45 - (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ [1] : أَنَّهُ [2] انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ ... ) الحديث [3] . [خ¦783]
ظاهر الحديث يدل على جواز [4] المشي اليسير في الصَّلاة، والكلام عليه من وجوه:
منها: هل يكون المشيُ اليسيرُ فيها كلِّها؟ أعني في حالاتها كلِّها، أو لا يكون ذلك إلَّا في هذا الموضع وهو الركوع ليس إلا؟
فإن قلنا: إنَّ سببَ الجواز معقولُ المعنى، وهو قِلَّة العمل فيها فيجوز في كلِّ حالاتها كلِّها ما لم تقترن [5] به علَّةٌ مانعةٌ، ولذلك قال العلماء: إنَّه يجوز المشي اليسير في كل حالات الصَّلاة من قيام وركوع وجلوس [6] ، ولا يجوز ساجدًا [7] ، لأنَّه فيه أمران: (أحدهما) التشويه والمُثلة وذلك في الشرع ممنوع،
ج 1 ص 415
و (الثَّاني) [8] : توقُّع الضرر [9] ، بل هو من قبيل المقطوع به، لأنَّه يتأذى بذلك، والإذاية [10] أيضًا ممنوعة.
وإن قلنا: لا تُفهَمُ [11] عِلَّته، فلا يجوز إلَّا في هذه الحالة وهذا مذهب أهل الظاهر الذين يستعملون الأحكام حيث وردت ليس إلَّا.
وقوله: (انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي قَرُبَ منه، لأنَّ العرب تسمِّي الشيءَ بما قرُبَ منه.
ويترتَّبُ على هذا [12] من الفقه: ألَّا يَبعُد الإمام عن الجماعة، وقد نصَّ العلماء على ذلك في الإمام لَمَّا ذكروا شروط الإمامة في الصَّلاة ذكروا ألَّا يبعد من الجماعة، وعلَّلُوا ذلك بِعِلَلٍ، منها: ربَّما تكون [13] في ثوبه نجاسة لم يَعلم [14] بها، فإذا كان بالقرب منهم رَأوها فيخبرونه [15] ، وربما سها فَيُسَبِّحوا به [16] ، فلم يسمعهم فيجبذوا بثوبه [17] ، وربما أحدث هو فيمدُّ [18] يده ويستخلف من يُتِمُّ بالقوم، وإذا [19] كان بالبُعد احتاج أن يستخلف بالقول، وفيه بين العلماء خلاف ولوجوه من هذا النَّوع.
ويُؤخَذُ منه أنَّه [20] إن ذكر شيئًا من العبادة [21] في الصَّلاة وتمادى به إذا [22] لم يُخِلَّ بشيء منها جائز [23] .
والحجَّةُ في هذا وبما استدللنا عليه من هذا الحديث ذكر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك وتمادي ذكره إلى [24] بعد فراغه من الصَّلاة.
ويترتَّبُ على ذلك من الفقه أنَّ المرء [25] إذا كان في أمر [26] لا بدَّ له فيه من عمل ولا يمكنه التَّأخير فيه ولا عِلم له بما يصنع أنَّه يجتهد ويعمل بما يغلب على ظنِّه، فإذا كان بَعْدُ يسأل العلماء فإنْ وافق عملُه لسانَ العلم فحسن مجزئ، وإلا جَبَر الخَلَلَ [27] الذي وقع منه على لسان
ج 1 ص 416
العلم.
ولا يدخل هنا الخلاف الذي ذكروا فيمن عمل عملًا بغير علم ووافق عمله لسان العلم هل يكون مأجورًا أم لا؟ على ثلاثة أقوال؛ لأنَّ [28] ذلك الذي يعمل العمل بالجهل هو متمكِّنٌ من السؤال ولم يسأل [29] ، وهذا لم يكن متمكِّنًا من السؤال ولا يمكن له التَّرك وهو لا يعلم، كما [30] فعل أبو بَكرة رضي الله عنه [31] في هذا الحديث.
وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ) دعاؤه عليه الصَّلاةُ والسَّلام له بالحرص حضٌّ على العبادة معناه: زادك الله حرصًا في اجتهادك في طلب الأعلى في العبادات، لأنَّه لو صلَّى حيث أحرم [32] أجزأتْهُ صلاتُه، ولمَّا [33] كان الصَّفُّ الأوَّل أرفعَ، والقربُ من النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أرفعُ ما في الصَّفِّ الأوَّل فأراد هو أن يأخذ الأفضلَ من الصُّفوف ومن الأماكن من الصَّفِّ الأوَّل.
ويترتَّبُ عليه من الفقه أن قوَّةَ الباعث هي الحاملةُ [34] على العبادات وهذا دليلٌ لأهل الصُّوفيَّة [35] الذين يقولون: إنَّما حملت الرِّجالَ الهِمَمُ [36] لا الأبدان.
وقوله: (وَلَا تَعُدْ) أي: لا تَعُد للتأخير حتَّى تحتاجَ إلى أن تَدِبَّ [37] في صلاتك.
وفيه دليلٌ على أنَّ المستحبَّ في الأكمل أن يُعمل عليه قبل الشُّروع [38] في العمل، وهذا المثلُ السَّاري [39] : (قَبْلَ الرَّمْيِ تُراشُ السِّهامُ) .
وفيه أيضًا دليلٌ [40] لأهل الصُّوفيَّة [41] الذين قدَّموا قبل الأعمال الزُّهدَ [42] في الدُّنيا، لأنَّه الباعثُ على [43] تمكِّن أسبابِ الكمال في العبادات [44] وإلى الفوز بَحَوْزِ أَسْنِمَتِها [45] ، ولذلك حُكي عن عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام لمَّا كان في سياحته لَقِيَ قبل الصُّبح رجلًا نائمًا [46] فوكَزَهُ بِرِجْله وقال له: قُمْ، فقد [47] سبقَكَ العابدون [48] فقال له [49] : دَعني يا رُوح الله
ج 1 ص 417
أنام فقد عَبَدْتُه بعبادة ليس على وجه الأرض مثلُها أو نحوه، فقال [50] له صلَّى الله عليه وسلَّم: وما هي؟ قال [51] : الزُّهدُ في الدُّنيا، فقال له [52] عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام: نَمْ نومة العروس في خِدرها [53] فقد فُقْتَ العابدين.
ويُؤخَذُ منه الدُّعاء للشَّخص وإن لم يطلُبه إذا رأى فيه لذلك أهليَّة، لأنَّه يُعان به على ما هو بسبيله؛ يُؤخَذُ ذلك من دعاء سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي بَكْرَةَ ولم يسأله ذلك لِمَا رأى فيه من دلائل [54] الخير.
وهنا بحثٌ لِمَ دعا له بزيادة الحرص وقال له: (وَلَا تَعُدْ) ولم يقل له: (جعلك الله لا تعود لمثلها) [55] ؟
فالجواب [56] : أنَّ دعاءه عليه الصَّلاةُ والسَّلام بزيادة الحرص عوْنٌ على الخير ولو دعا له بأن لا يعود ودعاؤه [57] عليه الصَّلاةُ والسَّلام مستجاب [58] فقد [59] يكون دعاؤه يمنعه من أنواع من الخير، لأنَّه قد يتأخَّر عن صلاة الجماعة في وقت ما لِمَا يكون له [60] أفضل، مثل تمريض مريض لا يكون له مَن يمرِّضه [61] ، وحضور ميت لا يكون له من يَقوم به، أو خروج لعدو [62] أو ما أشبه ذلك من أنواع الخير.
فلمَّا احتمل دعاؤه عليه الصَّلاةُ والسَّلام أن يكون فيه [63] عَون على الخير أو مَنْع منه لم يدعُ له ونَدَبه إلى الأفضل، وحيث كان الدُّعاءُ خيرًا [64] كلُّه دعا له وإن لم يسأله.
ويترتَّبُ على هذا من الفقه ألَّا يدعوَ أحدٌ بدعاء إلَّا [65] حتَّى يعلم ما يترتَّب عليه ويتيقن [66] أنَّه خيرٌ كلَّه سواءٌ كان لنفسه أو لغيره.
وفيه دليلٌ على حُسنِ ما طَبَع الله عزَّ وجلَّ به هذا السَّيِّدَ صلَّى الله عليه وسلَّم [67] [68] من حُسن السَّجايا يُؤخَذُ ذلك من كونه عليه الصَّلاةُ والسَّلام أتى على البديهة بهذا الجواب
ج 1 ص 418
الذي [69] يتضمَّن هذه الفوائد التي لا تُفهَم إلَّا بعد النَّظر والتثبُّت [70] والتَّوفيق.
وفيه دليلٌ لمصداق [71] قول مولانا [72] جلَّ جلاله: (( اطْلُبُونِي عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبهم مِنْ أَجْلِي ) )، لأنَّه سبحانه لا يَحُلُّ في شيء وإنَّما معناه: رحمتي حالَّةٌ على المنكسِرَة قلوبهم من أجلي [73] ، وأيُّ رحمة أعلى [74] من دعائه صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فلمَّا انكسر قلب الصَّحابيِّ رضي الله عنه [75] بما فعل دون علم [76] سخَّر له صلَّى الله عليه وسلَّم [77] فَدَعَا له بالخير.
وفيه دليلٌ لأهل الصُّوفيَّة [78] الذين يقولون بجبر القلوب، يُؤخَذُ ذلك من دعاء سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم لهذا الصَّحابيِّ، لأن أفضل السُّرور عندهم دعاؤه صلَّى الله عليه وسلَّم لهم [79] ، فجَبَرهُ صلَّى الله عليه وسلَّم بإدخال [80] السُّرور عليه [81] لِمَا رأى من انكسار قلبه عند إخباره بما صنعَ وهو لا يعلم ما حُكْمُ الله فيه.
[1] زاد في (م) و (ج) و (ل) : (( قوله ) )، ولم يذكر: (( عن أبي بكرة ) ).
[2] في (ج) : (( ولا نرجوا إلَّا هو .. قوله أنه ) ).
[3] ذكر الحديث في حاشية (ل) : (( عن أبي بكرة أنَّه انتهى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال زادك الله حرصًا ولا تعد ) ).
[4] قوله: (( يدل على جواز ) )ليس في (م) .
[5] في (ط) : (( تفترق ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[6] قوله: (( وجلوس ) )ليس في (م) .
[7] في (م) : (( ساجد ) ).
[8] في (ج) : (( والثانية ) ).
[9] في (م) : (( وتوقع الثاني الضرر ) ).
[10] في (ط) : (( والأذاة ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[11] في (م) : (( لا نفهم ) ).
[12] في (م) : (( ذلك ) ).
[13] في (ج) : (( يكون ) ).
[14] في (ط) : (( تعلم ) ).
[15] في (ط) : (( فيخبروه ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[16] في (م) : (( فيخبرونه بما سها فيسبِّح به ) ).
[17] في (ج) و (م) : (( فيجبذون بثوبه ) )، وفي (ل) : (( فيجبذون ثوبه ) ).
[18] في (ج) و (م) و (ل) : (( فيرد ) ).
[19] في (ج) : (( وإن ) ).
[20] قوله: (( أنه ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[21] في (ج) و (ل) : (( من العبادات ) )، وفي (م) : (( في العبادات ) ).
[22] في (ج) و (ل) : (( وتمادى في ذلك أنه إذا ) )، وفي (م) : (( وتمادى فيها إذا ) ).
[23] في (ج) و (م) : (( جاز ) ). زاد في (م) : (( ذلك منه ) ).
[24] قوله: (( إلى ) )ليس في (م) .
[25] في (ط) : (( الأمر ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[26] في (م) : (( عمل ) ).
[27] في (ط) : (( للخلل ) )، وفي (ج) : (( والآخر للخلل ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[28] في (م) : (( لا ) ).
[29] في (ل) : (( ولا يسأل ) ).
[30] في (ج) : (( وهو زادك كما ) ).
[31] زاد في (ج) : (( رضي الله عنه ) ).
[32] قوله: (( أحرم ) )ليس في (ج) .
[33] في (ج) : (( وما ) ).
[34] في (ج) : (( الحاصلة ) ).
[35] في (ج) و (م) و (ل) : (( الصوفة ) ).
[36] في (ج) : (( الهم ) ).
[37] في (ج) صورتها: (( بدن ) ).
[38] في (ج) : (( الشرع ) ).
[39] قوله: (( الساري ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[40] في (ج) و (م) : (( وفيه دليلٌ أيضا ) ).
[41] في (ج) و (م) و (م) : (( الصوفة ) ).
[42] في (م) : (( الزبد ) ).
[43] في (م) : (( حتى ) ).
[44] قوله: (( في العبادات ) )ليس في (م) .
[45] في (م) و (ل) : (( بحوز اسمها ) ).
[46] قوله: (( نائمًا ) )ليس في (م) .
[47] قوله: (( فقد ) )ليس في (ج) .
[48] في (ط) و (ل) : (( الناس ) )، في (م) : (( الفائزون ) )والمثبت من (ج) .
[49] قوله: (( له ) )ليس في (م) .
[50] في (ج) : (( دعني يا روح الله فإني قد عبدته بأحب العبادات إليه فقال ) )، وفي (م) : (( دعني يا روح الله فإني قد عبدته بأحب العبادة إليه فقال ) )، وزاد في (ل) في هذا الموضع: (( عيسى ) ).
[51] زاد في (ج) و (ل) : (( له ) ).
[52] قوله: (( له ) )ليس في (ج) و (ل) .
[53] قوله: (( في خدرها ) )ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[54] في (ط) و (ل) : (( حمائل ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[55] في (ج) و (م) و (ل) : (( لا جعلك الله تعود لمثلها ) ).
[56] في (ل) : (( والجواب ) ).
[57] في (ل) و (ج) و (م) : (( ودعاء سيِّدنا ) ).
[58] في (ج) و (م) : (( لا يعود ودعاء سيِّدنا صلى الله عليه وسلم مستجاب ) ).
[59] صورتها في (ج) : (( فقه ) ).
[60] زاد في (م) : (( من ) ).
[61] في (ج) : (( تمريضه ) ).
[62] في (ج) و (م) و (ل) : (( لغزو ) ).
[63] في (ج) : (( له ) ).
[64] في (ل) : (( خيرًا ) ).
[65] قوله: (( إلا ) )ليس في (ج) و (م) .
[66] في (م) : (( وتيقَّن ) ).
[67] في (ج) : (( على ) ).
[68] في (ج) و (م) : (( ما طبع الله عز وجل عليه نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ) ).
[69] في (م) : (( التي ) ).
[70] في (م) : (( والتثبيت ) ).
[71] في الملف: (( زيادة بيان وإيضاح ) ).
[72] في (ج) و (م) و (ل) : (( وفيه زيادة بيان وإيضاح لقول مولانا ) ).
[73] قوله: (( من أجلي ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .
[74] قوله: (( أعلى ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[75] في (م) : (( الصحابة رضي الله عنهم ) ).
[76] في (ج) : (( علمه ) ).
[77] قوله: (( فلما انكسر قلب الصَّحابي رضي الله عنه بما فعل دون علم سخَّرله صلى الله عليه وسلم ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[78] في (ج) و (م) و (ل) : (( الصوفة ) ).
[79] قوله: (( لهم ) )ليس في (م) .
[80] في (ج) : (( بأن حال ) ).
[81] قوله: (( عليه ) )ليس في (م) .