فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 363

حديث: خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف

95 -قولها: ( [1] قَالَتْ هِنْدُ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ [2] ... ) الحديثُ. [خ¦2211]

ظاهره يوجب [3] أخذَ الحقِّ مِن مالِ صاحبِه وإنْ كانَ عنهُ غائبًا إذا لم يعطِهِ، والكلامُ عليهِ [4] مِن وجوهٍ:

منها: أنَّ الأئمةَ [5] اختلفوا هل هذا على العمومِ، وإن اختلفَ أنواعُ المالِ فخالفَ [6] نوعُ مالِ الطالب نوعَ مالِ المطلوبِ [7] أو لا يكونُ ذلكَ إلَّا إذا كانَ المالانِ مِن نوعٍ واحدٍ مُتماثلينِ [8] ؟ على قولينِ.

مثالُ ذلكَ: أنْ يكونَ لك عندَ واحدٍ [9] دراهمُ، فيمتنعُ مِن إعطائِها إياكَ فتلقى مِن مالِه بظهرِ غيبٍ منهُ مالًا، هل تأخذُ مِن ذلكَ [10] المالِ الذي لقيتَه لغريمِك ما امتنعَ أنْ يعطيكهُ وهو غائبٌ لا يعرفُ بذلكَ [11] ؟ فإنْ كانَ ما لقيتَهُ دراهمَ مثلَ دراهمِك في الصفةِ فلكَ أن تأخذَ منها قدْرَ مالِك بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ [12] لِقَولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ في الحديثِ: (خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ [13] مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ) والمعروفُ هو عدمُ الزيادةِ والنقصِ [14] في الحقوقِ.

وإن كانَ ما لقيتَه خلافَ الدراهمِ ذهبًا أوعَروضًا أو طعامًا، فمذهبُ الشافعيِّ: تأخذُ قدْرَ مالكَ عندَه بالمعروفِ،

ج 2 ص 355

ومذهبُ مالكٍ: لا تأخذُ [15] منه شيئًا؛ لأنَّه [16] إذا أخذتَ خلافَ مالك فهو [17] بيعٌ منَ البيوعِ، والبيعُ يفتقرُ إلى وكالةٍ، وليسَ لكَ وكالةٌ بما [18] تتصرفُ في بيعِ مالِ الغيرِ.

فظاهرُ الحديثِ منفردًا [19] الحجَّةُ فيهِ للشافعيِّ وجميعُ الحديثِ إلى الأصلِ [20] بسدِّ الذريعةِ مع ما جاءَ في البيوعِ وشروطِها يقتضي ما ذهبَ مالكٌ إليهِ، إلا أنَّه [21] إنْ كانَ ما يمنعُ مالَكَ مِن أجلِه هو عدمُ الوكالةِ التي بها يتمُّ البيعُ.

وقد رأيتُ فتوى لبعضِ المالكيةِ وكانَ مُعتَبَرًا في وقتِه ونقلَها قَوْلةً في المذهبِ معناها: أنَّه _ أعني صاحبَ الحقِّ _ يقومُ [22] مقامَ الحاكمِ ويوكِّلُ غيرَه مَن يبيعُ من ذلكَ المالِ بالسدادِ بقدرِ مَالَهُ ويأخذُ مالَهُ طيِّبًا حلالًا، فإن صحَّ القولُ عنِ الإمامِ فلا بحثَ.

وإلا فالبحثُ يعطي أنَّه لا فرقَ بينَ إن أنزلَ [23] نفسَه منزلةَ صاحبِ المالِ فيتصرَّفَ بالمعروفِ أويُنْزَلُ نفسَه منزلةَ الحاكمِ، فإنَّ في كلِّ واحدٍ مِنَ الوجهينِ يحتاج إلى إذنِ مَن هو نائبٌ عنهُ، فإنَّهُ لا يَحكمُ على أحدٍ حاكمٌ خلافَ الإمامِ أو مَن قدَّمَه الإمامُ إلَّا بإذنِه، وكِلاهُما متعذِّرٌ [24] ، فالحكمُ متعذِّرٌ أيضًا.

وفيهِ دليلٌ على أنَّ الأمَّ هيَ المُتصرِّفَةُ [25] في معاشِ أولادِها، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ صلى الله عليه وسلم: (خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ [26] مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ) .

ويؤخذُ منهُ أنَّها هيَ القائمةُ بحقوقِهم على الأبِ لِقَولِها [27] : (لا يعطيني) ، تعني: حقَّها وحقَّ بنيها.

ويُؤخَذُ منهُ دليلٌ [28] على أنَّ الفتوَى خلافُ [29] الحكمِ؛

ج 2 ص 356

لأنَّ الحُكمَ [30] لا يكونُ إلا بعدَ اعترافٍ أو ثبوتٍ بشهادةٍ [31] ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّهُ لَمَّا قَالَتْ لهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (هل [32] عليَّ جُناحٌ) ، تعني في الشرعِ، فجاوبَها عَلَيْهِ السَّلَامُ بأنْ لا جُناحَ عليها، ولوطلبتْ منهُ الحكمَ لم يحكُمْ إلا بعدَ حضورِ أبي سفيانَ ويسمعُ حجَّتَهُ وحينئذٍ كانَ يقضي بحسبِ ما يسمعُ منهُما، فإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ [33] : (( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فلَعَلَّ أحدكُمْ أَنْ [34] يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ [35] فَأَحْكُمَ لَهُ بِحَسْبِ مَا أَسْمَعُ ) ) [خ¦6967] ، معناه: فأوقعَ الحكمَ على ما يظهرُ مِن قولِ الخصمينِ.

وفيهِ دليلٌ على جوازِ خروجِ النساءِ لطلبِ حقوقِهنَّ إذا لم يكنْ معهنَّ مَن يقومُ عنهنَّ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن جوابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لها ولم يعنفها [36] ولا أنكرَ عليها.

وقَولُها: (رَجُلٌ شَحِيْحٌ) ظاهرُ اللفظِ يُعطي [37] جوازَ الغيبة عندَ الحاكمِ مِن أجلِ الضرورةِ، ولقولِ اللهِ تَعَالَى: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ [38] إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] ، فلأجلِ ظلمِه يجوزُ لهُ قولُ السوءِ، وما [39] هيَ غِيبةٌ مِن أجلِ أنَّها لم تَقصِد تنقيصًا بصاحبِها، وإنما هو مِن ضرورةِ وصفِ حالِه.

لكن ليسَ قَولُها: (إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ شحيحٌ) مِن هذا القبيلِ، ولكنْ هوَ مِن بابِ المدحِ بحسبِ عادةِ [40] العربِ؛ لأنَّ الذي يشحُّ عندَهم على عيالِه إنما هوَ مِن أجلِ اعتنائِه بالأضيافِ والخصبِ عليهم فيلحقُ الضررَ مِن أجلِ ذلكَ للعيالِ، فهيَ لفظةٌ باطنُها خلافُ ظاهرُها كما ينقل عنِ [41] العربِ في بعضِ الألفاظِ التي يدعونَ بها، مثلَ قَولِهِم: ضَرَبَ اللهُ عنقَه، وقاتلَه اللهُ! ولا يريدون بهِ ظاهرها كما ينقلُ عن بعضِهم [42] بعضِ قبائلهم في تلفُّظِهم بلفظِ اللعنةِ، وقد يطلقونها على المُستحسَنُ

ج 2 ص 357

عندَهم [43] ، فمَن لا يعرفُ ذلكَ يحملُها على العادةِ المذمومةِ، ولكن [44] ليس كذلك.

ويترتَّبُ على هذا [45] الفقهِ أنْ لا يذمَّ أحدٌ أحدًا على قولٍ أو فعلٍ حتى يعلَمَ ما عُرْفُ أهلِ وقتِه في ذلكَ، ومثل ذلكَ في الشكرِ أيضًا.

وفيهِ دليلٌ على أنَّ الكُنى المعروفةَ شَرعًا والعادةَ عندَ العربِ هي بأسماءِ البنينَ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قَولِها: (إن أبا [46] سفيانَ) ، وكَنَتْهُ بابنِه، وكذلكَ قولُ راوية [47] الحديثِ: كَنَت المرأةَ باسمِ ابنِها، وماعدا هذا فهي [48] بدعٌ لا سيَما إنْ كانَت بلفظِ التزكيةِ، كقول [49] أهلِ مصرَ وأنظارِها: جمالُ الدينِ وبَهاءُ الدينِ، وحديثُ مسلمٍ: (( لمَّا تزوَّجَ صلى الله عليه وسلم جُويرِيَّةَ قَالَ لها: مَا اسْمُكِ، قَالَت [50] : بَرَّةُ، فقَالَ [51] : لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ سَمُّوهَا جُوَيرِيَّة ) )، وهي بَرَّةٌ حقيقةً؛ لأنَّه لا يختارُ [52] أن تكونَ زوجًا لهُ إلَّا وهيَ برَّةٌ حقيقةً، لكن نَهى عن ذلكَ.

وقابلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فعلَهم بالضدِّ وهوَ أنْ صغَّرَ اسمَها، فقَالَ: (( جُوَيْريَّةُ [53] ) )، فما بالكَ بغيرِها [54] ؟ فمن حيثُ رفعَ [55] اسمَه لفظًا فقد صغَّر نفسَه [56] شرعًا، فالحكمُ بمقتضَى الشرعِ لا بالوضعِ، وفيما ذكرناهُ حجَّةٌ للقومِ في قَولِهم: مَن رأى لنفسِه حقَّ رِفعةٍ على خَلْقٍ منْ خَلْقِ الله ولو على الكلابِ فهو معلولٌ.

فيا شافيَ العلَلِ، اشْفِ علَّةً قدْ أفضَتْ [57] إلى العطبِ، هانَتْ عليهم أنفسُهم فارتفعوا وعظمَتْ نفوسُ غيرِهم فبها ذلُّوا وخَسِروا [58] .

[1] زاد في (ل) : (( عَن عَائِشَةَ ) ).

[2] في (ج) : (( شح ) )، وزاد في (ل) : (( فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: «خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ ) ).

[3] في (ج) و (م) : (( ظاهره جواز ) ).

[4] في (ج) : (( عنه ) ).

[5] في (ج) : (( الآية ) ).

[6] في (ج) و (م) : (( وخالف ) ).

[7] في (ج) : (( المطالب نوع مال المطلوع ) ).

[8] في (م) : (( إلا إذا كان المال متماثلين ) ).

[9] في (ج) و (م) : (( أحد ) ).

[10] قوله: (( أن يكون لك ... ذلك ) )ليس في (ل) .

[11] في (ج) : (( ذلك ) ).

[12] في (ج) : (( لا نقصان ) )ليس في (ج) و (م) .

[13] في النسخ: (( وبنيك ) )والمثبت من الصحيح.

[14] قوله: (( والنقص ) )ليس في (ج) و (م) .

[15] في الأصل (ط) : (( يأخذ ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[16] في (م) : (( لأنَّك ) ).

[17] في (م) و (ل) : (( هو ) ).

[18] في (م) : (( ثمَّ ) ).

[19] في (م) : (( منفرد ) ).

[20] في (ج) و (م) : (( القول ) ).

[21] قوله: (( أنه ) )ليس في (ج) .

[22] قوله: (( فتوى لبعض المالكية ... يقوم ) )ليس في (ج) .

[23] في (ج) و (م) : (( لا فرق أن ينزل ) ).

[24] في (م) : (( معتذر ) )في الموضعين.

[25] في (ج) : (( متصرفة ) ).

[26] في الأصل (ط) و (ج) و (م) و (ل) : (( وبنيك ) ). والمثبت من البخاري.

[27] في (م) : (( بقولها ) ).

[28] قوله: (( دليل ) )ليس في (م) .

[29] في (ج) و (م) : (( بخلاف ) ).

[30] في (ج) : (( الحاكم ) ).

[31] في (م) : (( شهادة ) ).

[32] زاد في (ج) : (( له ) ).

[33] في (م) : (( يقول ) ).

[34] قوله: (( أن ) )ليس في (م) .

[35] في (ج) و (م) : (( بعض ) ).

[36] في (ط) و (ل) : (( يعتبها ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[37] في (م) : (( يقتضي ) ).

[38] في (ج) : (( القوم ) ).

[39] في (م) : (( ما ) ).

[40] في (م) : (( حالة ) ).

[41] زاد في (م) : (( بعض ) ).

[42] قوله: (( العرب في بعض الألفاظ ... عن بعضهم ) )ساقط في (ل) .

[43] في (ج) و (م) : (((ظاهر اللفظ ) )بدل قوله: (( ظاهرها كما ينقل .... عندهم ) ).

[44] قوله: (( لكن ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .

[45] زاد في (م) و (ل) : (( من ) ).

[46] في الأصل (ط) و (ج) و (ل) : (( أبا ) )والمثبت من (م) .

[47] في (م) : (( رواية ) ).

[48] في (ج) : (( فهو ) ).

[49] في (ج) : (( مثل قول ) ).

[50] زاد في (م) : (( له ) ).

[51] في (م) : (( قال ) ).

[52] في (المطبوع) : (( تختار ) ).

[53] في (ج) : (( جويرة ) ).

[54] زاد في (ج) و (م) : (( فمن باب أحرى ) ).

[55] في (ل) : (( وقع ) ).

[56] في (ل) : (( اسمه ) ).

[57] زاد في (ج) و (م) و (ل) : (( بي ) ).

[58] في (ل) : (( وخضعوا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت