب ) ).

[30] في (ج) : (( لإضاعة المال ) ).

[31] في (ل) : (( الصوفة ) ).

[32] قوله: (( من المكر ) )ليس في (ج) و (م) .

[33] في (ج) و (م) : (( فيعدونها ) ).

[34] في (م) : (( تريده ) )وفي (ل) : (( ما يريدون ) ).

[35] في (ج) : (( لا يفون ) )، وفي (م) : (( لا يقول ) ).

[36] قوله: (( من الشهوات ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[37] قوله: (( أنها ) )ليس في (م) .

[38] في (ج) : (( أن لها ) )وفي (ل) : (( أتى لها ) ).

[39] في (م) : (( خلاصها ) ).

[40] قوله: (( ثم كذلك ) )ليس في (م) و (ل) .

[41] في (ج) : (( لا يأتينها ) )، وفي (م) : (( ليأتيها ) ).

[42] في (م) : (( منه ) ).

[43] قوله: (( من الطاعات ) )ليس في (م) .

[44] في (ج) و (م) و (ل) : (( مجاهدتها ) ).

[45] في (م) : (( فبينما ) ).

[46] في (ل) : (( النوم ) ).

[47] في (ل) : (( رح ) ).

[48] في (ج) : (( لهم ) ).

[49] في (م) : (( ليقتلونها ) ).

[50] في (ل) : (( خلاصهما ) ).

[51] في (ج) : (( للراحة في وقعها ) ).

[52] في (ج) و (م) : (( لهم ) ).

[53] قوله: (( حتى ) )ليس في (م) .

[54] في (م) : (( الكتاب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت