فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 363

حديث: بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فأتيت بطست من ذهب

160 -قوله: (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] : بَيْنَا أَنَا [2] عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ، [3] (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، (الْبُرَاقُ) ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقال: مَرْحَبًا بِكَ مِن ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى، فقالا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقال: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقال: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قال: نعم، قيل: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقال: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، فَقِيلَ: مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قال: نعم، قيل: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقال: مَرْحَبًا بِكَ مِن ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَرُفِعَ إلِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فقال: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فقال: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ الْفُرَاتُ والنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى، فقال: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التخفيف، فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ، فَجُعِلَتْ عِشْرِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ، فَجُعِلَت عَشْرًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى، فقال مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى، فقال: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا خَمْسًا، فقال مِثْلَهُ، فقُلْتُ سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ، فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا )) [4] . [خ¦3207]

ظاهر الحديث يَدُلُّ عَلَى الإسراء بذات محمد المباركة، وفرض الصلاة بغير واسطة، والكلام عليه مِن وجوه:

الأَوَّل: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ) فيه دليل على جواز النوم في الحرم، لكن هل ذلك [5] جائز مطلقًا أو لا يكون إلا [6] لعلَّة؟ الظاهر أنَّه لعلَّة، لأنَّه يعارضه قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إِنَّمَا المساجدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ) )والعِلَّة في نومه عليه الصَّلاة والسَّلام في الحرم ظاهرة مِن وجوه:

فمنها: أنَّ البيت قلَّ أن يخلو مِن الطائف به، فقد يكون عليه الصَّلاة والسَّلام أتى إلى الحرم فوجد النَّاس يطوفون فقعد ينتظر فراغ النَّاس ثم يدخل في الطواف فغلبته عيناه.

ج 3 ص 196

ومنها: أن يكون عليه الصَّلاة والسَّلام قعد يشاهد البيت، لأنَّ مشاهدته مِن المرغَّب فيها [7] والمندوب إليه.

ومنها: أن يكون عليه الصَّلاة والسَّلام قد طاف وتعب [8] مِن الطواف فقعد قليلًا يستريح مِن التعب المتقدِّم، ولكي تجِمَّ النفس إلى عبادة أخرى، وإذا كان النوم بهذه النيَّة فهو طاعة، والطاعات سائغة [9] إيقاعها في الحرم، يشهد لِمَا قلناه مِن أنَّ النوم يكون طاعةً إذا صحبته [10] تلك النية مثل [11] قصة معاذ وأبي موسى، حيث سأل أحدهما [12] الآخر عن قراءة القرآن، فقال المسؤول: أقرأه قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وأُفوِّقُه تَفويقًا ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأقوم وأنام وأحتسبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي فَلَمْ يُسلِّم أحدهما للآخر، فترافعا [13] إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام للذي كان يفوِّقه تفويقًا: (( هُوَ أَفْقَهُ مِنْكَ ) )يعني للذي [14] كان يَحْتَسِب نومَه [15] كقيامه.

وهذا نصٌّ في أنَّ النوم إذا كان بالنيَّة التي ذكرنا [16] فهو طاعة، والطاعات [17] سائغة هناك، ومِن هذا الباب أجاز العلماء نوم المعتكف في المسجد، لأنَّه غلبة وعون على الطاعة، ومنعوه للغير ولهم حُجَّة فيما نحن بسبيله على ما ذهبوا إليه مِن ذلك [18] .

الوجه الثَّاني: وفيه [19] دليل على تحرِّي النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الصدق [20] في المقال [21] ، وأنَّهُ لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدَّ منه

ج 3 ص 197

في الكلام، لأنَّه مَن كان بين النائم واليقظان يسوغ أن يُطلِق عليه في اللغة نائمًا، ويسوغ أنَّ هنا التدقيق [22] يُطلِق عليه يقظانًا [23] لكن ذلك على المجاز، ولو قال [24] : يقظانًا لكان نطق [25] بالحقيقة أو يقاربها [26] ، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قلبه في نومه كما هو في يقظَته يشهد لذلك قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ) )فلم يبقَ نومه عليه الصَّلاة والسَّلام إلا في الجوارح الظاهرة، ثمَّ الجوارح في هذه المرة لم يكن النوم قد تسلَّط عليها، والظاهر [27] كان كالمتيقِّظ، والباطن متيقِّظ على كل حال، لكن عدل عليه الصَّلاة والسَّلام عن ذكر اليقظة ليبيِّن الأمر على ما كان عليه رفعًا للمجاز [28] .

الثَّالث: قوله: (وَذَكَرَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) يريد أنَّه كان مضطجعًا بين رجلين.

وفي هذا دليل على تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام [29] وحُسن خُلُقه إذ إنَّه في الفضل حيث هو ولكنَّه كان يضطجع مع النَّاس ويقعد معهم، ولم يجعل لنفسه المكرَّمة مزِيَّة [30] عليهم.

الرَّابع: فيه دليل على جواز النوم جماعة في موضع واحد، لكن يشترط في ذلك أن يكون لكلِّ واحد منهم ما يستر به جسده عن صاحبه.

الخامس: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُلِئَ [31] حِكْمَةً وَإِيمَانًا) الطست هو: إناء يعمل في الغالب مِن نحاس وهو مبسوط القاع معطوف الأطراف إلى ظاهره يتَّخذه النَّاس لغسل أيديهم في الغالب.

السَّادس: فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنَّه أُتِي به للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخُصِّص به دون غيره.

السَّابع:

ج 3 ص 198

لقائل أن يقول: لِمَ أُتِيَ [32] له عليه الصَّلاة والسَّلام بالطَّست مِن ذهب، والذهب في [33] شريعته عليه الصَّلاة والسَّلام محرَّم؟ و (الجواب عنه) [34] : أنَّ تحريم الذهب إنَّما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار، وأمَّا في الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا، لقَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( هُوَ لَهُمْ في الدُّنْيَا وَهُوَ لَنَا في الآخرةِ ) )، ثمَّ إنَّ الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السَّلام، وإنَّما كان غيره هو السابق [35] له، والمتناول لِمَا كان فيه حتَّى وضعه في القلب المبارك، فسَوَقان الطَّسْت مِنْ هناك وكونه كان مِن ذهب، دالٌ على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قرَّرناه.

الثَّامن: فيه دليل على أنَّ الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معانٍ [36] ، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال عن الطست أنَّه أُتِيَ به مملوءًا حكمةً وإيمانًا، ولا يقع الخطاب إلا على ما يُفْهَم ويُعْرَف، والمعاني ليس لها أجسام حتَّى تَملأ الإناء، وإنَّما يمتلئ الإناءُ بالأجسام [37] والجواهر، وهذا نصٌّ مِن الشَّارع عليه الصَّلاة والسَّلام بضدِّ [38] ما ذهب إليه [39] المتكلِّمون في قولهم بأنَّ الإيمان والحكمة أعراض.

والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أنَّ حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس [40] إليها إدراك ولا مِن النبوة بها إخبار: أنَّ الإخبار عن حقيقتها غير حقيقية [41] وإنَّما هو غلبةُ ظنٍّ، لأنَّ للعقل بالإجماع [42] مِن أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حدًّا يقف عنده ولا يتسلَّط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها

ج 3 ص 199

لأنَّهم تكلَّموا على ما ظهر لهم مِن الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها [43] الشَّارع عليه الصَّلاة والسَّلام في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها عليه الصَّلاة والسَّلام، فيكون الجمع بينهما أن يقال [44] : ما قاله المتكلِّمون حقٌّ [45] ، لأنَّه الصادر عن الجوهر [46] وهو الذي يُدْرَكُ بالعقل، والحقيقة هي ما ذكره عليه الصَّلاة والسَّلام في الحديث.

ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع [47] بينهما على الأسلوب الذي قررناه أو [48] ما أشبهه، وقد يشير لشيء مِن ذلك ليتنبه لِمَا عداه، فمثل ذلك (الموت) كيف أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام في الحديث أنَّه يُؤتَى به يوم القيامة كبشًا أملح، فيُذْبَح بين الجنَّة والنار بعدما يُعْرَض لأهل تلك الدارين فيعرفونه [49] ، ومثل ذلك أيضًا الأذكار والتلاوة، لأنَّ ما ظهر منها معانٍ [50] وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات، لأنها تُوزَنُ في الميزان، ولا يوزن في الميزان إلا جواهر [51] .

التاسع: فيه دليل لأهل الصُّوفة وأصحاب المعاملات [52] والتحقيق لأنَّهم يقولون: إنَّهم يَرَوْن قلوبَهم وقلوبَ إخوانهم وإيمانَهم وإيمانَ إخوانهم بأعين بصائرهم جوهرًا [53] محسوسًا، فمنهم مَن يُعايِن إيمانَه مثلَ المصباح، ومنهم مَن يعاينه مثلَ الشمعة، ومنهم مَن يعاينه مثل المِشعل وهو أقواها ويقولون: بأنَّه لا يكون المحقِّق محقِّقًا حتَّى يعاين قلبه [54] بعين بصيرته كما يعاين كفَّه بعين بَصره

ج 3 ص 200

فيعرف الزِّيادة فيه مِن النقصان، وكذلك أيضًا يقولون في الحكمة بأنَّهم يعاينونها [55] بأعين بصائرهم تَتَنابَع مِن جوانب أفئدتهم كما تَتَنابَع عيون [56] الماء على اختلافها، فبعضها تنبع [57] نبعًا يسيرًا، وبعضها تنبع نبعًا كثيرًا.

فمَن قوي منهم إيمانهُ وكثرت حكمتهُ لا يطيق السكوت، لأنَّه يتنعم بذكر [58] تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء، وربما إذا اشتدَّ عليهم الحال ومُنِعُوا مِن الكلام كان ذلك سببًا لحتف أنوفهم [59] حتَّى لقد حُكي عن بعضهم أنَّه كان إذا جاءه الحال وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم، فكلَّمه [60] شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال بعد ذلك لم يطق الكلام لأجل نهي الشيخ عنه فتحمَّل ذلك فمات مِن حينه.

يؤيِّد ما قررناه عنهم [61] أوَّلًا ويوضحه قوله عزَّ وجلَّ: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [النور: 35] نقل [62] صاحب «التحصيل» في مختصره عن العلماء أنَّهم قالوا: إنَّ الضمير عائد [63] على المؤمن، تقديره: مثل نور المؤمن كمشكاة، والمشكاة هي الحديدة التي في وسط [64] القنديل [65] ، فقالوا: المشكاة مَثَل لصدر [66] المؤمن، والزجاجة قلبه، والمصباح إيمانه.

ونقل أيضًا عن العلماء في معنى قوله تعالى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ

ج 3 ص 201

وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: 102] أنَّ الذين يعلمون النَّاس السِّحْر ببابل إذا أتاهم مَن يريد تعلُّمَ سحرهم يقولون له: إنَّما نحن فتنة فلا تكفر، فإن أبَى إلا أن يتعلَّم قالا له: ائتِ هذا الرَّماد فَبُلْ فيه، فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطَع إلى السماء وهو الإيمان، وخرج مِن الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه، فهذه الآيُ بظواهرها ومعانيها مع نصِّ الحديث الذي نحن بسبيله حُجَّة لأهل التوفيق [67] والمكاشفات فيما نقلناه عنهم.

وقد حُكِيَ عن بعض الفضلاء منهم وهو شيخ الجنيد [68] رحمه الله في حكاية يطول كَتْبُهَا هنا أنَّه قُدِّرَ عليه بأنَّه، تنصَّر ثمَّ بعد ذلك عاد [69] إلى الإسلام [70] وحَسُن حالُه أكثر ممَّا كان أوَّلًا فكان يقول: إنَّه رأى أوَّلًا قبل كفره طائرًا أخضرَ قد خرج مِن فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى الإيمان ولم يرجع إليه، وكان إذا ذُكِّرَ بالإسلام ووُعِظَ [71] يقول: أعلمُ كل ذلك، ولم يجد سبيلًا إلى الرجوع، فلمَّا أن تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله [72] فإذا بالطائر الأخضر قد أتاه فدخل في حلقه فإذا هو رجع له الإيمان وانشرحَ صدره بالحكمة واتَّسَعَ.

يؤيِّد ما قالوه [73] وما شاهدوه قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَنْ أَخْلَصَ للهِ أَرْبَعِيْنَ صباحًا ظَهَرَتْ ينابيعُ الحكمةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ ) )وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة كيف هي على ما نقلناه عنهم، وعاينوا

ج 3 ص 202

حقيقة الإيمان كما وصفنا، رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في الدنيا والآخرة بهم بمنِّه وكرمه [74] إنَّه ولي كريم [75] ، هذا ما تضمَّنه اعتقاد أهل التحقيق وما تضمنته أحوالهم.

وأمَّا أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي رحمه الله موافق لأهل الكلام، لأنَّ أصحابه ينقلون عنه أنَّ [76] الإيمان يزيد موافقة [77] لِمَا ذكره [78] الله عزَّ وجلَّ في كتابه، ويقولون بأنَّ [79] النقص لا يمكن فيه، لأنَّه على زعمهم عَرَض والنقص في العَرَض ذهابه، وأمَّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيقول: بأنَّه لا يزيد ولا ينقص، وظاهر مذهب مالك رحمه الله تعالى موافق لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم، لأنَّ أصحابه ينقلون عنه أنَّ الإيمان عنده يزيد وينقص، وقد مثَّلهُ بعض أصحابه بماء [80] العين يزيد مرة وينقص أخرى، ولم يعدم الماء مِن العين.

وهذا هو الحقُّ الذي لا خفاء فيه، بدليل ما قرَّرناه مِن الآي والأحاديث وما شاهده أهل التحقيق عِيانًا، ولأنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام قد قال: (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِيْنَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) )الحديث بكماله، وجاء [81] مِن طريق آخرَ قال [82] : (( إنَّ الإيمانَ يخرجُ مِنْهُ حينَ الفعلِ فَيَبْقَى عَلَى رأسِهِ كالظُّلَّةِ ) )ولو كان عَرَضًا لم يتأتَّ أن يقوم [83] بنفسه، حتَّى إنَّه يبقى كالظلَّة على رأسه.

هذا ما تضمَّنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل الفقه وأهل التحقيق مع أنَّه ليس أحد الوجهين، أعني هل يكون

ج 3 ص 203

الإيمان جوهرًا أو عَرَضًا بالنسبة إلى القدرة مِن طريق المستحيل، ولهذا كان الصَّحابة والسلف والصدر الأَوَّل رضوان الله عليهم لم يتكلَّموا في هذا ولا [84] أمثاله، لأنَّ المقصود منا الذي لأجله أُنْزِلت علينا الكتب وأُرْسِلت لنا [85] الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إنَّما هو التصديق الخالص والعمل الصالح، والشغل بهذين الأمرين أَوْلى بل هو الواجب، ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما، لأنَّ الاشتغال بغيرهما شغل عنهما وذلك سبب إلى ترك ما أُرِيدَ منا.

لكن لَمَّا تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أنَّ الأمر كما [86] ظهر لهم مِن علم العقل على زعمهم حتَّى صار الأمر عندهم أنَّ مَن [87] لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى المذاهب الفاسدة، فاحتجنا لأجل هذه العِلَّة أن نبيِّن مذهب أهل التحقيق والتوفيق ومذهب الصَّحابة والسلف رضوان الله عليهم بنصِّ الكتاب والسنة، كما ذكرناه قبل لكي يتبيَّن بذلك الحقُّ مِن الباطل، والضعيف مِن القوي.

فإن اعترض معترض لتخصيص [88] لفظ الحديث مِن طريق علوم [89] العقل فقد سقط بحثه فلا يُعبَأ [90] به، لأنَّه قد قدَّمنا في الأحاديث المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص بالقرآن [91] ، واختلفوا هل يُخصَّص عموم القرآن بالسنة المتواترة أم لا؟ على قولين، ولم يختلفوا أن القرآن لا يُخصَّص بأخبار

ج 3 ص 204

الآحاد [92] ،وكذلك اتفقوا [93] على أنَّ عموم الحديث يُخصَّص بالحديث [94] ، واختلفوا هل يُخصَّص بإجماع جلِّ الصَّحابة أم لا؟ على قولين.

ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل المدينة إذا وجد الحديث بخلافه، فقال مالك [95] رحمه الله: أهل المدينة أهل دار الهجرة ومجمع [96] جلِّ الصَّحابة العارفين بأحكام الله وسُنَّة نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام فلم يتركوا [97] العمل بحديث إلا وقد صحَّ عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك، وأبى الشافعي رحمه الله ذلك وأخذ بمقتضى الحديث.

وأمَّا تخصيص لفظ الحديث بنظر غير الصَّحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع، لأنَّ الحكم لقول الشَّارع عليه الصَّلاة والسَّلام لا لغيره، لكن قد يسوغ الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف، وهو: أنَّه لَمَّا نظر أهل العقل إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى دليل عقلهم جاء لأجل [98] هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم يروا شيئًا فرجعوا إلى مقتضى ما دلَّ عليه عقلهم، فقالوا: الإيمان عَرَض وغطَّى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إيمانُ المؤمنِ نورٌ يَتَوقَّدُ في صَدْرِهِ ) )،ولَمَّا نظر أهل التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر رأوا [99] النور [100] ، فقالوا: الإيمان نور والتصديق عَرَضه فزادهم إيمانًا وقالوا حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوكيل.

يؤيِّد هذا ويوضِّحه أعني ما ذكرناه

ج 3 ص 205

مِن الجمع بين [101] المذهبين ما حُكِيَ عن بعض الفضلاء مِن أئمة التحقيق أنَّه كُشِفَ له عن شيء مِن آثار القدرة فنظر إليها عِيانًا فأدركه الخجل لعظيم [102] ما رأى، فأخذ في التذلُّل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلًا، فَخُوطِب بأن قيل له: عملتَ على الحق فأُرِيتَ الحقيقة، وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم، ولأنَّ الحقيقة في الأمور كلها لقول الشَّارع عليه الصَّلاة والسَّلام، وقولُ غيره في ذلك ردٌّ، وليس يمكن أخذ جميع الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها ولا بالغائبة، ومَن ادَّعى ذلك فهو منه جهل، لأنَّه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو باطل، لأنَّه لا ينفرد بالغيوب إلا عَلَّامها وبذلك تصحُّ الوحدانية، فقلِّدْ أيُّها السامع أيَّ الطرق شئتَ فقد أَوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإيَّاك لِمَا يرضيه بمنِّه.

التاسع: لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه الصَّلاة والسَّلام مزيدَ الإيمان ولم يرَ الإيمان الذي كان عنده أوَّلًا، لأنَّ الأنبياء والرسل عليهم السَّلام أقوى إيمانًا مِن جميع المؤمنين؟

و (الجواب عنه) [103] : أنَّ نفس رؤية المزيد فيها مِن الحكمة [104] وجوه:

فمنها: رؤية حقيقة الإيمان والحكمة جواهر [105] حتَّى يتحقَّقها على ما هي عليه، وهذه مزية له عليه الصَّلاة والسَّلام خُصَّ بها.

ومنها: أنَّ المعاينة لذلك بشارة برفع [106] المنزلة.

ج 3 ص 206

ومنها: أنَّ بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً حِسًّا ومعنى، فالحسِّي هو وضعه في القلب، والمعنوي هو ما يحصل مِن قوة الإيمان بسبب تحقيق رؤية المزيد.

ومنها: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لَمَّا أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيمانًا بحسب ما هو إيمان [107] أهل الأرض فلم يحتج [108] لرؤيته [109] لقوة ما عنده مِن التصديق، ولَمَّا أن شاء الله [110] الإسراء به إلى العالم [111] العُلوي وهو أقوى إيمانًا مِن هذا العالم، وهم مشاهِدون لأشياء لا يشاهدها أهل هذا العالم [112] ، فُعِل ذلك للنَّبيِّ [113] صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى حصل له الإيمان بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحسِّ [114] والمعنى حتَّى كان أعلى ذلك العالم [115] إيمانًا، يشهد لذلك قوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 17، 18] ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار إلا لِمَا قوي عنده مِن الإيمان والحكمة، فكان عليه الصَّلاة والسَّلام جديرًا بما خُصَّ به مِن الثناء [116] والمدحة، وأوجه [117] كثيرة مِن هذه المعاني تتعدَّد [118] وفيما أشرنا إليه كفاية.

العاشر: فيه دليل على أنَّ ما بعد الإيمان أجلُّ مِن الحكمة ولولا ذلك ما [119] قرنت معه، ومنه قوله [120] تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] .

الحادي عشر: في معنى الإيمان والحكمة، أمَّا الإيمان فَقَدْ تقدَّم الكلام عليه، وأمَّا الحكمة فقد اختلف العلماء [121] فيها،

ج 3 ص 207

فقيل: الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وقيل: الحكمة هي الفهم في كتاب الله عزَّ وجلَّ، والكلام معهم فيما قالوه [122] فيها قد أشرنا إلى بعضه [123] آنفًا، والجواب عليها كالجواب على الإيمان، وقد أشرنا لكل ذلك فأغنى عن إعادته.

الثَّاني عشر: هل [124] الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد أحدهما حتَّى يوجد الآخر أو [125] كل واحد منهما مستقل بنفسه؟ الظاهر أنَّ كل واحد منهما مستقلٌّ بنفسه، لأنَّ الإيمان ليس مِن شرطه أن تكون الحكمة معه بدليل قَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَنْ أَخْلَصَ للهِ أَرْبَعِيْنَ صباحًا ظَهَرَتْ ينابيعُ الحكمةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ ) )فقد شهد له عليه الصَّلاة والسَّلام بالإيمان والحكمة [126] لم تكن عنده إذ ذاك، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: (مَنْ أخلَص) والإخلاص هو حقيقة الإيمان، فعلى هذا فكل واحد منهما مستقلٌّ بنفسه وجمعهما هو الأعلى والأرفع.

لكن بقي بحث وهو أنَّه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه الأَوَّل الذي ذكرناه مِن الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان وتوجد مع عدمه، وبهذا التوجيه يتقرَّر ما ذكرناه وهو أنَّ كلَّ واحد منهما مستقلٌّ بنفسه لكن هذا استدلالٌ مرجوحٌ وليس بالقوي، لأنَّه إذا قلنا بأنَّ الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فالإيمان أَولى أن تدلَّ عليه الحكمة، لأنَّه هو الأَولى، والكفر مِن الحمق، والحمق ينافي الحكمة [127] ، فعلى هذا فهي

ج 3 ص 208

مرتبطة بالإيمان لا بدَّ منه عند وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك.

وإن قلنا بأنَّ الحكمة هي الفهم في كتاب الله تعالى فهي [128] مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بدَّ منه أوَّلًا، فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيٌّ عن الحكمة وقد يوجد بهما معًا ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيٌّ عن الإيمان.

الثَّالث عشر: فيه دليل على أنَّ الملائكة عليهم السَّلام تعرف بني آدم وتميِّزهم كل واحد بعينه، لأنَّ الملائكة أتوا للنَّبيِّ [129] صلَّى الله عليه وسلَّم وأخذوه مِن بين أصحابه، وكذلك أخذوه [130] مِن بين إخوانه وهو صبيٌّ صغير السن [131] ، وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة [132] الله تعالى إذ إنَّ أهل العالم [133] العلوي يميزون أجزاء هذا العالم.

الوجه الرَّابع عشر: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ) فيه دليل على أنَّ قدرة الله عزَّ وجلَّ لا يُعجزها ممكن [134] ، ولا تتوقَّف لعدم شيء ولا لوجوده، وليست مرتبطة [135] بالعادات إلا حيث شاءت القدرة [136] ، لأنَّه على ما يُعْرف ويُعْهد أنَّ [137] البشر مهما شُقَّ بطنه كله اندمل [138] وانجرح ومات [139] ولم يعش، وهذا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قد شُقَّ على [140] بطنه المكرَّمة حتَّى أُخْرِج القلب فَغُسِل، وقد شُقَّ بطنه [141] كذلك أيضًا وهو صغير [142] ، وشُقَّ على قلبه وأُخْرِجت منه نزغةُ الشيطان، ومعلوم

ج 3 ص 209

أنَّ القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شُقَّ بطنه في هاتين المرتين ولم يندمل [143] ولم يتألَّم بذلك ولم يمت لَمَّا أن أراد الله عزَّ وجلَّ [144] أن لا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر بها موت صاحبها [145] عندها أبطل [146] تلك العادة مع بقاء جوهرها، لأنَّ الشقَّ قد وجد على البطن والقلب وما يتولَّد مِن ذلك مِن [147] جري العادة قد عدم.

وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النَّار والماء وغيرهما مِن الخواص إن شاء عزَّ وجلَّ أن لا يروي [148] الشارب بعلَّة [149] الماء فَعَل، وإن شاء أن لا يحرق بالنار فعل، كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد رُمِي [150] إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام في النَّار فلم تحرقه وكانت عليه بردًا وسلامًا، وكلُّ الخواصِّ [151] بهذه [152] المثابة، إن شاء عزَّ وجلَّ أبقى لها الخاصِّية وإن شاء سلبها مع بقاء جوهرها.

الخامس عشر: لقائل أن يقول: لِمَ كان شقُّ البطن وحينئذ مُلِئَ بما مُلِئ، والله عزَّ وجلَّ قادر على أن يوجد [153] له ذلك في بطنه مِن غير أن يُفْعَلَ به ما فُعِلَ؟

والجواب عنه [154] : أنَّه [155] عليه الصَّلاة والسَّلام لَمَّا أُعْطيَ [156] كثرة الإيمان والحكمة، وقُوِّيَ [157] التصديق إذ ذاك أُعْطِي برؤية شقِّ البطن والقلب عدم الخوف مِن جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له قوة إيمان [158] مِن ثلاثة أوجه: بقوة التصديق، والمشاهدة [159] ، وعدم الخوف

ج 3 ص 210

مِن العادات المهلكات، فكمل له بذلك ما أُرِيد منه مِن قوة الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وعدم الخوف ممَّا سواه.

ولأجل ما أُعْطِي ممَّا أشرنا إليه كان عليه الصَّلاة والسَّلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالًا ومقالًا، ففي العلوي كان عليه الصَّلاة والسَّلام كما أخبر أن جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام لَمَّا أن وصل معه إلى مقامه قال له: (ها أنت وربك هذا مقامي لا أتعدَّاه) ، فزُجَّ عليه الصَّلاة والسَّلام في النور زَجَّةً ولم يتوانَ ولم يلتفت، وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزَّ وجلَّ عنه بِقَوْلِهِ: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] وأمَّا حاله عليه الصَّلاة والسَّلام في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلَته في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول: (( أَنَا ابنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَا النَّبيُّ لا كَذِب [160] ) )وقد كانت [161] الصَّحابة رضوان الله عليهم يقولون: الشجاع منا [162] الذي كان يستتر [163] به عند شدة الحرب.

السَّادس عشر: فيه دليل لأهل الصُّوفة في قولهم: بأنَّ عمل المبتدي كسب، وعمل المنتهي ترك، لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في ابتداء أمره كان تخلِّيه [164] بالضَّم والغَطِّ وهي زيادة في الشدة [165] والقوة كما مرَّ الكلام عليه في حديث [166] ابتداء الوحي، وكان تخلِّيه [167] هنا بالغسل وهو تنظيف المحل وكذلك حال المبتدئ والمنتهي عندهم، فالمبتدئ شأنه الكسب وهو الأخذ في الأعمال الصالحات [168] وهي القوة والشدة، والمنتهي شأنه النظر في

ج 3 ص 211

الباطن وما يتعلَّق به مِن الشوائب [169] ، فكل شيء يرى [170] فيه شيئًا ما مِن تعلُّق الشوائب تَرَكَه حتَّى يتنظَّف الباطن مِن الكدورات [171] ولا يبقى فيه غير الله تعالى.

فإن قال قائل: فيلزم على هذا أن يكون في باطن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شيء مِن الكدورات [172] حتَّى احتيج إلى غسله وذلك باطل، قيل له [173] : ذلك لا يلزم، لأنَّ الغسل له عليه الصَّلاة والسَّلام ليس مِن باب إزالة الكدورات [174] وإنَّما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام لشعائر الله عزَّ وجلَّ، لأنَّ ما يُلْقى في ذلك المحل [175] مِن شعائر الله تعالى، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ [176] شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]

السَّابع عشر [177] : قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ: البُرَاقُ) فيه دليل على أنَّ البُراق أفضل الدوابِّ وأشرفها، إذ إنَّه خُصَّ [178] بهذا المقام وهو سيره إلى العالم [179] العلوي وركوب خير البشر عليه مِن هنا إلى هناك.

الثَّامن عشر: لقائل أن يقول: لِمَ اختصَّ عليه السَّلام [180] بركوب البُراق دون غيره مِن الدوابِّ مثل الخيل والنوق وغيرهما [181] ؟

والجواب عنه [182] : أنَّه إنَّما خُصَّ عليه الصَّلاة والسَّلام بركوب البُراق زيادة له في التشريف والتعظيم، لأنَّ غيره مِن الدوابِّ يقدِر [183] غيره على ملكه والتمتع به، والبراق لم يُنقل أن أحدًا مَلَكه وتمتَّع به كما يتمتع [184] بغيره مِن البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف، إذ إنَّ

ج 3 ص 212

القدرة قد أحكمت أنَّ كلَّ ما عدم في الوجود وُجدانُه غلا خطره.

فإن قيل: فلو كان ذلك زيادة في التشريف [185] والتكريم لكان ركوبه على دابة مِن دوابِّ الجنة، إذ هي أفضل وأبرك، أو لَرَفَعَه جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام على جناحه أو أحد مِن الملائكة أو أعطي [186] قوة حتَّى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب؟

والجواب عنه [187] : أنَّ هذا كله إنَّما هو زيادة له عليه الصَّلاة والسَّلام في التشريف والتعظيم، ولو كان ركوبه عليه الصَّلاة والسَّلام [188] على دابَّة مِن دوابِّ الجنة أو لأحد مِن الملائكة أو مشى بنفسه المكرَّمة لم يكن له فيه ما كان له في ركوبِ البُراق [189] والسَّيرِ به.

بيان ذلك: أنَّه لو صعد بنفسه لكان ماشيًا على رجليه، والراكب أعزُّ مِن الماشي، فأُعطي [190] المركوب ليكون أعزَّ له وأشرف، ولكي يُعْلَم أن له صلَّى الله عليه وسلَّم عند الله تعالى مكانًا حتَّى إنَّه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له بشارة بالخير والحظوة عند ربِّه [191] ، لأنَّ الإتيان بالمركوب مِن عند [192] الله تعالى بشارة له عليه الصَّلاة والسَّلام برفع المنزلة والكرامة ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود، ففي الدنيا محسوسًا [193] وفي الآخرة بالأخبار منقولًا، أمَّا في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث إلى شخص بالخِلَع والمركوب فبقدر الخِلَع وحسن المركوب يُسْتَدَلُّ على [194] منزلته عند الملك، وفي الآخرة ما رُوِيَ أن يوم القيامة يأتي المؤمنون [195] منهم مَن هو راكب نُوَق اللحم [196] ، ومنهم مَن هو [197] راكب نُوق [198] الذهب

ج 3 ص 213

وَأَزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك ممَّا جاءت الأخبار به، كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم أفواجًا بالبشارة وتقول لهم: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103] .

وإنَّما لم يكن مركوبه عليه الصَّلاة والسَّلام دابَّةً مِن دوابِّ الجنة أو جناح مَلَك، لأنَّه لو ركب على ذلك لكان الظاهر [199] أنَّ المركوب حمل الراكب، فلمَّا أن ركب البراق الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس مِن عادته الطيران في الهواء [200] ، وإنَّما هو مِن ذوات [201] الأربع أرضيٌّ، عُلِمَ عند ذلك أنَّ الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه، إذ إنَّ هذه الدَّابة لا طاقة لها بالصعود في الهواء [202] أصلًا.

فإن قيل: فالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم مِن البشر ومحال في حقِّ البشر الصعود في الهواء [203] كما هو محال في حق الدواب؟

قيل الجواب عنه [204] : أنَّ البشر ليس هو الصاعد بنفسه، وإنَّما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي مُنَّ عليه به، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن ليُسرَى به حتَّى مُلِئَ بطنه المكرَّم [205] إيمانًا وحكمة، فلمَّا أن امتلأ بالإيمان والحكمة كان له ِمن القوة بما يحمل نفسَه وغيرَه، فبقدر الإيمان وقوته يكون السلوك والترقي، ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( رَحِمَ اللهُ أَخِي عِيْسَى لَوْ زَادَ يَقِيْنًا لطارَ في الهواءِ [206] ) )هذا مِن طريق مقتضى الحكمة.

وفي الحقيقة [207] وهي القدرةُ وهي حاملة [208] للكلِّ كالعرش وحَمَلَته، لأنَّ حَمَلَة العرش حين أُمِروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتَّى قيل لهم قولوا:(لا حول ولا

ج 3 ص 214

قوة إلا بالله)،

فلمَّا أن قالوها قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم متمسِّكون بالعرش لا يفترون مِن قولهم (لَا حَول وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله) خيفة لئلا ينقلب [209] أحدهم فلا يعرف أين يهوي؟ فهم حاملون للعرش، والعرش حامل لهم، والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظَم خَلقهم كما أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام عن بعضهم حيث قال: (( [210] أُمِرْتُ أنْ أُحَدِّثَكُمْ عنْ أَحَدِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ غِلَظُ قَرْنِهِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ) )ولكلِّ واحدٍ منهم على ما جاء في حديث آخر (( قرنان مثل قرون الوعول ) )فإذا كان [211] كل واحد مِن هذين القرنين غلظه [212] هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك [213] القرنان، وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس، فسبحان مَن أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته.

التاسع عشر: فيه دليل لأهل الصُّوفيَّة [214] حيث يقولون فلان مقامه في سماء [215] الدنيا، وفلان مقامه في الثانية ثمَّ كذلك إلى أن يبلغوا إلى (قابَ قَوْسَيْنِ أو أَدنى) ، ويعنون [216] بذلك ما رزقوا مِن قوة الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب قوته في إيمانه ويقينه.

ولهم فيما نحن بسبيله أدلُّ دليل، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُسْرَ

ج 3 ص 215

به حتَّى مُلِئ حكمةً وإيمانًا، ثم لَمَّا أن مُنَّ عليه [217] بذلك أُسْرِي [218] به مِن سماء إلى سماء إلى (قاب [219] قوسين أو أدنى) ، وهم الوارثون له عليه الصَّلاة والسَّلام فلهم في ذلك نسبة لكن بينهم وبين النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك فرق، وهو أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام حصلت له الخصوصية لكونه سرى بذاته المباركة، وتكلَّم بلسان فمه، ورأى بعين [220] رأسه على ما قاله ابن عباس، وسمع الخطاب بأذني [221] رأسه وأذن قلبه، وغيرُه مِن الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم، ولم يروا إلا بأعين قلوبهم.

ومما يبيِّن هذا ويوضِّحه ما حُكِيَ عن بعض فضلائهم أنَّه لمَّا أَنْ مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين، واتبع سُنَّة هذا [222] السيد صاحب [223] هذا المقام العظيم صلَّى الله عليه وسلَّم في كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري [224] بِسِرِّه مِن سماء إلى سماء إلى (قاب قوسين [225] أو أدنى) ثم نُودِي: هناك [226] أُسْرِي [227] بذات محمَّدٍ السَّنِيَّةِ حيث أُسْرِي [228] بِسِرِّك.

ولأجل هذا [229] كانوا أبدًا ليس لهم شغل غير النظر في تقوية إيمانهم ويقينهم، لأنَّ به يسلكون وهو حاملهم، ومما [230] يزيد هذا وضوحًا وبيانًا قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَا فَضَلَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةٍ ولا بِصِيامٍ ولكنْ بِشَيءٍ وَقَرَ في [231] صَدْرِهِ ) )والشيء الذي وَقَر في صدره [232] هو قوة اليقين والإيمان، وقد صرَّح رضي الله عنه بذلك حيث قال: (( لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ [233] يَقِيْنًا ) ).

العشرون: فيه دليل

ج 3 ص 216

لأهل الصُّوفيَّة [234] في قولهم: (لا يكون تَحَلٍّ إلا بعد تَخلٍّ [235] ) ، لأنّه لم يوضع الإيمان والحكمة في البطن المباركة [236] حتَّى شُقَّت وغُسِلت وحينئذ مُلِئت، فالشق والغسل هو التخلِّي، وما مُلِئَ به [237] مِن الإيمان والحكمة هو التحلِّي، فعلى قدر التخلِّي يكون التحلِّي، ولهذا أشار بعضهم بِقَوْلِهِ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَرى مَا لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئًا [238] يخاف له فقدًا، لأنَّ ما سوى الله مفقود) ، فمَن أراد الفوز بهذا التجلي [239] فليعزم على قوة هذا التحلي [240] حالًا ومقالًا، ومَن لم يقدر على الكُلِّ فَلْيَعْمَل على البعض، لأنَّ التحلِّي يكون بقدر التخلِّي [241] ، والحذَرَ الحذَرَ مِن أن تهملَ نفسك وترضَى بحظٍ بخسٍ، فذلك هو الحرمان العظيم [242] .

الواحد [243] والعشرون: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) ما المراد بالبطن هنا؟ هل البطن نفسه أو ما في البطن وهو القلب؟

الظاهر أنَّ المراد القلب، لأنَّه جاء في رواية أخرى ذكر القلب ولم يذكر البطن، وقد يحتمل أن تُحْمَل كلُّ رواية على ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال: أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام مرةً بغسل البطن ولم يتعرَّض لذكر القلب، وأخبر مرةً بغسل القلب ولم يتعرَّض لذكر البطن، فيكون الغسل قد حصل فيهما معًا مبالغة في تنظيف المحلِّ.

الثَّاني والعشرون: لقائل أن يقول: لِمَ غُسِلت البطن وقد كانت [244] طاهرة مطهَّرة وقابلة لِمَا يُلقَى إليها مِن الخير، وقد غُسِلت

ج 3 ص 217

أوَّلًا وهو عليه الصَّلاة والسَّلام صغيرُ السِّنِّ، وأُخْرِجت مِن قلبه نزغة الشيطان، فما فائدة هذا الغسل الثَّاني؟

والجواب عنه: أنَّ هذا الغَسل إنَّما كان إعظامًا وتأهبًا لِمَا يُلْقَى هناك، وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان مُتَنَظِّفًا، لأنَّ الوضوء في حقِّه إنَّما هو إعظام وتأهُّب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته، وكذلك أيضًا الزِّيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا [245] أسبغ بالأولى، لأنَّ الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظامًا لِمَا يُقْدِم عليه، فكذلك [246] غسل البطن هنا وقد قال تعالى: {ذَلكَ [247] وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] فكان [248] الغسل له عليه الصَّلاة والسَّلام مِن هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضًا فيما تقدم ذكره مِن التَّخَلِّي والتَّحَلِّي [249] .

فإن قال قائل: لو كان الأمر في الزيادة على الإسباغ إعظامًا للشعائر لكانت الزِّيادة على الثلاث أَوْلى، إذ إنَّه بحسب الزِّيادة كان تعظيم الشعائر أكثر، قيل له: الأمر كذلك لكن الله عزَّ وجلَّ بالمؤمنين رحيم فمِن رحمته عزَّ وجلَّ بهم أن منعَهم الزِّيادة على الثلاث [250] تخفيفًا عليهم [251] ولطفًا بهم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

الثالث والعشرون: فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على غيره

ج 3 ص 218

مِن المياه، إذ إنَّه اختص بأنْ غسل منه هذا المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع.

الرَّابع والعشرون: لقائل أن يقول: لِمَ لمْ يغسل [252] بماء الجنَّة الذي هو أطيب وأَبْرَك؟

والجواب عنه [253] : أنَّه لو غسل بماء الجنَّة دون استقراره بالأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ، فلمَّا غسل بماء زمزم وهو ممَّا استقر مِن ماء السماء بالأرض على ما قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] ، فقال: كلُّ ماء في الأرض إنَّما هو ممَّا نزل [254] مِن السماء مِن الماء، وقد جاء في الأثر: (( أنَّ مَا مِنْ مَطَرٍ يَنْزِلُ إِلَّا وفِيْهِ مزاج مِن الجنَّةِ، وتكونُ البركةُ فيه بقدرِ المزاجِ ) )، فعلى هذا فقد حصل ماء كله مِن الجنَّة أو بعضه مع زيادة فوائد جملة:

منها: ما ذكرناه مِن إبقاء البركة للأمة.

ومنها: أنَّه خصَّ مقره بهذه الأرض المباركة.

ومنها: أنَّه خصَّ به الأصل [255] المبارك وهو إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام.

ومنها: أنَّه خصَّ بما لم يخص غيره مِن المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام [256] غذاء فكان يغنيها عن الطعام والشراب.

ومنها: أنَّ ظهوره كان بوساطة [257] الأمين جبريل عليه السَّلام، فكان [258] أصلٌ مباركٌ [259] في مقرٍّ مباركٍ لسيِّدٍ مباركٍ بوساطة فعلٍ أمينٍ مباركٍ، فاختصَّ به هذا السيِّد المبارك، فكان في [260] ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم، والله عزَّ وجلَّ يُفَضِّل ما شاء مِن مخلوقاته حيوانًا كان أو جمادًا، فجاء

ج 3 ص 219

بالحكمة العجيبة في المِلَّة الجليلة ملَّةِ أبيكم [261] إبراهيم بالمقال، وفي الماء ملَّة أبيكم [262] إسماعيل بلسان الحال.

الوجه الخامس والعشرون: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا)

وقد [263] مَرَّ الكلام على معنى الحكمة والإيمان، وبقي الكلام هنا على المملوء ما هو؟ هل البطن أو القلب؟

فعلى ظاهر هذه الرواية هو البطن، وعلى ما جاء في [264] رواية غيرها هو القلب، فاحتمل أن يكونا مُلِئا معًا وأخبر عليه الصَّلاة والسَّلام في هذه الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب، واحتمل أن يكون أراد القلب وذكر البطن توسعة، لأنَّ العرب تُسمِّي الشيء بما قاربه أو بما كان فيه، وقد قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] ومعنى الصدر في الآية: القلب، فَسَمَّاه باسم ما هو فيه وهو الصدر.

الوجه السَّادس والعشرون: قَوْلُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) إلى قوله: (وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ) فيه دليل على أنَّ قدرة الله عزَّ وجلَّ لا يعجزها شيء ممكن [265] لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: (حَتَّى أَتَيْتُ [266] السَّمَاءَ) فأفاد ذلك أنَّهم كانوا يمشون في الهواء، وقد جرتِ العادةُ بأنَّ [267] البشر لا يمشي في الهواء سيما وقد [268] كان راكبًا على دابة مِن ذوات [269] الأربع، لكن لَمَّا أن شاء الله [270] ذلك كان، فكما بسط عزَّ وجلَّ لهم الأرض ومهَّدها لهم يمشون عليها، كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك

ج 3 ص 220

بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتَّى يظهر عند وجودها تأثير في الوجود ويُعدم عند عدمها، بل القدرة صالحة لأنَّ تبدي ما شاء الله عند وجود العادة [271] وعند عدمها، وإنَّما العادة مِن الله تعالى لحكمة استأثر بها، فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد سُئِل عليه الصَّلاة والسَّلام حين أخبر عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة كيف يمشون؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( الذي أَمْشَاهُمْ فِي الدُّنْيا عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى [272] أَنْ يُمْشِيهم يومَ القيامةِ علَى وجُوهِهِمْ ) ).

السَّابع والعشرون: فيه دليل على أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان مستقلًا [273] بنفسه في صعوده ولم يَحْتَجْ إلى مَن يعينه، لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال [274] : (انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ) فأفاد ذلك أنَّهما صعدا معًا لا يحتاج أحدهما للآخر، ولو قال: (انطلق بي جبريل) لأفاد ذلك أنَّ جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام كان حاملًا له أو معينًا، وهذا (أدلُّ دليل) على عظيم قدرة الله تعالى وأنَّه لا يعجزها [275] شيء [276] كما تقدَّم قبل، وعلى كرامة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعلوِّ منزلته، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أجرى العادة بأنَّ البشر لا يصعد [277] في الهواء، وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاءت القدرة، لأنَّهَم [278] خلقوا مِن جوهر لطيف، وخلق البشر من جِوهر كثيف، فأبقى على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صفة البشرية

ج 3 ص 221

وأُعْطِي حال العالم العلوي حتَّى صار مع جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام كما ذكر، بل زاد على ذلك ما هو أعظم في المعجزة وأبهر وهو ركوبه على دابة مِن دوابِّ الأرض التي [279] لا استطاعة لها بالصعود، كلُّ هذا إكرامًا له صلَّى الله عليه وسلَّم وتعظيمًا وإظهارًا لقدرة ال?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت