فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 363

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

حديث: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة

وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وسلم

حديث بدء الوحي [1]

1 - (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضيَ الله عنها أنَّها قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ) الحديث. [خ¦3]

هذا [2] الحديث يحتوي على فوائدَ كثيرة وأحكام [3] وآداب، ومعرفة جملة [4] مِن قواعد الإيمان، ومعرفة بالسلوك والترقِّي في المقامات [5] ، ولأَجْلِ ما فيه مِن هذه المعاني حدَّثَ به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عائشةَ رضي الله عنها، لِتُبْدِيَ ذلك للنَّاس، لكي يتأسَّوا بتلك الآداب، ويحصل [6] لهم معرفة بكيفيَّة التَّرقِّي مِنْ مقام إلى مقام، مع ما فيه مِن فائدة المعرفة بابتداء أمرِه عليه السَّلام

ج 1 ص 6

كيف كان، لأنَّ النفوسَ أبدًا تَتَشوَّفُ [7] إلى معرفةِ مبادئِ الأمورِ كُلِّها، وتنشرحُ الصُّدورُ للاطِّلاع عليها، فكيف بها لابتداء [8] هذا الأمر الجليل الذي فيه مِن الفوائد ما قد ذكرناه، ويُعرف منه [9] مقتضى الحكمة في تربيتِه [10] وتأديبه، ولأجلِ ما فيه مِن هذه الفوائد حدَّثتْ [11] به عائشة رضي الله عنها فأُخِذ [12] عنها. ونحن إن شاء الله نشير إلى شيء منها ونُنَبِّهُ عليها [13] بحسب ما يوفِّق [14] الله إليه، فنقول: الكلام عليه مِن وجوه:

الوجه الأوَّل: قولها (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ) . فيه دليل على أنَّ الرؤيا مِن النبوَّة، وهي وحيٌ مِن الله عزَّ وجلَّ، إذ إنَّ [15] أول نبوة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والوحي [16] كان بها، وقد صرَّح الشَّارع صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك في غير هذا الحديث، وسيأتي الكلام على الْمَرَاِئي وما [17] يتعلَّق بها، والجمع بين متَّفِقِها ومختَلِفِها ومجموع أحاديثها في موضعِه مِن آخر الكتاب إن شاء الله.

الثَّاني: قولها: (مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) تريد [18] بذلك صدق الرؤيا، وكيف كانت تخرج في الحين مِن غير تراخٍ ولا مُهْلَةٍ على قدْرِ ما رآه عليه السَّلام سواءٌ بسواء [19] . ولقائل أن يقول: لمَ عبَّرت عن صِدق الرؤيا بفَلَقِ الصُّبح ولم تعبِّر بغيرِه؟ والجواب [20] : أنَّ شمسَ النبوَّة كانت [21] مبادئُ أنوارها صحَّةَ الْمَرَائِي وصِدقَها فما زال النُّور يَتَشَعْشَعُ ويَتَّسِعُ ويبين حتى بدا بصاحب [22] شمسُها وهو ما أُنزِل عليه مِن الهُدى والفرقان، فمَن كان باطنُهُ نوريًا كان في التصديق لِمَا أُنْزِل بكريًا آمن وصَدَّقَ، ومَن كان أعمى البصيرة كان خُفَّاشَ زمان الرسالة، الشَّمسُ تَسْطَع وهو لا يرى شيئًا، فإنَّ الخُفَّاشَ يخرج في الليل [23] ويتخفَّا [24] بالنَّهار، لأنَّه لا يبُصر مع ضوء الشمس شيئًا، وبقي [25]

ج 1 ص 7

النَّاس بين هاتين المنزلتين يتردَّدون كلٌّ منهم يُبْصِر بقدْر ما أُعطي مِن النُّور، جعَلَنا الله ممَّن أجزل له مِن هذا النُّور وحُسن الاتِّباع أوفرَ نصيبٍ [26] بِمَنَّهِ، ولأجل [27] هذه النِّسبة التي بين [28] ابتداء النُّبوَّة وظهورها مع فَلَق الصبح وقعت العبارة به ولم تقع بغيره.

الثَّالث: قولها: (ثمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ) فيه دليل على أنَّ الهداية منه [29] ربانيَّة لا بسببٍ مِن بَشَرٍ ولا غيره، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جُبِلَ على [30] الخير ابتداءً مِن غير أنْ يكون معَه مَن يُحرِّضه على ذلك. والخَلوة كنايةٌ عن انفراد الإنسان بنفسِه فَحُبِّبَ إليه عليه السَّلام أصلُ العبادة في شريعتِه وعُمدَتُها [31] ، لأنَّه عليه السَّلام قال: (( الخَلْوَةُ عِبَادَةٌ ) ). فالخلوة نفسها عبادة فإنْ زِيْدَ عليها شيء مِن الطاعات فهو التَّحنُّث، ومعنى التَّحنُّث التَّعبُّدُ، فهو نورٌ على نور.

الرَّابع [32] : قولها: (كَانَ [33] يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) التَّحنُّث قد تقدَّم الكلام عليه [34] ، وبقي هنا سؤال وارد وهو أن يقال: لمَ اختصَّ عليه السَّلام بغار حِراء فكان يَخلو فيه ويتحنَّث [35] دون غيره مِن المواضع ولم يُبَدِّله في طول تحنُّثِه؟ والجواب: أنَّ ذلك الغار له فضل زائد على غيره، مِن قِبَل أنَّ مَن فيه يكون [36] فيه منزَوِيًا مجموعًا لتحنُّثِه وهو يبصر بيتَ ربِّه، والنَّظرُ إلى البيت عبادة، فكان له اجتماع ثلاث عبادات وهي: الخلوة والتَّحنُّث [37] والنَّظر إلى البيت، وجمع هذه الثلاث أولى مِن الاقتصار على بعضها دون بعض، وغيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى، فَجُمِعَ له عليه السَّلام في المبادي كلُّ حُسنٍ بادي [38] .

الخامس: قولها (وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ) (وهو التَّعبد) تفسير منها للتحنُّث ما هو؟ و (اللَّيَالِيَ [39] ذَوَاتِ العَدَدِ) تريد به: كثرة الليالي، لأنَّ العدد على قسمين:

ج 1 ص 8

عددَ قِلَّة وعددَ كَثْرة وبمجموع القِلَّة والكثرة يكون فيه ليالٍ [40] كثيرة [41] فلذلك كَنَتْ عنه (بذوات العدد) ، أي مجموع أقسام العدد وهي جمع القِلَّة والكثرة.

السَّادس: قولها: (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ) تريد: قبل أن يرجع إليهم، فما يزال [42] عليه السَّلام في التَّعبُّد تلك اللياليَ المذكورة حتى يرجع إلى أهلِه.

السَّابع: فيه دليل عَلى أنَّ المستَحبَّ في التَّعبُّد أن [43] يكون مستمرًا، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يستمرُّ على عبادتِه [44] تلك ولم يقطعها إلا لِمَا لابُدَّ [45] منه، وسيأتي الكلام عليه، ولأنَّ التَّعبُّد إنْ لم يكن مستمرًا [46] فلا يقال لصاحبِه: مَتَعِّبدٌ؛ لأنَّه لا ينسب المرء إلَّا إلى الشيء الذي يُكْثِر منه.

الثَّامن: قولها: (ثمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ ويَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا [47] ) فيه دليل على أنْ التَّبَتُّلَ الكُلِّيَّ والانقطاعَ الدَّائم ليس مِن السنَّة، لأنَّه عليه السَّلام لم ينقطع في الغار وترك أهلَه بالكلِّيَّة، وإنَّما كان عليه السَّلام يخرج إلى العبادة تلك الأيام التي يَتَحَنَّثُ فيها ثمَّ يرجع إلى أهله لضروراتهم ثمَّ يخرج لتحنُّثِه. وقد نهى عليه السَّلام عن التَّبتُّل في غير هذا الحديث فقال: (( لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلَامِ ) ). وهذا النَّهي إنَّما هو فيمَن اتخذ ذلك سنَّة يُسْتَنُّ [48] بها، وأما مَن تَبَتَّلَ لعدم القدرة على التأهُّل مِن قِبَلِ قِلَّة ذات اليد أو مِن [49] عدم الموافقة فلا يدخل تحت هذا النَّهي.

التَّاسع: فيه دليل على أنَّ العبادة لا تكون إلَّا مع إعطاء الحقوق الواجبات وتَوْفيتها، لأنَّه عليه السَّلام لم يكن [50] ليرجعَ لأهلِه إلَّا لإعطاء حقِّهم فكذلك غيره مِن الحقوق يجب إعطاؤُه وتوفيته وحينئذ يرجع إلى المندوبات.

العاشر: فيه دليل على أنَّ الرجل إذا كان صالحًا في نفسه تابعًا للسنة يُرْجَى له أنَّ الله

ج 1 ص 9

تعالى يُؤْنِسُه بِالْمَرَائِي الحميدة إذا كان في زمنِ [51] مخالفةٍ وبِدَعٍ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا انعزل للعبادة وخلا بنفسِه آنَسَهُ الله عزَّ وجلَّ بالمَرائي الجميلة، لَمَّا أنْ كان ذلك الزمانُ زمانَ كُفرٍ وشِقاقٍ، وسيأتي شفاءٌ لهذا [52] المعنى في الكلام على الْمَرَائِي إن شاء الله، فالمتَّبِع للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُرْجَى له مثلُ ذلك أو قريبٌ [53] منه _أعني في المرائي_.

الحادي [54] عشر: فيه دليل على أنَّ البداية ليست كالنهاية، لأن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أول ما بُدِئَ في نبوتِه بالْمَرَائي، فما زال عليه السَّلام يرتقي في الدرجات والفَضل حتى جاءه الملَك في اليقظة بالوحي ثمَّ ما زال يرقَى [55] حتَّى كان قابَ [56] قَوْسَينِ أو أدنى، وهو [57] النهاية فإذا كان هذا في الرُّسُل فكيف به [58] في الأَتباع؟

لكن بين الرُّسُل والأَتباع فرقٌ وهو: أنَّ الأتباعَ يترقَّون [59] في مقامات الولاية ما عدا مقام النُّبوَّة فإنَّه لا سبيل لهم إليها لأنَّ [60] ذلك قد طُوِيَ بساطُه حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرِّضا وهو أعلى مقامات الوِلاية [61] ، ولأجل هذا يقول أهل الصُّوفة [62] : مَنْ نال مقامًا فَدَامَ عليه بأدبه ترقَّى إلى ما هو أعلى مِنه، لأنَّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذ أوَّلًا في التَّحنُّث ودام عليه بأدبه إلى أن ترقَّى مِن مقام إلى مقام حتى وصل إلى مقام [63] النُّبوَّة، ثمَّ أخذ في التَّرقِّي في مقامات [64] النُّبوَّة حتى وصل به المقام [65] إلى قاب قَوْسَينِ أو أدنى كما [66] تقدَّم، فالوارثون له [67] بتلك النِّسبة مَن دام منهم على التأدُّب في المقام الذي أُقِيْمَ فيه [68] ترقَّى في المقامات حيث شاء الله عدا مقام النبوَّة التي لا مشاركة للغير فيها بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

يشهد لذلك ما حُكيَ عن بعض الفضلاء أنَّه مُنَّ عليه

ج 1 ص 10

بإتِّباع السنَّة والأدب في السلوك يتأدَّب في كلِّ مقام بحسب ما يحتاج إليه مِن الأدب، فما زال يرتقي مِن مَقام إلى مَقام [69] أعلى منه حتى سرى [70] بسرِّه مِن سماء إلى سماء، إلى قاب قوسين أو أدنى، ثمَّ نُودي: هنا سُرِّي بذات محمَّد السَّنِيَّة حيث سُرِّي بِسِرِّك.

الثَّاني عشر: فيه دليل على أنَّ التَّربية للمُريد أفضل مِن غير المُرَبِّي [71] ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أوَّل نبوَّتِه كانت في المنام، فما زالت تترقَّى [72] حتى كَمُلَتْ حالتُه، وهو عليه السَّلام [73] أفضلُ البشر، فلو كان غيرُ التربية أفضلَ لكان أَوْلى بها مِن غيره.

الثَّالث عشر: فيه دليل على أنَّ الأَوْلى بأهل البداية الخَلْوة والاعتزال، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في أوَّل أمرِه يَخلو بنفسِه فلمَّا انتهى عليه السَّلام حيث قُدِّر له [74] لم يفعل ذلك. وبقي يتحنَّث بين أهله وصار حالُه إلى أنَّه إذا سجد غمز أهلَه فتضمُّ رِجلَها حيث يَسجد، وفي البداية لم يُقنِعه [75] عليه السَّلام أن ينعزل عنهم في البيت حتى خرج إلى الغار على ما تقدَّم.

الرَّابع عشر: فيه دليل على أنَّ الخَلوة عَوْنٌ للإنسان على تعبُّدِه وصلاح دينِه، لأن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا اعتزل عن النَّاس وخلا بنفسِه أتاه هذا الخير العظيم، وكلُّ أحدٍ إذا امتثل ذلك [76] أتاه الخير بحسب ما قَسَم الله له مِن مقامات الولاية.

الخامس عشر: فيه دليل على [77] التَّسبُّب في الزاد ودخول المعتَكَف أو الخَلوة أو الوجهة به، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يخرج إلى التَّحنُّث بما يصلحُه مِن زاده للعيش طولَ مُقامه فيه.

والحكمة في ذلك: أنَّ الخروج بالزاد فيه إظهارٌ [78] لوصف العبودية [79] وافتقارِها وضَعفِها، لأنَّ المرء أبدًا ليس له قوة على تلك الأمور إلا بإعانةٍ مِن الله سبحانه،

ج 1 ص 11

والخروجُ بغير زاد فيه شيءٌ ما مِن الادِّعاء، وإن كان لم يُنْطَق [80] به ولم يُنوَ، فيُخاف على فاعل ذلك أن يَكِلَه الله لنفسِه، فيعجِزَ عن تَوْفية ما أراد في وجهته، ولأجل هذا المعنى كان بعض أهل الصوفة [81] مِن شدَّة ملاحظتِه للسنَّة إذا دخل لخلوته وتعبُّدِه [82] أخذ رغيفًا مِن خبز [83] وألقاه تحت وِسادتِه ويواصل الأيام العديدة ولا يأكل منه شيئًا، فرآه بعض تلامذته كذلك فأخذ الرَّغيف مِن تحت الوسادة، ثمَّ تفقَّد الشيخ الرغيف فلم يجده فصاح على مَن لاذ به صيحةً منكرة وأغلظ عليهم فيما فعلوا [84] ، فقالوا: ليس لك به حاجة، فلِمَ تَتَّخذه هناك؟ فقال لهم: أتظنُّون أنَّ ما تَرَون مِن قوَّة هي منِّي [85] ؟ بل فضلٌ مِن الله ومِنَّة، أرأيتم إن رُدِدْتُ إلى حال البشريَّة كيف أفعل؟ فكان يعمل على حال ضَعفه والعادة الجارية التي يقدر البشر عليها، وما كان مِن غير ذلك يراه فضلًا مِن الله عليه وهو حامله، كل ذلك عملٌ [86] على ما أشرنا إليه أولًا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وفيه أيضًا وجه آخرَ مِن الحكمة وهو: أنَّ الخروج بالزاد مِن باب سدِّ الذريعة، لأنَّ الزاد إذا كان حاضرًا لم يبقَ للنفس تَشَوُّفٌ [87] ولا تَعَلُّقٌ، وقد جاء في الحديث: (( إنَّ [88] النَّفْسَ إِذَا كانَ مَعَهَا قُوتُهَا اطْمَأَنَّتْ ) ). هذا مع إمكان وجود القُوت مِن حِلِّه ووجهه، وإلَّا فالله هو الرَّزَّاق [89] ذو القوَّة المتين. وقد كان عليه السَّلام عند عدم القوت [90] يربط على بطنِه ثلاثة أحجار مِن شدة الجوع والمجاهدة، ولا يتسبَّب في الزَّاد ولا ينظر إليه.

السَّادس عشر: فيه دليل على أنَّ المرء إذا خرج لتعبُّده أنْ يُعْلِم أهلَه ومَن يلوذ به بموضعِه، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يخرج إلى الغار وأهله يعلمون بموضعِه، وماذا [91] يريد بخروجِه والحكمة في ذلك

ج 1 ص 12

من وجوه:

الوجه الأوَّل: أنَّه معَرَّضٌ هو [92] وأهله لِمَا يطرأ عليهم مِن الأمراض وغيرها مِن الأعراض، فإذا كان للأهل عِلْمٌ بموضعِه عَلِموا إلى أين يذهبون إليه إذا طرأ شيء مِن ذلك.

الثَّاني: أنَّ في إخبار الأهل بذلك [93] إدخال سرور [94] عليهم وإزالةً للوسواس [95] عنهم، لأنَّهم يتوقعون مصيره إلى مواضع مختلفة ممكنة فإعلامه لهم بذلك إزالة لِمَا ذكرناه، وإدخال السرور عليهم لكونهم يعلمون أنَّه منقطع للتعبُّد ومشغول [96] به، وفي إدخال السُّرور مِن الأجر والثواب [97] ما قد عُلِم.

الثَّالث: ما في ذلك مِن الدعوة للأهل والإخوان للتعبُّد وإن كان لم [98] يطلب ذلك منهم، لأنَّ الغالب مِن النفوس الانبعاث لِمَا يتكرر عليها مِن الأمور.

الرَّابع: أن مَن عرفَه منقطعًا للتعبُّد ومشغولًا به فإن أراد صحبتَه صَحِبَه على ما هو بسبيله مِن غير أن يُدخِل عليه خللًا في طريقه، ومَن أراد غير ذلك لم يَصْحَبه فاستراح منه وزال عنه ما يلحقه مِن التَّشويش [99] في مخالطتِه.

الوجه [100] السَّابع عشر: فيه دليل على أنَّ الشغل اليسير [101] الضَّروريَّ لا يكون قاطعًا للعبادة، لأنَّها أخبرت أنَّه عليه السَّلام كان يخرج إلى التعبُّد اللَّياليَ العديدة، ولم يذكر [102] ذلك في رجوعِه إلى أهله فدلَّ على أنَّ ذلك ضدُّ الكثير [103] وهو اليسير، واليسير مع الكثير في حكم التَّبَعِ ثمَّ رجوعه ثانية إلى التَّعبد دالٌّ على تعلُّق قلبه بالعبادة ما دام في الضرورة التي [104] خرج إليها فهو يعبد مستمرًا [105] ، ومثل ذلك المعتكِف [106] يخرج [107] لحاجة الإنسان وشراء القوت وحرمة الاعتكاف عليه ولم يحكم له إلا بأنَّه معتكف متوجِّه، وإن كان يتصرف فيما [108] ذكرناه، يشهد

ج 1 ص 13

لِمَا قرَّرناه قوله عليه السَّلام: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ) )وذكر فيهم [109] : (( رَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسَاجِدِ ) ). فلم يضرَّه خروجُه عنها لتعلُّق قلبه بها وأجزل له هذا الخير العظيم، ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصوفة [110] في عَمارة قلوبهم بالحضور [111] والأدب على أيِّ حالة كانوا مِن شغلِ مُباح أو تَخَلٍّ [112] ، فلمَّا صَفَتْ بواطنهم [113] تسمَّوا باسم الصُّوفَة [114] مشتَق مِن الصفاء.

الثَّامن عشر: قولها: (حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ) تريد بَدْءَ الوحي، لأنَّ العرب تسمِّي الشيءَ بمبادئِه، وتسمِّي البعضَ بالكُلِّ والكُلَّ بالبعض.

التَّاسع عشر: قولها: (فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ) فيه دليل عل جواز التَّورِيَةِ وهي [115] إظهار شيء والمراد غيره. لأن جبريل عليه السَّلام كان يَعلَم أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان لا يقرأ، ولكن قال له ذلك ليتَوصَّل به إلى ما يريد مِن التأديب على ما سيأتي، وكذلك كان [116] النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يفعل إذا أراد أن يخرج إلى جهة يغزوها أَوْمأَ إلى غيرها إلا في غزوة واحدة لِبُعْدِها، وكذلك فعلت عائشةُ رضي الله عنها على ما سَنُبَيِّنُه في حديث الإفْك إن شاء الله تعالى.

لكنْ يُشتَرط في هذه التَّوْرِية [117] ألَّا يقع للغير به ضررٌ ممنوع شرعًا [118] ، لأنَّ جبريل عليه السَّلام لم يفعل ذلك وللنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيه [119] ضرر، بل كان ذلك مصلحة له على ما يُذكر بَعْدُ، لأنَّه لو كان التأديب بغير سبب لكان ذلك زيادة في النُّفور والوحشة، فانظر مع السبب [120] والتلطُّف في الأدب كيف رجع عليه السَّلام يقول: (( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) ). ولولا ما جُبل عليه صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الشَّجاعة وما مُدَّ به مِن العَوْن ما استطاع على تلقِّي ذلك،

ج 1 ص 14

لأنَّ الأمر جليل.

العشرون: فيه دليل على أنَّ أمر السَّائل إذا كان يحتمل وجهين _ أو وجوهًا _ فليجاوب المسؤولُ على الأظهر مِن المحتمَلات [121] ويَتركْ ما عداها، لأنَّه لمَّا أنْ [122] كان لفظ جبريل عليه السَّلام يحتمل طلب القراءة مِن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ابتداءً وهو الأظهر، ويحتمل طلبَ القراءة منه لِمَا يُلقَى إليه وهو المقصود في هذا الموضع، لما ظهر بعد إجابة [123] النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أظهرِ الوجوه وهو المعهود مِن الفصحاء في تخاطبهم.

الواحد والعشرون: قوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [124] } [العلق: 1 - 3] .

فيه دليل لمن ذهب مِن العلماء: أنَّ أوَّلَ الواجبات الإيمانُ دون النظر والاستدلال، وأنَّ النَّظرَ والاستدلال شرطُ كمال لا شَرْطَ صِحَّة، لأنَّ قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] . تَمَّتْ به الفائدة، وحصل به الإيمان المجزي، وقوله بعد ذلك {الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ [125] الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 1 - 2] . هو طلب النَّظر والاستدلال وهو زيادة كمال الإيمان؛ لأنَّ الأنبياءَ عليهم السَّلام أكملُ النَّاس إيمانًا، ولم يفرِضِ الله عزَّ وجلَّ على النَّاس على أيديهم إلَّا الإيمانَ المجزي، وبقي الكمال يَهُبه الله لمن يشاء مِن أتباعهم. يشهد لِما قرَّرناه قوله عليه السَّلام: (( أُمْرِتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ... ) )الحديث، فلم يَطلب منهم إلا النطقَ بكلمة الإخلاص ولم يَشْترط [126] في ذلك نظرًا ولا استدلالًا.

الثَّاني والعشرون: لقائل أن يقول: لِمَ أُنْزِلت هذه الآية أولًا قبل غيرها مِن آي القرآن؟ أعني: قوله عزَّ وجلَّ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ

ج 1 ص 15

وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [العلق:1 - 3] . والجواب: أن تقول [127] : إن كان ذلك تعبُّدًا فلا بحث، وإن كان ذلك [128] لحكمة فحينئذٍ نحتاج إلى البحث فيها، ومعنى قوله [129] : (تَعَبُّدًا) أي: تعبَّدَنا الله بذلك ولم يُطلِعنا على [130] الحكمة فيها، وأمَّا الأمر في نفسه فلا بدَّ فيه مِن حكمة وهو عزَّ وجلَّ يعلَمُها، ومَن شاء أطلعَه [131] عليها، وظاهر مسألتنا هذه أنَّها لحكمةِ تُفهَم وتُعْرَف مِن لفظ [132] الآي.

بيان ذلك: أنَّ هذا الكلام دلَّ بمنطوقه وما يتضمَّن مِن الفوائد على ما تضمَّنَه القرآن إجمالًا، بيانه: أنَّ كلَّ ما كان في القرآن مِن آيات الإيمان والتَّوحيد والتَّنزيه [133] دلَّ عليه مضمون اسم (الرُّبُوبيَّة) ، وما كان فيه [134] الأمرُ والنَّهي والتَّرغيبُ والتَّرهيبُ والنَّدْبُ والإرشادُ والْمُحَكُم [135] والْمُتَشَابِهُ دلَّ عليه مضمون [136] مقتضى حكمة الرُّبوبيَّة، وما كان فيه مِن استدعاء الفكر [137] والنظر والاستدلال وما أشبه ذلك دلَّ عليه متضمَّنُ [138] مقتضى قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق:1 - 2] .

وما كان فيه مِن الرحمة والمغفرة والإيناس والإنعام والتَّرجي والإحسان والإباحة [139] وما أشبه ذلك دلَّ عليه متضمَّنُ كرَم الربوبية، فلمَّا كان بعدَ هذا الإجمال أنزلت [140] الآيات بحسب ما احتيج إليها [141] مبيِّنة بالنص لِمَا تَضمَّنه هذا الكلام الجليل مِن الإجمال، فلمَّا كَمُلَت معاني ذلك الإجمال تَبْيِينًا وتفسيرًا قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] ، أي: ما أَجْمَلْتُ [142] لكم أولًا اليومَ أَكْمَلْتُهُ لكم في التنزيل مُفَصَّلَا؛، لأنَّ متضمَّن الكمال يقتضي قبله إجزاء، والإجزاء هو ما أشرنا إليه مِن الإجمال، فكان [143] الأوَّل مصدِّقًا [144] للثَّاني، والثَّاني مصدِّقًا للأوَّل، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النِّساء: 82] .

الثَّالث والعشرون: في الآية شَبَهُ الحال

ج 1 ص 16

والإشارة [145] بالتَّسلي للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والصَّبر عند نزول الحوادث، والوعد له بالنَّصر والظَّفر، لأنَّ نسبته عليه السَّلام الآن منفردًا في أوَّل أمره [146] كنسبته في خَلْقِه أولًا عَلَقة فالإشارة إلى الامتحان بانتقال العَلَقة بالتطوير حتى رَجَعَ [147] بشرًا، ثمَّ الخروج إلى هذه الدَّار وهي دار المكابدات، فالإخراجُ مقابِلُه [148] الخروج، والتَّطويراتُ مقابِلُها [149] التغييراتُ، والإشارة إلى اللُّطف [150] في إخراجه مِن ظلمة الأحشاء [151] بلا نَصَب ولا أذى وتيسير اللطف له بالغِذاء، مثل إجراء اللَّبن له مِن بين فَرْثٍ ودمٍ بلا تعب ولا عناء، والإشارة إلى النصر [152] والظهور بما رُزِق بعد ذلك الضعف مِن كمال القُوى والعقل والتصرُّف ودفع المضارِّ وجلب المنافع فلم تضرَّه تلك التطويرات حتى [153] صار أمره إلى هذا [154] الحال.

فكذلك خروجه عليه السَّلام الآن بالضعف، لأنَّه وحيد فيما يأتي به يدعو لشيء [155] لا يُفهم عنه ولا يُعرف للعوائد التي جَرَت بضدِّ ما يدعو إليه فكأنَّه عزَّ وجلَّ يقول له في ضمن ذلك [156] الكلام: لا تهتم لشيء [157] مِن ذلك فإنَّ العاقبة بالنصر [158] لك وبالظفر، يؤيد ما أشرنا إليه قوله تعالى {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [159] لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] .

فما سُلِّيَ به بالضمن فيما نحن بسبيله صُرِّح له [160] في هذه الآية؛ لأنَّه [161] عزَّ وجلَّ مَثَّله [162] بالزرع الذي يخرج وحدَه أولًا منفردًا [163] ثمَّ أخرج شَطأه أي: أفراخَه، فاستوت [164] الأفراخ والأصل وتلاحقت بالسُّنبُل فنوَّرَت وأينَعت، فأعجبَ الزُّراعَ وأغاظَ الكُفَّار، فسبحان القادر على ما شاء [165] كيف شاء.

وبهذه الإشارة تعلَّق أهل الصوفة [166] فأخذوا في الاتِّباع في الأقوال والأفعال وفي كل الأحوال،

ج 1 ص 17

ولم يلتفتوا إلى ضَعفهم ولم يعرِّجوا على عوائد غيرهم وزادهم على ذلك يقينًا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] . فأيقنوا بالنصر، ثمَّ جَدُّوا في الطلب فأُجزِل لهم ما وُعِدوا [167] كما أُجزِل ذلك لنبيِّهم صلَّى الله عليه وسلَّم {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] . فانتَبِه إن كنتَ لبيبًا لفهم المعنى الغريب واسلُك الطريق النَّجيب، فإنْ أَبَيْتَ فعند انكشاف غُبار الواقعة يبينُ [168] لك قَدْرُ ما ضيَّعت وفيما ذا فرَّطت.

الرَّابع [169] والعشرون: قوله: (( فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ) )يريد أنَّه ضَمَّه إليه حتى بلغَ منه الجَهد، والجَهْدُ عبارة عن شدَّة الغَطِّ والضَّمِّ.

الخامس والعشرون: فيه دليل على المبالغة في التَّأديب مالم يُؤدِّ ذلك إلى المحظور [170] ؛ لأنَّ شدَّة الغطِّ مبالغةٌ في التَّأديب، وقد أمر عليه السَّلام بذلك وحضَّ عليه فقال: (( لأَنْ يُؤَدِّبَ أَحَدُكُمْ ابْنَهُ خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يَتَصَدَّقَ بصاعِ طعامٍ ) ). فجعل عليه السَّلام تأديب الابن أعلى مِن الصَّدقة، وهي مِن أفعال البِرِّ بحيث لا يخفى موضعُها وبه يستدلُّ أهل الصوفة [171] على تأديب النَّفس؛ لأنَّها أجَلُّ مِن تأديب الابن، يشهد بذلك [172] قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] . ومجاهدة النفس هو تأديبها فأورثهم هذا التأدُّبُ [173] الهدايةَ إلى سبل [174] الحق، ولا يؤخذ هذا القَدْر مِن الخير بغيرها مِن أفعال الطاعات، فلمَّا أن كان في التأديب هذا الخير العظيم بُدِئ به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على القاعدة [175] التي قرَّرناها وهو أنَّه عليه السَّلام بُدِئ في المبادئ بكلِّ خيرٍ [176] حُسنٍ بادئ.

السَّادس والعشرون: فيه دليل على جواز التأديب مِن المعلِّم للمتعلِّم؛ لأنَّ جبريل عليه السَّلام ضمَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه

ج 1 ص 18

تأديبًا له حتى يحصل له التأديب [177] لِمَا يُلقَى إليه، لكن يكون التأديب بحَسَب حال الْمُؤدَّب والْمُؤَدِّب له، لأنَّ هذا التَّأديب _أعني تأديبَ جبريلَ عليه السَّلام للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم_ تأديبُ حبيبٍ لمحبوبٍ فكان بالضمِّ والغطِّ، لا بالضَّرْب و الإهانة.

السَّابع والعشرون: فيه دليل لمن ذهب مِن الفقهاء على أنَّه ليس للمؤدِّب أن يضرب فوق الثَّلاث؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن له هذا التأديب [178] إلَّا ثلاثًا.

الثَّامن والعشرون: فيه دليل على أنَّ كتاب الله تعالى لا يُؤخذ إلَّا بِقُوَّة، لأنَّ جبريل عليه السَّلام ضمَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه ليتلقى [179] الأمر بالأهبة [180] ويأخذه بِقُوَّة، وقد قال عزَّ وجلَّ ليحيى عليه السَّلام: {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12] . فهناك بالقول، وهنا بالفعل والأمر.

التَّاسع والعشرون: فيه دليل على أنَّ كلام الله عزَّ وجلَّ حين نزوله ثقيل [181] يشهد لذلك قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] . وشدَّة [182] الغَطِّ هنا تدريج [183] لِحَمْل الثِّقل.

الثَّلاثون: فيه دليل على [184] اتصال جِرْم الغاطِّ بالْمُغِطِّ وضمِّه إليه يُحْدِثُ له [185] في الباطن قوةً نوريَّة متشعشعةً [186] تكون عَوْنًا على حمَل ما يُلقَى إليه، لأنَّ جبريل عليه السَّلام لمَّا اتصل جِرمُه بذات محمَّدٍ السَّنيَّة حدث له بذلك ما ذكرناه وهو حملُه [187] ما أُلقي إليه ووقوفه لسمع [188] خطاب المَلَك ولم يكن قبلُ [189] له ذلك.

وقد وجد ذلك أهلُ الميراث مِن أهل الصوفة المتَّبعين المتحقِّقين [190] ؛ حتى لقد حُكي عن بعض فضلائهم أنَّه أتاه ناس ينتقدون [191] عليه، وأبى [192] عن إجابتهم وكان بحضرته رجل مِن العوام راعيًا لغنم، فدعاه الشيخ فضمَّهُ إليه [193] ثمَّ قال له: أجِبْ هؤلاء عمَّا سألوا عنه، فأجاب الرجل وأبلغ في الجواب، ثمَّ أوردوا عليه مسائلَ [194] فبقي يُفَصِّلُ [195]

ج 1 ص 19

ويَمنع ويُجِيز حتى قَطَعَ مَن حضر [196] مِن الفقهاء في البحث، ثمَّ دعاه الشيخ فضَمَّه إليه فإذا هو قد رجع إلى حاله الأول [197] لا يعرف شيئًا، فقال له [198] الرجل: يا أيُّها السَّيد إنَّ الفقراء إذا وَهَبوا شيئًا لا يرجعون فيه، فقال له: نعم هو كذلك، ولكن ليس لك نسبة في ذلك [199] الشأن ثمَّ بَشَّرَهُ بخير وكان كذلك. فهذا قد وُجِد في ملامسة [200] بشرٍ لبشرٍ [201] وهو وارِث فكيف ملامسة [202] جسد الموروث [203] بجسد الروح الأمين؟.

الواحد والثلاثون: لقائل أن يقول: قد اختلف العلماء هل البشر أفضل مِن الملائكة أو بالعكس؟ على قولين، فعلى قول مَن يقول: إنَّ [204] البشر أفضل مِن الملائكة فمستحيل أن تحصل القوَّة للأفضل بملامسة المفضول، والجواب [205] : إنَّا لا ننظر [206] هنا إلى الأفضلية بالذَّوات وإنَّما ننظر هنا [207] مِن قِبَل المعنى وهي موجودة هنا، لأنَّ جبريل عليه السَّلام كان حامِلًا لكلام الله عزَّ وجلَّ في ذلك الوقت فحصلت له الفضيلة [208] لأجل ما احتمل، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن عنده القرآن إذ ذاك، يشهد لهذا ما رُوِيَ [209] : (( أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ أَجْوَدَ النَّاس، وَأَجْوَدُ [210] مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ ) ).

الثَّاني والثلاثون: فيه دليل لأهل الصوفة [211] حيث يقولون: إنَّ [212] التَّحلِّي لا يكون إلا بعد التَّخلِّي؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم تخلَّى أولًا حتى لم يبقَ من مجهوده غاية، فلمَّا أن كانت تخليته [213] أفضل وأشرف مِن تخلِّي غيره _ والبشر قاصر عن التَّخلي _ لمَّا [214] ضَمَّه جبريل عليه السَّلام حتى حصل له تخليًا مِن نسبة ذلك التخلي [215] ، ولذلك قال: (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي [216] الجَهْدَ) لأن التخلِّي [217] هو ضَمُّهُ إليه حتى بلغ مِن

ج 1 ص 20

مجاهدة النفس الغاية. والتَّحلِّي [218] هو إلقاء الوحي إليه، وهذا [219] دليل على ما قدَّمناه وهو أنَّ مَن دخل في الطريق بالتربية والتدريج أفضل ممن لم يكن له ذلك.

إذ هذا [220] تربية وتدريج للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فما كان عليه السَّلام يَرْقَى [221] إلى مقام حتى يُحكِم أدب الأوَّل ويَفْهَم معناه وما احتوى عليه مِن الفوائد، ولأجل هذا المعنى الذي أشرنا إليه كان النَّاس أبدًا ينتفعون على يد مَن كان مربِّيًا، وقليل مَن ينتفع على يد [222] مَن كان دخوله بغير ذلك.

الثَّالث والثلاثون:

لقائل أن يقول لِمَ كان الغطُّ [223] ثلاثًا ولم يكن أقلَّ ولا أكثرَ؟ والجواب مِن وجهين:

(الأوَّل) : أنَّ البشرية فيها عوالم مختلفة فمنها العقل ومُوافِقُه وهو المَلَك، ومنها النَّفس والطَّبع والشَّيطان ومُوافِقُهم وهو الهوى والغفلة والعادة المذمومة وهي [224] أشدُّها لقول الأمم الماضية: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] . فلم يجدوا حُجَّة إلَّا بالعادة الجارية فيهم وفي آبائهم.

وقد قالت الأطباء: إنَّ [225] العادةَ طَبْعٌ خامس فكانت الثلاثُ غطَّات مُذهِبةً لتلك الخصال الثلاث [226] وموافقيها [227] وبقي [228] العقل والمَلَك اللذان [229] هما قابلان للحقِّ والنور، وإنْ كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خُلِقَت [230] ذاتُه المكرَّمة على الطهارة ابتداءً ونُزِعَتْ [231] مِن قلبِه عَلَقةُ الشَّيطان وأُعِيْنَ على شيطانه حتى أسلم، وجُبِل على كلِّ خير ومَكْرُمة [232] لكن هذه الثلاثَ غطَّاتٍ مقابِلةٌ لتلك الثلاث أن [233] لو كانت هناك، لأنَّها مِن أوصاف البشرية وهو عليه السَّلام المشرِّع [234] .

ومثل ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . وثيابه عليه السَّلام كانت طاهرة على كل التَّأويلات لكنَّ هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشرية وترَقِّيها، وهو عليه السَّلام الأصل لكلِّ خير [235]

ج 1 ص 21

والمشرِّع له فَعُومِلَ على ما تقتضيه [236] البشرية [237] لهذا المعنى.

(الوجه [238] الثَّاني) : أنَّ الإيمان على ثلاث مراتب: إيمان وإسلام وإحسان، فكانت الثلاث غطَّاتٍ مبالغةً في التَّخلِّي [239] ، كل درجة في التَّخلِّي [240] مقابلتها درجة في التَّحلِّي [241] حتى كمُل [242] أعلى الإيمان وهو الإحسان؛ لأنَّ [243] مِن ضرورات الأنبياء عليهم السَّلام أنْ يكون إيمانهم أقوى مِن إيمان أتباعهم، لأنَّ مقامهم أجلُّ وأرفع [244] .

الرَّابع والثلاثون: فيه دليل على أنَّ التَّخلِّي [245] على ضربين: مكتسَب وفيض من الله سبحانه، فالمكتَسَب مثل ما تقدَّم عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الخَلوة في الغار والتَّحنُّث فيه، والفيض: هو ما نحن بسبيله مِن الغطِّ والضمِّ. فقد يكون مِن السَّالكين مِن [246] تخلِّيه [247] بالكسب لا غير، وقد يكون تخلِّيه [248] بالفيض لا غير، مثل إبراهيم بن أَدْهمَ و الفُضَيْل بن عياض [249] وغيرهما، وقد يُجمع لبعضهم بين الحالتين فيَكْتَسِب ويُفاض عليه كما فُعِل للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكثيرٌ [250] ما هُم، وهو فضل الله يؤتيه مَن يشاء.

الخامس والثلاثون: قول جبريل عليه السَّلام للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: {اقْرَأْ [251] بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] . يريد اذكر اسمَ ربك.

وفيه دليل على أنَّ الإنسان إنَّما يخاطَب أولًا بما [252] يَعْرِف أنَّه يصل إلى فهمِه بسرعة مِن غير مشقَّة ولا بحث [253] يحتاج إليه، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد [254] أحال نبيَّه عليه السَّلام أولًا على [255] أن ينظر في خَلْق نفسه وبقوله [256] عزَّ وجلَّ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] . ولم يقُل له: الذي خلق السموات والأرض والأفلاك وغير ذلك، وإنَّما قال له ذلك بعد ما تقرَّر له خَلْق نفسه وما هو عليه، وجعل له [257] مِن المادَّة الإلهيَّة ما يتسلَّط به على ذلك.

السَّادس والثلاثون: فيه دليل على أنَّ الفكرة أفضل الأعمال، لأنَّ في ضمن قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] .

ج 1 ص 22

ما [258] يستدعي الفكرة فيما قيل حتى يحصلَ للمخاطَب بذلك علمٌ قطعي وإيمان صادق، وليس الإيمان به والتَّصديق بعد الفكرة كالإيمان به [259] بديهة، ولهذا المعنى أشار عليه السَّلام بقوله: (( تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادةِ سَنَةٍ ) ). وفي رواية: (( خَيْرٌ مِنْ عِبَادةِ الدَّهْرِ ) )؛ لأنَّ المرء إذا تفكر قوِيَ إيمانه وبان له الحقُّ واتَّضَح، وبقدر تعمُّقِه في الفكرة يَقْوَى الإيمان، ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء: أنا أوصيك بأن [260] تديم النظر في مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك يَبِينُ [261] لك الحقُّ.

السَّابع والثلاثون: فيه دليل على أنَّ المتفكِّر إذا تفكَّر في عظمة الله وجلاله فينبغي [262] أن يتفكَّر عقيب [263] ذلك في عفو الله وكرمِه وإحسانِه؛ لأنَّ قوله [264] عزَّ وجلَّ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] . معناه ما تقدَّم [265] وهو استدعاء الفكرة فيما نصَّ عليه وذلك يقتضي العظمة والإجلال، ثمَّ قال عزَّ وجلَّ بعد ذلك: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [266] } [العلق: 3] . وهذا الاسم يتضمَّن معاني الأسماء كلِّها الموجبة لِلُّطْف [267] والإحسان، نسأل الله بِمَنَّه أن يعاملنا بمقتضى متضمَّنِه. والحكمة في منع التفكُّر [268] في عظمة الله دون ما يُضادُّها أنَّ المتفكِّر إذا تفكَّر فيها وحدَها قد يُخاف عليه لئلَّا يذهب به الخوف إلى بحر التَّلف، وهو القنط، فإذا أعقبه بالتفكُّر في مقتضى الرحمة والإحسان أَمِنَ مِن [269] ذلك.

الثَّامن والثلاثون: فيه دليل على أنَّ مَن أصابه أمر [270] فله أن يتداوى بحسَب ما اعتاد ما لم يكن فيه حرام؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا أنْ أصابه الرُّعب رجَع إلى ما اعتاد مِن التَّدثير، يقول: (زَمِّلُونِي) [271] ، وقد قال عليه السَّلام [272] : (( تُدَاوَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا اعْتَادَتْ ) ).

التَّاسع والثلاثون: قولها (فَرَجَعَ بها رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) رجع [273] بها: بمعنى حَفِطها. فظهرت هنا [274] ابتداء فوائدُ الغَطِّ [275] لسرعة الحفظ لما أُلقي إليه، والرَّجْف:

ج 1 ص 23

كناية عمَّا لحقه عليه السَّلام مِن الخوف والوَجَلِ، والفؤاد: كناية عن باطن القلب، لأنَّ الخوف [276] والفرح فيه.

الأربعون: قولها: (فَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ) فيه دليل على [277] أنَّ الاختصار في الكلام هو المطلوب وأنَّه هو الأولى، لأنَّها ذكرت خَبَره مع المَلَك، فأعادت [278] الضمير عليه ولم تَحْتَج إلى إطالة [279] الكلام بإعادة ذكر الملَك ثانية وهو مِن فصيح كلام العرب.

الواحد والأربعون: قوله عليه السَّلام: (( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ) ). خشيَتُه عليه السَّلام هنا تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون خشيتُه مِن الوَعْك [280] الذي أصابَه مِن قِبل المَلَك، فخشي أن يُقيم [281] بالمرض مِن أجل ذلك. الثَّاني: أن تكون خشيته عليه السَّلام مِن الكهانة وهو الأظهر؛ لأنَّه عليه السَّلام كان يُبغض الكَهَنة وأفعالَهم، فلمَّا جاءه الملَك ولم يصرِّح له بعدُ بأنَّه [282] نبيٌّ أو رسول، لأنَّه قال له [283] : {اقْرَأْ} [العلق: 1] . وتلا عليه الآية. وليس في ذلك ما يدلُّ على أنَّه نبي أو رسول خشِي عليه السَّلام إذ ذاك أن يُصيبَه مِن الكهانة شيءٌ. لأنَّها كانت في زمانه كثيرة، وهذا منه عليه السَّلام كثرةٌ مبالغة في الاجتهاد وتمحيصٌ في الأفعال؛ لأنَّه قد صحَّ أنَّ الحَجَرَ كان يخاطبه قبل ذلك ويشهد له بالرسالة والمدَر والشجَر كذلك.

وقد أخبرَه بعض [284] الرُّهبان بذلك لكن بعد هذا كله لمَّا أنْ أصابه عليه السَّلام هذا الأمر، وهو محتملٌ لوجهين: أحدهما ضعيف والآخر قويٌّ بتلك الأدلة التي ظهرت له قبل، لم [285] يترك الوجه المحتَمَل وإن كان ضعيفًا حتى تحقق [286] بطلانه بيقين [287] .

وبه يستدلُّ أهل الصوفة [288] في الواقع إذا وقع لهم محتمل لوجهين [289] أو وجوه، واحدها [290] يُخاف منه والوجوه الأُخَرُ مِن المبشِّرات أنَّهم يبحثون على [291] الشيء الذي يخافون [292] منه،

ج 1 ص 24

وإن كان ضعيفًا بالنِّسبة إلى غيره، يشهد لِمَا قرَّرناه مِن أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانت خشيته مِن الكهانة جوابُ خديجة له [293] بذلك، و كيف رفعَته إلى وَرَقَةَ فلو كانت خشيتُه عليه السَّلام مِن المرض لَمَا كان جواب خديجة إليه بتلك الألفاظ ولَمَا احتاج أن يبثَّ خبرَه عليه السَّلام لِوَرَقَةَ.

الثَّاني والأربعون: قول خديجة له عليه [294] السَّلام: (كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ) فيه دليل على أنَّ مَن طُبِع على أفعال الخير لا يُصيبُه مكروه، هذا إذا كان ذلك طبْعًا، وأمَّا مَن لم يكن له ذلك طبعًا وكان يستعملها فيُرجَى [295] له ما دام يفعلها أنْ لا يُصيبَه مكروه، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا أنْ طُبِع على تلك الأوصاف الحميدة حُكِم له بأنَّه لا يُصيبه مكروه للعادة التي أجراها الله تعالى لمن كان ذلك حالَه. وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَصَانِعُ [296] الْمَعْرُوفِ تَقِي [297] مَصَارعَ السُّوءِ ) ).

الثَّالث والأربعون: فيه دليل على جواز الحكم بالعادة لكنَّ ذلك بشرط يُشترط [298] فيها وهو أن لا يقع بذلك خلَل في الأمر والنَّهي، لأنَّ خديجة رضي الله عنها حكَمت بما أجرى الله مِن العادة [299] فيما ادَّعته ولم يعارض ذلك شيء مما ذكرناه.

الرَّابع والأربعون: فيه دليل على أنَّ للمرء أن يحلف على عادة أجراها الله عزَّ وجلَّ لعباده، لأنَّ خديجة رضي الله عنها حلَفت على ما تقدَّم ذكره.

الخامس والأربعون: فيه دليل على أنَّ المرء [300] إذا أصابَه أمر مهمٌّ فله أن يُحَدِّثَ بذلك أهله ومَن يَعْتَقِدُ مِن أصحابه إذا كانوا ذا [301] دين ونَظَر، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا أنْ وقع له ما وقع حدَّث به خديجة رضي الله عنها وهي في الدِّين والنَّظر السَّديد [302] والعقل الرَّشيد بحيث لا يخفى.

ج 1 ص 25

السَّادس والأربعون: فيه دليل على أنَّ مَنِ ادَّعى شيئًا فعليه أنْ يأتي بالدليل على صِدق دَعواه، وإنْ كانت تشهد له أدلةُ على مقاله [303] ، وله بما [304] يستدلُّ به زائدًا على تلك الأدلَّة فليأْتِ به أولًا [305] ليقوى ما ادَّعاه وإن كان صادقًا في نفسه مصدَّقًا عند غيره، لأنَّ خديجة رضي الله عنها كانت في الصِّدق والتَّحرِّي حيث كانت، وكانَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تصديقها حيث كان على ما تقرَّرَ [306] مِن أحوالهم وعُلِم ولكن بعد [307] ذلك كلِّه لمَّا أنْ قالت للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا) لم تقتصر على ما ادَّعته حتى [308] أتتْ له بالأدلة التي هي سبب ما أخبرت به مِن محامِده عليه السَّلام ومآثره، ثمَّ لم تُقْنِعها [309] تلك الأدلة [310] حتى [311] ذهبت معه إلى وَرَقَةَ نُصرةً لدعواها [312] حتى أثبتت ما ادعته بغير شكٍّ ولا احتمال.

السَّابع والأربعون: فيه دليل على أنَّ المرء إذا وقع له [313] واقع أنْ يسأل عنه أهل العلم والنُّهى، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا أن وقع له ما وقع ذهب إلى وَرَقَةَ الذي هو أعلمُ أهلِ زمانه وأفضلُهم بعدَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

الثَّامن والأربعون: فيه دليل على جواز خروج المرأة مع زوجها، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرج مع خديجة رضي الله عنها إلى ورقة. وقد رُوي عنه عليه السَّلام (أنَّه خَرَج مع [314] عِيالهِ بِلَيْلٍ بعدَ الرسالة فَلَقِيه بعضُ الصَّحابة فقال لهم: [315] (( إنَّها سَوْدة [316] ) )لكن ذلك بشرط يُشْتَرط [317] فيه وهو أن يكون فيما أباحته الشريعة وعلى [318] ما تقتضيه الشريعة [319] مِن السِّتْر وغير ذلك.

التَّاسع والأربعون: فيه دليل على أنَّ مَن وَصَف امرأً فلا يزيد على ما فيه مِن الصِّفات [320] الحميدة شيئًا، لأنَّ خديجة [321] رضي الله عنها أخبرت عن وَرَقَةَ بما كان فيه مِن المحامد ولم تزد عليها.

الخمسون:

ج 1 ص 26

فيه دليل على أنَّ أهل الفضل والسُّؤدَدِ إذا استشاروا امرأً [322] في شيء أن يبادر المستشار [323] في عَوْنهم ومشاركتهم، لأنَّ خديجة رضي الله عنها بادرت إلى الخروج مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين استشارها مِن غير أنْ تقول له: امضِ إلى فلان.

الواحد والخمسون: فيه دليلٌ على أنَّ المرء إذا تعرَّضت له حاجة عند أهل الفضل فالسنَّة فيه أن يُقدِّم عليهم [324] مَن يُدِلُّ عليهم إن وَجَد ذلك، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يمضِ وحدَه لِوَرَقَةَ وإنَّما مضى مع خديجة رضي الله عنها التي هي مِن قرابة وَرَقة.

الثَّاني والخمسون: فيه دليل على أنَّ مَن كان سفيرًا بين [325] أهل الفضل أنْ يتحرَّز في كلامه بينهم [326] ويُعطي لكلِّ واحد منهم مرتبتَه ومنزلتَهُ، لأنَّ خديجة رضي الله عنها قالت لورقة: (اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) تحرُّزًا منها على منزلة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لئلَّا تُخِلَّ بمنصبِه؛ لأنَّ العرب تقول لمن فوقها (أب) ولمن هو مثلها (أخ) ولمن هو دونها (ابن) فاستعملت هي (ابن الأخ) ؛ لأنَّه أعزُّ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فإنَّها لو قالت: «ابن» لكان يقتضي ترفيع المسمَّى بالأب على المسمَّى بالابن؛ لأنَّ البنوَّة أخفض رتبةً من منصب [327] الأبوَّة، ولو قالَت «أخ» لم يكن ذلك حقًّا [328] ؛ لأنَّ الأخوَّة تقتضي المماثلة في السِّنِّ [329] على عادة العرب، فأعطتْ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه وتحرَّزت في لفظها، لأنَّ العرب كانت عادتهم في الخطاب لمن يَكرُم عليهم وهو صغير في السنِّ ينادونَه: يا ابن [330] الأخ؛ لأنَّ العمَّ ليس له حقٌّ على ابن أخيه مثل ابنه.

الثَّالث والخمسون: فيه دَليل على أنَّ [331] التقدُّم [332] في الكلام على [333] أهل الفضل نيابةً عنْهم [334] وترفيعًا [335] لهم، لأنَّ خديجة رضي الله عنها بادرت في الكلام لورقة قبلَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خدمةً له وتكريمًا.

الرَّابع

ج 1 ص 27

والخمسون: فيه دليل على أنَّ الواقع إذا وقع لامرئ فهو [336] أَوْلَى أن يحدِّث به للعالِم مِن غيره، لأنَّ خديجة رضي الله عنها قالت لورقة: (اِسمعْ مِنِ ابْنِ أَخِيْكَ) وقد كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حدَّثها بالواقع فلم تُحدِّث به وأحالت على صاحب القصَّة [337] .

الخامس والخمسون: قول [338] وَرَقةَ: (هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ [339] اللهُ عَلَى مُوسَى) النَّاموس عند العرب هو داسوس [340] الخير أي: صاحب سرِّ الخير، والجَاسوس [341] بضدِّه أي: صاحب سرِّ الشرِّ، وفي هذا دليل للوجه الذي قدمناه، وهو الحكم بالعادة التي أجراها الله عزَّ وجلَّ لعباده، وأن يُحلَف عليها، لأنَّ ورقة إنَّما أخبر بأنَّ الآتي هو الْمَلَك لمَّا أن ذُكِرت له الصفات والعلامات إلا [342] لمِا يَعْهَد مِن عادة الله عزَّ وجلَّ أنَّه [343] لا يرسله إلا للنَّبيِّينَ والمرسلين [344] .

السَّادس والخمسون: فيه دليل على أنَّ للإنسان أنْ يتمنَّى الخيرَ لنفسِه، لأنَّ وَرَقَةَ تمنَّى أن يكون جَذَعًا في زمان إرسال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فينصُرَه، والجَذَعُ عند العرب هو الشَّاب [345] .

وقد اختلف العلماء في إيمان ورقة، فمِن قائل يقول: لم [346] يحصل له الإيمان بعد؛ لأنَّه لم يبلغ عمرُه زمنَ الرسالة. ومِن قائل يقول: قد حصل له الإيمان [347] وهو الأظهر؛ لأنَّه تمنَّى أن ينصُرَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومِن جملة النُّصرة أن يكون على طريقتِه وقد حصل له الإقرار بالرِّسالة حيث قال: (هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ [348] اللهُ عَلَى مُوسَى) فأقرَّ أنَّ الله عزَّ وجلَّ موجودٌ، وأنَّه هو الذي يُرسِل جبريل عليه السَّلام إلى أنبيائه عليهم السَّلام، وهذا هو الذي يُمْكِنه في ذلك الوقت؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن أُرسِل بعد.

السَّابع والخمسون: فيه دليل على أنَّ العالِمَ بالشيء يعرف مآلَه على جَرْي العادة،

ج 1 ص 28

فله أنْ يَحكم بالمآل إذا رأى المبادئ [349] . لأنَّ ورقة لمَّا أنْ عَلِم أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُرسِل إليه [350] عَلِم أنَّه لا بدَّ له مِن أن يُخرَج، فبصدقِ المبادئ [351] عَلِمَ حقيقة التَّناهي، لأنَّ تلك عادةٌ [352] أجراها الله عزَّ وجلَّ لم تختلف في أحدٍ من رسلِه على ما ذُكِر، وفي هذا دليل لِمَا قدَّمناه [353] مِن الحُكم بالعادة على الشرط الذي ذكرناه.

الثَّامن والخمسون: قوله عليه السَّلام: (أ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت