كان سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم يأتي منزل عبد الله والخلفاء وجمع من الصحابة، ثم إن سيّدنا صلى الله عليه وسلم يطلب من عبد الله وأصحابه البيعة، كما طلبها في الرؤيا التي قبل، فالكل بايعوا على ما طلب منهم، وكذلك
ج 5 ص 48
محمد الفاسي بايع على كل ما طلبه.
ثم إن بعض الأولاد يقول لسيدنا صلى الله عليه وسلم: ما فعل المَلَك بالشرح في الرؤيا التي قبل؟ فيقول عليه السلام: فلان من الملائكة _ويسميه باسمه_ وهو من الذين وكلهم الله بأعداء عبد الله بن أبي جمرة، وهم عشرون مَلكًا، ذلك واحد منهم.
ثم إن عمر، رضي الله عنه، دعا لعبد الله بأربع دعوات، وهي: ألّا يكِلَه الله إلى نفسه، ويمنّ عليه باتباع السنّة، وبالنصر، وينصره الله على نفسه وأعدائه. وأمَّن سيّدنا صلى الله عليه وسلم على دعائه. وكان الخطاب من قِبَل الحق سبحانه يقول له تعالى: قد سمعت دعاءكم، وإني مننت به على عبدي. ثم إن عبد الله يطلب ثلاث حوائج، فينعم بها عليه.
ثم إن الحق سبحانه يستدعي محمدًا الفاسي، فيأتي، وعليه كسوة حسنة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كساه إياها. فكان الحق سبحانه يعرض ما منّ به على عبد الله من الخير في ثواب الشرح، وثواب كل حرف على حِدَة. ثم يقول الله جلّ جلاله: كيف يكون إعطاء هذا الثواب مع أن يكون فيه خلل؟ هذا من المحال. ثم يعرض على محمد الفاسي ما له من الخير لكونه كان سببًا فيه. ثم يقول الحق سبحانه: بقي لك عندي حاجة هي أكبر من هذا كله، ولا أعطيكها إلا أن تصدق بصحة الشرح قبل أن يخبرك به ذانك العالِمان، ولو كان فيه خلل لم يكن عندي خيرًا من كل العلوم التي وهبتها عبادي.
ج 5 ص 49
ولو لم يكن فيه إلا حديث ابن الصامت الذي بيّن فيه العقيدة، وسنّة نبيّي، وسنّة الخلفاء، والطريقة الناجية، والطرق الفاسدة. وكل الناس محتاجون إلى ذلك. وحديث الإسراء الذي فيه الصلاة ومعانيها، وما فيها، والناس إليه محتاجون. وحديث الإفك وما بيّن فيه مما هو الحق، وبرّأ الصحابة وعائشة مما قال الناس فيهم. وحديث الإفك ما أبقى عليه من ذنوبه شيئًا. فإن لم تصدّق بهذا فبأي شيء تصدّق بعده؟
ثم إن سيّدنا صلى الله عليه وسلم يقول لمحمد الفاسي: أبعد هذا بقي عندك شك؟ أي شيء تصدّق: كلام الحق سبحانه وقولي، أو قول ذينك العالِمين؟ فيقول محمد الفاسي: قولك وقول الحق سبحانه. فيقول عليه السلام: أرى أي شيء أتاك لا يزيل ما عندك، وأراك أخذت من طريق شيخك شيئًا، لأنه كل ما يأتيه من قبلي، أو من قبل الحق سبحانه أخذه بكلتا يديه، وأنت تتوقف، وكيف يكون فيه خلل وأنا أفصح العرب؟ ولو كان فيه شيء عرَّفته به، وبينته له. وكذلك الخلفاء، ومن أعرف بالهجاء: أنا والخلفاء أو غيرنا؟ فيقول محمد: أنتم. ثم قال عليه السلام: وكم مرة وقفت أنا وهم عليه، ولم نر فيه خللًا. ولو كان فيه شيء عرفناه به. ثم كيف تطلب العمل به وأنت لم يحصل لك التصديق بتصحيحه؟ فيقول الفاسي: أشهدك، وأشهد الله وملائكته أنه ما بقي لي فيه شيء. ثم
ج 5 ص 50
يقول عليه السلام له ولأبي عثمان: اجعلوا بالكم من أرواحكم بعد هذه أن يبقى لكم فيه شيء، وإن بقي لكم شيء خفت عليكم.
ثم إنه عليه السلام ينظر حديث أبي هريرة الذي قال فيه (أخاف على نفسي العنت) [1] وما قيل فيه من الوجوه، فيستحسنها. فيقول له عبد الله عن اختلاف الروايات الذي جاءت فيه، فيقول له عليه السلام: اجعل الذي صح عندك منها. وإن جعلت الثلاثة فحسن.
ثم إن الحموي والموصلي يذكران له الحوائج التي ذكراها للملك، فيقول لهم، عليه السلام: هي مقضية، وهي معلّقة بوقت. ثم يقول: خُلِقَ الإنسان عجولًا [1] .
[1] رقمه 205.
[2] أصل الآية القرآنية: {وكان الإنسان عجولا} [الإسراء، 11] . و {خلق الإنسان من عجل} [الأنبياء، 37] .