35 - (عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ... ) الحديث [1] . [خ¦597]
ظاهرُ الحديثِ إيقاعُ الصلاةِ المَنْسِيَّة عندَ ذِكْرِها، والكلامُ عليهِ مِن وجوهٍ:
منها: هلِ الصلاةُ يعني [2] بها واحدةً ليسَ إلَّا أو صلاةً مِن حيثُ الجملةِ وإنْ كَثُرَتْ؟ وهل تُقدَّمُ على الوقتيَّةِ وإنْ خرجَ وقتُ الوَقتِيَّةِ أم لا؟ وهل يجوزُ تأخيرها يسيرًا كما يجوزُ تأخيرُ الوَقتيَّةِ أم لا؟ والكفارةُ هنا؛ هل هيَ عن ذنبٍ مأخوذٍ بهِ أم ليسَ؟.
فالجوابُ عن [3] الأوَّلِ: احتمَلَ الوجهينِ معًا، فأمَّا الواحدُ _ وهو أن تكونَ واحدةٌ _ فيلزمُ منهُ إنْ كانتْ أكثرَ فلا تُصلَّى، ولا قائلَ بذلكَ، فبطلَ هذا الاحتمالُ، وبَقِيَ أنها صلاةٌ مِن حيثُ الجملةِ كانتْ واحدةً أو أكثرَ فإنَّها تُصلَّى.
وأمَّا هل تُقدَّمُ على الوقتيَّةُ أم لا؟ فإن نظرْنا إلى ظاهرِ اللفظِ قلنا بذلَك؛ لأنهُ عليهِ السلامُ قال: (يُصَلِّيها [4] ، فذلكَ وقتٌ لها) على ما جاءَ في روايةٍ أخرى، فقدْ عيَّنَهُ عليهِ السلامُ بالإشارةِ إليهِ [5] .
وإن نظرْنَا إلى أنَّ الأمرَ إذا احتملَ مَعنيينِ: أحدُهُما يوجبُ حُكمًا وليسَ فيهِ خللٌ بالحكمِ الآخرِ، والثاني يوجِبُ حُكمًا ويلحقُ بالحكمِ [6] الآخرِ خللٌ فنأخذُ الذي يوجبُ الحكمَ ولا [7] يقعَ في الحكمِ الآخَرِ به خللٌ [8] مِن طريقِ الترجيحِ، مثلُ ما قلنا آنفًا: إذا نظرنا بتعيينِ الوقتِ بالإشارةِ إليهِ أَوجبْنا فعلها وإن خرجَ وقتُ الوقتيَّةِ فلحِقَ الخللُ في الوقتيَّةِ لخروجِها
ج 1 ص 347
عن [9] وقتِها، وقد جاءَ في روايةٍ أُخرى [10] : (( فَذَلِكَ وقتٌ لَهَا ) )أي جائز فعلُها، وإن كانَ وقتُها المفروضُ لها قدْ خرجَ فصاحِبُها معذورٌ في ذلكَ بعلَّةِ النسيانِ، وكانَ قد دخلَ وقتُ جوازِ فعلِها ودخلَ على الأُخرى التي تعيَّن [11] وقتُها بتعيينِ الشارعِ عليهِ السلامِ أولًا، وهو الأصلُ، فكانت الأُولَى أَوْلى بالتقديمِ ولا يلحقُها نقصٌ، وتبقى صاحبةُ العذرِ مُتأخِّرةً عنها، والشارعُ عليهِ السلامُ قدْ جَبَرَ ذلكَ الخلَل بقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: (( رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ) ).
فمِنْ أجلِ هذهِ التقديراتِ اختلفَ العلماءُ رضي الله عنهم [12] في تقديمِ المَنْسِيَّةِ على الوقتيَّةِ [13] ، فمذهب الشافعيِّ ومَن تَبِعَه على تقديمِ الوقتيَّةِ، ومذهبُ مالكٍ ومَن تبعَه [14] :على تقديمِ المَنْسيَّة على الوقتيَّةِ [15] إلا أنه بشَرطٍ وهو أنْ تكون يسيرةً فإن كانت [16] كثيرةً فالوقتيَّةُ مُتقدِّمَة [17] ، وادَّعوا الإجماعَ في ذلكَ، وكذلك ادَّعوا الإجماعَ في تخصيصِ الحديثِ؛ لأنَّ اللفظَ يقتضي العمومَ، فلو أبقَوْهُ على ذلكَ لآل الأمرُ إلى أنْ تخرجَ الوقتيَّةُ عن وقتِها ويعودُ حكمُها حكمُ المَنسيَّاتِ، وهذا خللٌ كبيرٌ [18] بالإجماعِ، والإجماعُ لا يُعَتَرض عليه، وبقي الخلافُ في حدِّ القليلِ مِن الكثيرِ، فأقلُّ مِن صلاةِ يومٍ عندَهم في حُكمِ القليلِ، وأكثرُ مِن صلاةِ يومٍ في حكمِ الكثيرِ، وصلاةُ يومٍ مُختلفٍ فيهِ.
وأمَّا [19] : هل يجوزُ تأخيرُها عندَ الذكرِ بغيرِ عُذرٍ شرعيٍّ أو حضورِ أداءِ الوقتيَّةِ؟ على الخلافِ المُتقدِّمِ، فلا أعرفُ فيهِ خِلافًا أنَّه لا يجوزُ، لأنَّه مشارٌ إليهِ غيرَ محدودٍ كما فعلَ عليهِ السلامِ في الوقتيَّاتِ حينَ قالَ: (( مَا بينَ هذينِ وقتٌ ) )،
ج 1 ص 348
فدلَّ بتركِ [20] التحديدِ لهذه أنَّ الأمرَ فيها بخلافِ المحدودِ وقتُها.
وأمَّا [21] : هلْ هذهِ الكفارةُ لذنبٍ وقعَ؟ فليسَ هُنا ذنبٌ واقعٌ [22] لِمَا قدَّمْنا أوَّلًا مِن قولِه: (( أَو نَسِيَها ) )فيكونُ معنى قولِه عليه السلام: (لا كَفَّارَةَ لها إلا ذَلِكَ) أن لو كانَ هناكَ ذنبٌ يُؤخَذُ بِهِ كقوله عزَّ وجلَّ في كتابِهِ: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء:93] ، قالَ العلماءُ في معناه: (فجَزاؤُهُ) أنْ جازاهُ.
واحتمَلَ أنْ يكونَ أرادَ بالذِّكرِ [23] أنَّ الذنبَ فيها ذنبٌ مِن كونِهِ ذَنبًا [24] لغةً لكونِه أَخرجَ ما أُمِرَ به عن وقتِه وإن كانَ صاحِبُه لا يؤاخَذُ بهِ، وأنَّ جَبْرَهُ يُسمَّى: كفارةً وإنْ لم يكنْ هُناكَ ذنبٌ؛ لأنَّ هذا [25] تغطيةٌ لذلكَ الخللِ.
واحتمَلَ أنْ يريدَ أنَّ ذلكَ الخللَ الذي وقع أنه لا يَنْجَبِرُ بفعلٍ مِن أفعالِ البِرِّ وإنْ كَبُرَ [26] إلا بأدائها في هذا الوقتِ المُشارِ إليه، فيكونُ فيهِ على هذا التأويلِ وجهانِ مِنَ الفقهِ: (الواحدُ) : منعُ البدلِ بغيرِها مِن القُرَبِ، (والآخرُ) : أن لا تؤخَّرَ عن ذلكَ الوقتِ، وبهذا المعنى يَرجُحُ مذهبُ مالكٍ ومَن تَبِعَه مِن [27] غيرِه.
وفيه دليلٌ لقولِ مَن يقولُ: إنَّ شَرْعَ مَن تقدَّمَ شرعٌ لنا، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قولِه: {وأَقِمِ [28] الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] ، وهذا الخطابُ كانَ لمَنْ تقدَّمَ مِن الأُممِ.
وفيهِ دليلٌ لمن يقولُ: إنَّ [29] شرعَ مَن تقدَّمَ ليس بشرعٍ لنا إلا إذا وافَقَ شرعَنا، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم لم يحتجَّ بالآيِ إلا حينَ قرَّرَ الحُكمَ، فكأنَّهُ [30] ذكَرهُ لمَّا تساوى ما أُمِرنا به لِما أُمِر به مَن قبلنا، ويترتَّبُ على هذا الوجهِ أنَّ معرفةَ الشرائعِ المُتقدِّمةِ من المحمودِ شرعًا وإنْ لم يكنْ فيه حكمٌ
ج 1 ص 349
لنا، ولولا ذلكَ ما [31] ذكرَهُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم.
وهنا إشارةٌ صوفيَّةٌ لأنَّهم يقولونَ: أعلى الأعمالِ الأذكارُ؛ لأنَّ ذِكرَ اللسانِ يوجبُ ذكرَ الأحكامِ وهو أَجَلُّ الأذكارِ كما قال عمرُ رضي الله عنه: ذِكرُ اللهِ عندَ أمرِه ونهيِه خيرٌ من ذِكرِهِ باللسانِ، والغفلةُ سبيلُها [32] النسيانُ فما حُرِم مَنْ حُرِمَ إلا مِنَ الغَفْلَةِ، ولا [33] سَعِدَ مَن سَعِدَ إلا بالذِّكرِ والحضورِ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ [34] في كتابِهِ: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45] .
[1] زاد في (ج) و (ل) و (ف) : (( {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ) )، وليس في (ج) قوله: (( الحديث ) ).
[2] في (ج) : (( يمضي ) ).
[3] في (ج) : (( على ) ).
[4] في (م) : (( يصلها ) ).
[5] زاد في (ف) : (( وإن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا بذلك لأنه عليه السلام يصليها فذلك وقت لها فقد عينيه عليه السلام بالإشارة إليه ) ).
[6] في (م) و (ف) : (( في الحكم ) ).
[7] في (ج) : (( وألا ) ). وقوله: (( بالحكمِ الآخرِ خللٌ فنأخذُ الذي يوجبُ الحكمَ ولا يقعَ ) )ليس في (ل) .
[8] قوله: (( فنأخذُ الذي يوجبُ الحكمَ ولا يقعَ في الحكمِ الآخَرِ به خللٌ ) )ليس في (م) .
[9] في (م) و (ل) : (( من ) ).
[10] قوله: (( وقد جاءَ في روايةٍ أُخرى ) )ليس في (م) .
[11] في (م) : (( تغير ) ).
[12] قوله: (( رضي الله عنهم ) )ليس في (ف) . .
[13] قوله: (( على الوقتية ) )ليس في (ف) .
[14] قوله: (( ومن تبعه ) )ليس في (ج) .
[15] قوله: (( فمذهب الشافعيِّ ومَن تَبِعَه ... تبعَه على تقديمِ المَنْسيَّة على الوقتيَّةِ ) )ليس في (م) .
[16] في (ج) : (( تكون ) )بدل قوله: (( وهو أن تكون يسيرة فإن كانت ) ).
[17] في (ج) : (( متقدم ) )، وفي (م) : (( مقدمة ) ).
[18] زاد في (ج) و (م) و (ل) و (ف) : (( فانتسخ هذا ) )، وفي (ل) : (( كثير فانتسخ هذا ) ).
[19] زاد في (ج) و (م) و (ف) : (( قولنا ) ).
[20] في (م) : (( ترك ) ).
[21] زاد في (ج) و (م) : (( قولنا ) ).
[22] قوله: (( فليس هنا ذنب واقع ) )زيادة من (ج) و (م) و (ل) ، وليس في الأصل (ط) .
[23] قوله: (( أرادَ بالذِّكرِ ) )ليس في (م) .
[24] في (ط) : (( ذنب ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[25] في (م) : (( هذه ) ).
[26] في (م) : (( كثر ) ).
[27] في (ج) : (( على ) ).
[28] في النسخ: (( أقم ) )بدون الواو.
[29] قوله: (( إن ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[30] في (م) : (( فكانت ) ).
[31] في (م) : (( لما ) ).
[32] قوله: (( سبيلها ) )ليس في (ج) .
[33] في (ل) : (( وما ) ).
[34] في (ج) و (ل) و (ف) : (( قال عز وجل ) )