30 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ [1] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ... [2] ) ) الحديث. [خ¦445]
ظاهرُ الحديثِ دوامُ صلاةِ الملائكةِ على المصلِّي ما دامَ في مُصلَّاهُ الذي صلَّى فيه، وتستغفرُ له وتترحَّمُ [3] عليه، والكلامُ عليهِ مِن وجوهٍ:
منها: هل هذا على عمومِه في كلِّ مُصلٍّ، كانت صلاتُه تامَّةً أو غيرَ تامَّةٍ؟ فإن نظرنا مِن حيثِ اللغةُ قلنا: لكلِّ مصلٍّ، وليسَ بالقويِّ، وإنْ نظرنا مِن جهةِ الشرعِ: لماذا جُعِلَتِ الصَّلاةُ؟ وما هي الصلاةُ التي سمَّاها الشارعُ صلَّى الله عليه وسلَّم [4] صلاة [5] ؟ فإنَّه صلى اللهُ عليهِ وسلَّم قد قالَ للذي لم يُتِمَّ ركوعَه ولا سجودَه [6] في الصلاةِ: (( ارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لم تُصَلِّ ) ). فجعله مُصلِّيًا لغةً ولم يجعلْهُ مصلِّيًا شَرعًا [7] ، وقالَ عليه السلام فيما [8] إذا كَانَتِ الصلاةُ غيرَ مَقبولَةٍ: (( طُوِيَتْ كالثوبِ الخَلِقِ، وضُرِبَ بها وَجْهُ صاحِبِها ) )، وقالَ عليهِ السلامُ: (( مَنْ لم تَنْهَهُ صلاتُهُ عنِ [9] الفَحْشَاءِ والمُنكَرِ لم يَزْدَدْ [10] مِنَ اللهِ إلاَّ بُعْدًا ) ). فمَن لم يصلِّ حقيقةً [11] شرعًا ضُرِبَ [12] بصلاتِه وجهُه ولم يَزدَدْ مِن اللهِ إلَّا بُعدًا [13] ، كيفَ [14] تدعو له الملائكةُ أو تستغفرُ له؟ هذا محالٌ شرعًا وعَقلًا [15] ، فمِن جهةِ الشرعِ [16] قولُه تعالى: {أُولَئِكَ [17] يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159] ، فمَن كانَ اللهُ يلعنُه واللَّاعِنونَ كيفَ يُستغفَرُ له؟! وأمَّا [18] مِن [19] جهةِ العقلِ فمَن [20] يقتضي [21] عملُه العقابَ كيفَ تكونُ له دعوةٌ مِن الملائكةِ أو استغفارٌ؟! فيكونُ قولُه عليه السلامُ: (( صَلَّى فيه صَلَاة ) )يقع عليها
ج 1 ص 322
اسم صلاة حقًا [22] .
وبقيَ هنا بحثٌ: هل مَن قُبِلَ منهُ بعضُ صلاتِه ولم يُقبَل [23] البعضُ، هل يتناولُه ذلكَ الخيرُ أم لا؟ فالظاهرُ واللهُ تعالى أعلمُ أنَّه يُرجَى له ذلكَ، بدليلِ أنَّه يومَ القيامةِ تُكمَلُ له صلاتُه مِن نافلتِه، فهذا مِن أثَرِ ذلكَ الدعاءِ؛ لأنه عزَّ وجلَّ تفضَّل عليهِ وقَبِلَ مكانَ ما عجزه مِن الفرضِ نَفْلًا، يُؤخَذُ ذلكَ مِن [24] قولِهم: (اللَّهُمَّ [25] اغْفِرْ لَهُ) لأنَّه لا تكونُ المغفرةُ إلا لخللٍ [26] وَقَعَ، ومن [27] قولِهم: (اللَّهُمَّ [28] ارحَمْهُ) ، دلَّ على أن هناكَ عملًا يوجِبُ الرحمةَ.
وفيهِ دليلٌ على فضيلةِ الصلاةِ على غيرِها، يُؤخَذُ ذلكَ مِن كونِ الملائكةِ تَبقى تستغفرُ لهُ بعدَ فراغهِ منها وإنْ كانَ في شغلٍ آخرَ ما دامَ في موضعِ إيقاعِها فيهِ، ولم يأتِ مثلُ ذلكَ في غيرِها مِن العباداتِ.
وفيهِ دليلٌ لمنْ يُفضِّل الصالحينَ مِن بني آدمَ على الملائكةِ؛ لأنهم يكونونَ في أشغالِهم والملائكةُ يستغفرُون [29] لهم.
وهنا بحثٌ في قولِه: (في مُصَلَّاهُ) هل يعني بهِ الموضِعَ الذي أوقَعَ فيهِ الصلاةَ، الذي هوَ موضِعُ سجودِه وقيامِه أو البيتِ أو المنزلِ الذي جعلَه لمُصَلَّاهُ، فالجمهورُ [30] على أنَّه موضِعُ سجودِه وقيامِه، وقالَ بعضُهم _ وأظنُّه القاضي عياض _ أنَّه البيتُ الذي اتَّخذَه مسجدًا لصلاتِه، وإن لم يجلِسْ في [31] الموضع الذي [32] أَوْقَعَ فيه الصلاةَ، مثالُه: أنَّه إذا صلَّى في المسجدِ ثمَّ انتقلَ مِن الموضعِ الذي صلَّى فيه ولم يَخرُجْ مِن المسجدِ أنه تبقى [33] تدعوا له الملائكةُ، وكثيرٌ بين مُجمَعٍ عليه وقولِ واحدٍ [34] .
وقولُه: (ما لَمْ يُحْدِثْ) أي [35] الحَدَثَ الذي يَنقُضُ الطهارةَ.
وهنا بحثٌ: هل ذلكَ في [36] كلِّ الصلواتِ فرضًا كانتْ أو نفلًا؟ الظاهرُ ذلكَ لأنه صلَّى
ج 1 ص 323
الله عليه وسلَّم أتى بها نكرةً.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ السُّنَّةَ في البشرى أنْ تكونَ بالأقلِّ [37] ثم يختمَ بالأعلى؛ لأنه [38] أبلغُ في المَسرَّةِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن إجمالِهِ عليهِ السلامُ البشارةَ أولًا، وتبيينِها [39] آخرًا؛ لأن العامَّ [40] احتمَلَ أن يكونَ دعاؤُهم بالأَعلى مِنَ الأمورِ أو الأقلِّ، لكنْ حصلَ بذلكَ سرورٌ [41] لأنَّه زيادةُ خيرٍ، والذي أتى في التفسيرِ هي المغفرةُ والرحمةُ، فمن غُفِرَ له ورُحِمَ فهيَ أعلى الجوائزِ.
وفيهِ دليلٌ لأهل الصُّوفَةِ الذينَ يقولونَ إن الطاعَةَ إذا لم [42] تَتْبَعْها طاعةٌ أُخرَى فهي مَدخولَةٌ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قولِه عليهِ السلامُ: (الملائكةُ [43] تُصَلِّي [44] عليهِ ما دَامَ في مُصلَّاهُ) ، فلمَّا كانتْ صلاتُه أو بعضُها على التقسيمِ المُتقدِّمِ مقبولةً تَبِعَها خيرٌ آخرُ وهوَ جُلوسُه حتى استغفرتْ لهُ الملائكَةُ، فكانَ خَيرًا تَبِعَهُ خيرٌ كما أشاروا.
وهنا سؤالٌ وارِدٌ، وهو [45] : ما الفائدةُ التي ترتَّبتْ على [46] الإخبارِ بهذا الحديثِ مِن طريقِ الفقهِ والتَّعبُّدِ؟ فالجوابُ: أنَّ فيه [47] الحثَّ على ملازمةِ الموضعِ الذي صلَّى فيه مِن أجلِ زيادةِ ذلكَ الخيرِ لهُ، ولو لم يُخبِرْ عليهِ السلامُ بهِ ما كانَ أحدٌ يعلَمُ ذلكَ حتى يفعلَه، لكن انظر اليومَ بعدَ العلمِ بهِ مَنِ الذي يفعلُهُ إلَّا القليلُ النادرُ، فدلَّتِ الرغبةُ عنهُ بعدَ العلمِ بهِ على الإشارةِ التي أشارَ إليها أهلُ الصوفَةِ أنَّ عدمَ قبولِ الصلاةِ دلَّ على سرعةِ القيامِ من موضِعِها، ودلَّ على أن مَن حُرِمَ مواضعَ الخيرِ خِيفَ عليهِ أنْ يكونَ من أهلِ الضدِّ، يُبَيِّنُ ذلكَ قصَّة موسى عليهِ السلامُ حينَ قالَ: (( ربُّ، هل أَعرِفُ ما لي عندَكَ؟ فقالَ: يا موسى، إذا أَحْبَبْتَ الدنْيا فَزَوَيْتُهَا [48] عنكَ، وأَحْبَبْتَ الآخِرةَ فيسَّرْتُها
ج 1 ص 324
عليك، فاعلَمْ أنَّ لكَ عندِي حظًّا )) . فالتَّيسيرُ [49] منهُ عزَّ وجلَّ للخيرِ مِن عَلامةِ الخيرِ.
[1] قوله: (( رضي الله عنه ) )ليس في (ف) . .
[2] زادفي (ج) و (ل) و (ف) : (( مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ) )، و قوله: (( الحديث ) )ليس في (م) .
[3] في (م) : (( ويترحم ) )، وفي (ل) و (ف) : (( وتتراحم ) ).
[4] في (ف) : (( عليه السلام ) ).
[5] قوله: (( صلاة ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[6] في (ف) : (( وسجوده ) ).
[7] في (ل) و (ف) : (( حقًا ) ).
[8] في (ج) : (( فيهما ) )، وقوله: (( فيما ) )ليس في (م) و (ل) و (ف) .
[9] في (ج) : (( على ) ).
[10] زاد في (ل) : (( بها ) ).
[11] قوله: (( حقيقة ) )ليس في (ج) و (م) . وقوله: (( شرعًا ) )ليس في (ل) .
[12] في (ج) و (م) و (ل) : (( وضرب ) ).
[13] قوله: (( فمن لم يصل حقيقة شرعًا ضرب بصلاته وجهه ولم يزدد من الله إلا بعدًا ) )ليس في (ف) .
[14] في (ج) : (( فكيف ) ).
[15] قوله: (( وعقلًا ) )ليس في (ف) .
[16] في (م) : (( فمن كان ) ).
[17] في (ل) : (( فأولئك ) ).
[18] في (م) : (( أما ) )، قوله: (( وأما ) )ليس في (ل) و (ف) .
[19] في (ج) و (ل) و (ف) : (( ومن ) ).
[20] في (ل) و (ف) : (( من ) ).
[21] في (م) : (( يكون ) ).
[22] في (ج) : (( فِي مُصَلَّاهُ الذي صلَّى فيهِ أي: في حقِّ المُصلِّي للصلاةِ الشرعيةِ المُثابِ عليها لا التي تَلعنُه ) )، وفي (م) : (( فِي مُصَلَّاهُ الذي صلَّى فيهِ أي: في حقِّ المُصلِّي الصلاة الشرعيةِ لا الذي يلعنُه ) )بدل قوله: (( صلى فيه صلاة يقع عليها اسم صلاة حقًا ) ).
[23] في (ج) : (( تقبل ) ).
[24] في (ل) و (ف) : (( نفلا، ومن صيغة ) ).
[25] قوله: (( اللهم ) )ليس في (ل) و (ف) .
[26] في (ج) : (( بخلل ) ).
[27] زاد في (ل) و (ف) : (( صيغة ) ).
[28] قوله: (( اللهم ) )ليس في (ل) و (ف) .
[29] في (ج) و (م) : (( تستغفر ) ). وفي (ف) : (( تستغفرون ) ).
[30] في (ل) : (( والجمهور ) ).
[31] في (ل) : (( على ) ).
[32] زاد في (ج) : (( صلى فيه ) ). عز وجل ماذا بعدها
[33] في (ل) : (( يبقى ) ). وبعدها في (ف) : (( يبقى يدعوا ) ).
[34] في (ط) : (( وكثير من مجمع عليه وقوله واحد ) )، وفي (ج) : (( وكثير بين مجموع عليه وقول واحد ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[35] قوله: (( أي ) )ليس في (م) ، وفي (ل) و (ف) : (( هو ) ).
[36] قوله: (( ذلك في ) )ليس في (ل) و (ف) .
[37] في (ل) : (( بالا ) ).
[38] في (ل) : (( كأنه ) ).
[39] في (ج) و (م) : (( وتبينها ) ).
[40] في (ف) : (( العالم ) ).
[41] في (ل) : (( سرورًا ) ).
[42] قوله: (( لم ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[43] قوله: (( الملائكة ) )ليس في (ل) و (ف) .
[44] في (ف) : (( يصلي ) ).
[45] قوله: (( وارد وهو ) )ليس في (ل) .
[46] زاد في (ج) : (( هذا ) ).
[47] قوله: (( أن فيه ) )ليس في (ل) و (ف) .
[48] في (م) : (( فزوتها ) ).
[49] في (م) : (( فاليسير ) ).