فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 363

كأن سيّدنا صلى الله عليه وسلم دخل منزل عبد الله بن أبي جمرة ومعه الخلفاء وجمع من الصحابة، رضي الله عنهم، وكان بيده قدح في غاية الحسن مملوء ماء. فيقول صلى الله عليه وسلم: هذا من النهرين الباطنين اللذين في سدرة المنتهى، ويسقي منه لعبد الله وأهله وأصحابه، فيجدون طعمه في غاية الحسن، ثم يخرج لهم طعامًا في غاية الحسن، ليس يشبه طعام الدنيا لا في الطعم ولا في الصفة، ويأكل صلى الله عليه وسلم ويأكلون معه، ثم يصلي بهم الظهر، ثم يدعو لهم بعد ذلك.

ثم ينظر في (حديث الإسراء) فيقول صلى الله عليه وسلم: في قول عبد الله في الأنهار الأربعة التي في أصل الشجرة التي في سدرة المنتهى: (هل قوله: ينبع في أصل الشجرة هل هو على الحقيقة أو هو من باب تسمية الشيء بما قرب منه) ؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: ليس فيه مجاز، بل هو حقيقة. وكذلك في قول عبد الله(هل

ج 5 ص 66

الشجرة مغروسة في شيء أم [1] لا؟ محتمل)فقال صلى الله عليه وسلم حقيقة إنها في شيء، لا مجاز. وكذلك قول عبد الله في الأرض التي فيها الشجرة (هل هي من تراب الجنة أو غير ذلك) ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس هنا محتمل بل حقيقة) . فتخصص بقوله (بل حقيقة إن الأرض هي فيها من تراب الجنة) .

ثم قال عليه الصلاة والسلام: كل ما قلت في هذا الحديث (يحتمل) ليس فيه محتَمَل، بل كل موضع من ذلك حقيقة، وكان ذلك حقًّا بلا احتمال.

ثم ينظر صلى الله عليه وسلم ما ذكره عبد الله في تقسيم الصلاة وأسمائها ويعجبه ويقول: كل مرة أنظر فيه يزداد عندي حسنًا.

فيذكر له بعض الأصحاب عن تأخر نَسْخ الإخوان هذا الشرح، فيقول صلى الله عليه وسلم: لم يرد الله أن يُنسَخ حتى يكون يُعدّله ويقابله، ولا يبقى لأحد فيه مطعن، ولو كان نسخ قبل هذه المرائي لقال فيه كل أحد بحسب ما يظهر له. وكان صلى الله عليه وسلم يحب قول ابن أبي جمرة في الخطبة: (وعدالة المبلِّغ شرط في صحة التبليغ) . ثم يقف، عليه السلام، على الدعاء الذي عمله عبد الله لحديث ابن الصامت وحديث الإسراء ويستحسنهما. ويقول لعبد الله: منّ الله عليك بما دعوت فيه، ويحقل لمثل هذين أن يكونا إثر هذين الحديثين.

ثم يكسو، عليه السلام، لعبد الله كسوة حسنة، ولجميع أصحابه وأهله، ثم يصعد بهم جميعًا إلى موضع في غاية الحسن، ويقدم لهم عنبًا وفقوسًا [2] ليس يشبه ما في الدنيا، ويأكل صلى الله عليه وسلم ويأكلون معه كلهم أجمعون.

ثم يري لعبد الله جملة بساتين،

ج 5 ص 67

لا يأخذها حرز، في غاية الحسن، وجملة دور كذلك، وجملة قصور كذلك، فيقول صلى الله عليه وسلم: هذه كلها ثواب (حديث الإسراء) .

ثم إن الحق سبحانه يخاطب عبد الله بخير، كما يليق بجلاله، ويطلب منه عبد الله أن يبقى له كل خير منّ الله به عليه في الشرح موفورًا، ويقيه ضرر الحاسدين. فيقول جلّ جلاله: الدعاء الذي يأتيك في آخر المرائي يوفي بهذا كله وغيره.

ويقول جلّ جلاله: قل لمحمد الفاسي يجتهد، ولا يعظم عليه شيء، ولا ينظر في الأمور بنفسه، ويطلب العون مني، فأنا أعينه، فإذا أعنته فلا يصعب عليه فيه شغل، وإن كان عليه شغل الدنيا كله.

وكأن سيّدنا صلى الله عليه وسلم قبل أن يصعد بعبد الله وأصحابه ينظر في حديث (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان) [3] ويعجبه، وينظر فيه إلى قول عبد الله (وظننت بسوء فهمك أنك في الغالب تراه) يكرره ويعجبه ويقول: هذا حق.

وينظر في (حديث السقاية) [4] ويعجبه، ويقول: حق هذا. ثم ينظر ما ذكر عبد الله فيه (فإن العين إذا لم تركم لم ترَ شيئًا يسرّها وإذا أبصرتكم لم ترَ شيئًا يسوءها) . فيعجبه ويكرره.

ثم إن محمدًا الفاسي يشكو له ما به من التشويش من بعض الناس، فيقول: تصدّق كل يوم بما تقدر اتباعًا لسنتي تُكْفَ ضرره، وإن لم تقدر على الصدقة فاقرأ كل يوم بعد الصبح حزبًا من القرآن وقل: ثواب هذا صدقة على والدي أن يكفيني شر هذا الشخص، وتقرأ المعوذتين وتدعو بهذا الدعاء:

«اللهم اكفنا شر

ج 5 ص 68

كل ذي شر، وحسد كل ذي حسد، وسحر كل ذي سحر، وارزقنا الاستقامة حتى لا يضرنا أعداؤنا، لا في الباطن ولا في الظاهر، واسترنا بسترك، واحمنا بحمايتك التي لا يقدر أحد على زوالها، وارزقنا اتباع سنّة نبيّك محمد عليه السلام، وملة أبينا إبراهيم خليلك عليه السلام، وارزقنا ما رزقت الخواص من عبادك، ولا تجعل خوفنا ولا رجاءنا إلا فيك، واملأ قلوبنا بحبك وحب نبيك عليه الصلاة والسلام حتى لا يضرنا معه ضرر كل ذي ضرر، من إنس وجن، واحفظنا في السر والعلانية، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم».

[1] كذا وردت. والأفصح أو.

[2] الفَقّوس: في الشام: نوع من البطيخ الصغير لم يتمَّ نُضْجُهُ بعد، وفي مصر: نوع من القثّاء.

[3] رقمه 180.

[4] رقمه 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت