271 -قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ ... ) الحديثَ [1] . [خ¦6557]
ظاهر الحديث التَّوبيخ لأهل النَّار بقوله تعالى [2] لأقلِّهم عذابًا: (( لو أنَّ لكَ ما في الأرضِ مِن شيءٍ أكنتَ [3] تَفْتَدِي به؟ فيقول: نَعَم. فيقولُ: أردتُ منكَ ما هو أهونُ مِن هَذَا وأنتَ في صُلبِ آدمَ، ألَّا تشركَ بي شيئًا [4] ) )والكلام عليه مِن وجوه:
منها أن يُقال: مَن هو المتكلِّم مع هؤلاء [5] ؟ وَما معنى [6] : (أَرَدْتُ مِنْكَ) ؟ وَما الحكمة في أن يكون الكلام مع أقلِّهم عَذابًا؟ وَما الفائدة لنا في الإخبار [7] بهذا؟.
أمَّا قولنا: مَن هو المتكلِّم مع هذا، هل [8] الحقُّ سبحانه أو غيره عنه [9] ممَّن شاء مِن ملائكته أو غيرهم؟ احتمل الوجهين معًا [10] ، لأنَّ العرب تقول: كلَّم زيد عَمْرًا، وَما كلَّمه إلَّا غلامه أو رسوله، فإذا أرادوا الحقيقة في أنَّه كلَّمه بنفسه قالوا: كلَّمه بنفسه [11] ، وَقد يطلقون المجاز عَلى الحقيقة فيقولون: كلَّمه [12] ، ويريدون بنفسه، فإذا لم يُؤكَّد [13] الكلام بالمصدر
ج 4 ص 244
احتملَ الحقيقة والمجاز، وإذا [14] أكَّدوه بالمصدر كان حقيقة، وَلا يمكن فيه المجاز، وَالكلام هُنا غير مؤكَّد، فهو محتمل للوجهين [15] معًا، والقدرة صالحة لذلك.
وأمَّا قولنا: مَا معنى (أردتُ) ؟ فهل هي الإرادة حقيقة، أو هي بمعنى ثانٍ [16] ؟
الإرادةُ هنا لا تكون إلَّا بمعنى الأمر، لأنَّه سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا كان لا رادَّ لأمره، إذ المُلك له سبحانه وتعالى [17] ، ولا [18] يكون في ملكه مَا لا يريد، ولو أراد سبحانه وتعالى إسلامَ الكافر لكان مسلمًا، لكن لم يُرد عزَّ وجلَّ ذلك منه مع أمرِه له [19] ، فالفرق بين الأمر والإرادة ظاهرٌ بيِّن، وَقد يُعبَّر بالإرادة عن الأمر، وذلك موجود في لسان العرب، وَعلى هذا تأوَّلوا قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي: لآمرهم وأنهاهم. وإلَّا فلو كان خلقهم لإرادة العِبادة منهم لكانوا عَن [20] آخرهم كذلك، لأَنَّه لا يقع في الوجود غير مَا يريدُ سبحانه وَتعالى. والله الموفق.
وفيه دليل لأهل السُّنَّة الذين يقولون بأنَّ العبد له إرادة، وَلولا ذلك مَا اقتضتِ الحكمة تكليفه، لكن هي [21] متعلَّقة بإرادة الله عزَّ وجلَّ وحكمته في عباده. يشهد لذلك قوله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: 19] فأثبتَ عزَّ وجلَّ بهذا لعبدِه مشيئة [22] ،
ج 4 ص 245
ثمَّ أعقبَ ذلك بقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] فعلَّق عزَّ وجلَّ مشيئةَ عبده [23] بمشيئته سبحانه، فصحَّ بمدلول الآيتين التَّكليفُ بمقتضى الحكمة، ونفوذُ حُكْمه عزَّ وجلَّ في عباده بالحقِّ الواجب وتصرُّفه جلَّ جلاله فيهم بالقدرة القاهرة التي لا يبقى لأحدٍ حُجَّة، بل لله الحُجَّة جميعًا. فيا معشر البطَّالين والملحدين انفذوا {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33] .
وفي سكوت هذا المعذَّب المخاطب الذي كذبت به [24] دعواه دليلٌ على ظهورِ حُجَّة الله عزَّ وجلَّ على عبادهِ في الآخرة، ولا مخالفَ منهم في ذلك، يُؤخذ ذلك مِن أنَّه مَن يكون يبلغ به شِدَّة العذاب أنْ لو كان له ما في الأرض جميعًا افتدى به، فسكتَ إذ ذاك ولم يدَّعِ [25] حُجَّة، فلو كانت له حُجَّة يقدر أن يدفع بها عَن نفسه ما سكت عنها، لا يشكُّ في ذلك مَن له عقل، وَلذلك جاء أنَّه لا يدخل أحد النَّار إلَّا وهو راضٍ عن الله عزَّ وجلَّ، لِمَا يرى مِن ثبوت الحقِّ عليه، وأنَّه مستحق لِمَا [26] يفعل به [27] .
وأمَّا قولنا: مَا الحكمة في الكلام مع مَن هو أقلُّ عَذابًا منهم؟ فهو إعلامٌ لنا بتهويل الأمر وَعظمه، فإنَّه إذا كان هذا حال مِن هو أقلُّهم عَذابًا فما بالك بالَّذي هو أشدُّهم عَذابًا لا يجدُ ما يفتدي [28] به أن لو قُبِلَ؟ فَلا شيء يَعْدِلُ ما هو فيه، وقد يمكن أنْ [29] لا يقدر أنَّ يتكلَّم للهول الذي هو فيه، وممَّا يوافق هذا الحديث مِن الكتاب
ج 4 ص 246
قوله عزَّ وجلَّ: لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [30] } [المائدة: 36] .
وأمَّا قولنا: مَا الفائدة بأن أخبرنا بذلك؟ فلوجوه، منها [31] :
الإشارة إلى حقارة الدنيا وجميع ما فيها مِن متاعها، لأنَّه إذا كانت هي وجميع ما ذُكر لا يُؤخذ فداءً عن أقلِّ أهل النَّار عذابًا فأيُّ شيء خطرها؟ وَقد جاء مَا يوضِّحُ ذلك ويزيده بيانًا، وَهو أنَّه إذا كان يوم القيامة تقول الدُّنيا يا ربِّ: أَعْطِني لبعضِ أوليائكَ. فيقول لها جَلَّ جلاله: (( اذْهَبِي بلا [32] شيءٍ ) )أو كما ورد. وَقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لو كانت الدُّنيا [33] تُسَاوي عندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضةٍ ما سَقَى الكافرَ [34] منها جُرْعَةَ ماءٍ ) )أو كما قال عليه السَّلام.
ومنها التحذير عن هذا الأمر الخطر الذي لا يُؤخذ فيه فداء، وَلا يخلص منه شيء، ولا يُقدر عليه، وفيه حضٌّ عَلى الوفاء بالعهد الذي قد ألزمناه أنفسنا، وأنَّ هذا عاقبة مَنْ نَكَثَهُ.
وفيه الإعلام بعظيم [35] قدر الإيمان بالله تعالى، وأنَّه هو الذي [36] يُنْجِي مِن ذلك الأمر العظيم لا بغيره، ولو كان مَا عسى أن يكون، قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه [37] : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] .
وفيه أيضًا الإخبار بتيسير الإيمان عَلى مَن وُفِّق، لأنَّه ليس هُو إلَّا اعتقاد [38] بالقلب، وَهذا شيء لا تعب فيه، ولولا ذلك مَا كان الله عزَّ وجلَّ يقول: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ
ج 4 ص 247
بِهِمْ عَلِيمًا [النساء: 39] .
وفيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى، يُؤخذ ذَلك مِن أنَّ [39] هذا الخير العظيم القدر، الخفيف الحمل، لا يَقْدِر عليه مَن حرَمه الله منه [40] ، ويجده [41] عليه أثقلَ مِن الجبال الرَّواسي، فسبحانَ مَن خصَّ بالسَّعادة [42] مَن شاء بفضله، وقضى على مَن شاء بالشقاوة بعدله.
وفيه إشارة إلى أهل الإيمان الذين مَنَّ الله عليهم [43] به بفضله، إلى أن يشكروه على نعمة الإيمان لعلَّها تبقى عليهم، ويزدادون منها لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .
وفيه دليل على أنَّ القُدرة طَبَعتِ البشريةَ على طلب [44] راحة نفوسها [45] . يُؤخذ ذلك مِن أنَّ هذا المعذَّب لو وَجد ما عسى أن يجد كان يبذله في راحة نفسه، وهذا المطلب [46] هو الَّذي أشقى أهل الدنيا، لأنَّهم أرادوا ما طُبعت عليه النُّفوس مِن طلب راحتها، فلم يُحْسِنوا طلبَ ذلك، وأرادوا استعجال الرَّاحة في غير موضعها، فلحقهم التَّعب في الدارين معًا.
وجاء أهل السُّلوك والتوفيق فأبصروا موطن [47] الرَّاحة، وكيف الطَّريق إليها؟ فعملوا عَلى ذلك، فنالوا الرَّاحة في الدنيا وَالآخرة [48] ، حتَّى إنَّه قيل لبعض المتعبِّدين: إنَّك كثيرًا مَا تُتعِب نفسك! فقال لهم: راحتَها أريدُ.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي [49] رحمه الله: «مساكينُ أهلُ الدُّنيا، طلبوا الرَّاحة فأخطؤوا الطريق، فاستقبلَهُمُ العذابُ» . يُبيِّن [50] ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( الزُّهدُ في الدُّنيا يُرِيحُ القلبَ والبدنَ،
ج 4 ص 248
والرَّغبة في الدُّنيا تُكثِر الهَمَّ والحَزَن )) أو كما قال عليه السَّلام.
جعلنا الله ممَّن رزقه الله رَاحة [51] الدُّنيا والآخرة بمنِّه بمحمَّد وآله [52] .
[1] في (ب) : (( عن أنس عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال: يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت أن لا تشرك بي ) ).
[2] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( بقول الله جلَّ جلاله ) ).
[3] في (ت) : (( لكنت ) ).
[4] كذا في (م) ، وزاد في باقي النسخ: (( فأبيت إلا أن تشرك بي ) ).
[5] في (ج) : (( هذا ) ).
[6] في (ج) : (( المعنى ) ).
[7] في (ج) : (( وما الفائدة في الإخبار لنا ) ).
[8] زاد في (ب) : (( هو ) ).
[9] في (ب) : (( عبد ) ).
[10] قوله: (( معًا ) )ليس في (ب) .
[11] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( نفسه ) ).
[12] زاد في (ب) : (( كله ) ).
[13] في (ب) : (( يؤكدوا ) ).
[14] في (ب) : (( وإن ) ).
[15] في (م) : (( الوجهين ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[16] زاد في المطبوع: (( الظَّاهر أنَّها بمعنى الأمر، لكن لا يخلو أن يكون فيها من معنى الإرادة شيء، لقوله:(وأنتَ في صُلْب آدمَ) ، لأنَّه لو كانت الإرادة على بابها كان المقصود منها الإشارة إلى ما أخذه علينا مِن العهد، ونحن في ظَهْر آدم عليه السَّلام، وأخبرنا إذًا بمراد الله عزَّ وجلَّ وهو أن نعبده ولا نشرك به شيئًا وأقررنا بذلك، وأشهدنا على أنفسنا به.
فتلك الإرادة التي أخبرنا بها هي المقصودة بهذه العبارة، ثمَّ أَكَّدت الإرادةُ بَعْدُ علينا بإخبار الرسل عليهم السَّلام، وطلب الوفاء بها، فمنها ما أُخْبِرنا نحنُ به في كتابه، وهو قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] ، وقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56 - 57] )) .
[17] قوله: (( إذا أراد شيئًا كان لا رادَّ لأمره، إذ المُلك له سبحانه وتعالى ) )ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى. وبعدها في (م) : (( لا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[18] في (ج) و (ت) : (( لا ) ).
[19] زاد في (ت) و (ب) : (( به ) ).
[20] في (ج) : (( على ) ). و قوله: (( منهم ) )ليس في (ب) .
[21] قوله: (( هي ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.
[22] كذا في (ب) ، وفي باقي النسخ: (( مشيئته ) ).
[23] قوله: (( مشيئة عبده ) )ليس في (ج) .
[24] قوله: (( به ) )ليس في (ج) .
[25] في (ب) : (( يدفع ) ).
[26] في (ج) و (ت) : (( بما ) ).
[27] في (ب) : (( لا يشك ي ذلك من له عقل يعقل به ) ).
[28] في (ج) : (( يقوي ) ).
[29] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( أنه ) ).
[30] قوله: (( ولهم عذاب أليم ) )زيادة من (م) على النسخ الأخرى.
[31] زاد في (ب) : (( أعلا ) ).
[32] في (ت) : (( اذهبي يا لا) ، وفي (ب) : (( اذهبي با لا ) ).
[33] قوله: (الدنيا ) ) ليس في (ج) .
[34] في (ت) : (( الكفار ) ).
[35] في (ب) : (( بعظم ) ).
[36] زاد في (ت) : (( به ) ).
[37] في (ج) و (ت) : (( قال عزَّ وجلَّ في كتابه ) )، و زاد في (ب) : (( العزيز ) ).
[38] في (ج) : (( هو الاعتقاد ) ).
[39] قوله: (( أن ) )ليس في (ب) .
[40] في (م) : (( حرمه منه ) ).
[41] في (ت) : (( وتجده ) ).
[42] في (ج) : (( خص أهل السعادة ) ).
[43] في (ج) و (ب) : (( من عليهم ) ). وقوله بعدها: (( إلى ) )ليس في (ب) .
[44] قوله: (( طلب ) )ليس في (ج) .
[45] في (م) : (( نفوسنا ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[46] في (ج) : (المطلوب ) ) .
[47] في (ب) : (( مواطن ) ).
[48] قوله: (( والآخرة ) )ليس في (ب) .
[49] قوله: (( الغزالي ) )زيادة من (م) على النسخ الأخرى.
[50] في (ج) : (( بين ) ).
[51] في (ج) و (ب) : (( رزقه راحة ) ).
[52] قوله: (( بمحمد وآله ) )ليس في (ج) و (ب) .