89 -عن [1] أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَرْفَعُهُ [2] إِلَى النَّبِيٍّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3] : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ [4] ... ) الحديثُ. [خ¦30/ 29]
قالَ الشيخُ رضيَ اللهُ عنهُ: ظاهرُ الحديثِ [5] يفيدُ
ج 2 ص 308
أنَّ مَن أفطرَ [6] رمضانَ متعمِّدًا مِن غيرِ عُذرٍ ليسَ لهُ كفَّارةٌ تكفِّرُهُ؛ لأنَّه قَالَ فيهِ: (لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ) ، وصيامُ الدهرِ أعظمُ ما يكونُ مِن الفِدْيَةِ عَن صومِ [7] ذلكَ اليومِ، ثمَّ إنَّهُ لم يجزْهُ ذلكَ عن يومِه الذي أفطرَ فيهِ، فما يُغني غير [8] ذلكَ مِن الكفَّاراتِ.
وقد اختلفَ العلماءُ هلْ عليهِ كفارةٌ أم لا؟
فذهبَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ إلى أنْ لا كفارةَ [9] عليهِ، وهذا الحديثُ مما يشهدُ لهُ بذلكَ، لكنَّهُ قَالَ بالقضاءِ، وهذا الحديثُ يردُّ ذلكَ؛ لأنَّهُ قَالَ فيهِ: (لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ) ، فإذا كانَ صيامُ الدهرِ لا يُجزِئُهُ فما يكونُ اليومُ الواحدُ بالنظرِ إلى هذا؟
وذهبَ مالكٌ رحمه اللهُ إلى وجوبِ الكفارةِ قياسًا منهُ على الجِماعِ الذي وردتِ الكفارةُ فيهِ على الصيامِ [10] نصًّا مِنَ الشارعِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فقَالَ: الأكلُ مِن بابِ أولى أنْ تكونَ الكفارةُ فيهِ.
والأظهر واللهُ أعلمُ أنَّ هذا الحديثَ لم يبلغْهما، ولو بلغَهُما لذهبا إليه أو لتكلَّما فيهِ، فلما أنْ لم يتكلَّما عليهِ ولا تكلَّما فيهِ قويَ الظنُّ أنَّهُ لم يبلغْهُما سيمَا مالكٌ رحمهُ اللهُ الذي يروي أحاديثَ ثم يتركُ العملَ بها لأجلِ العملِ المتصلِ [11] ، وهذا الحديثُ مِن آكد ما عليه في [12] النقلِ إذْ إنَّهُ يُصادِمُ ما ذهبَ إليهِ.
والذي يظهرُ مِنَ الفقهِ واللهُ أعلمُ أنَّ الإفطارَ [13] في رمضانَ مُتعمَّدًا ليسَ لهُ كفارةٌ كما هوَ في [14] اليمينِ الغموسِ، هذا مِن طريقِ الفقهِ
ج 2 ص 309
وعملًا على الحديثِ [15] .
لكن قَولُ الراوي [16] (وبهِ قَالَ ابنُ مسعودٍ) ، يدلُّ ذلكَ على [17] أنَّ ابنَ مسعودٍ خالفَ [18] غيرَه في ذلكَ [19] ، إذْ إنَّهُ لولا أنَّه اختصَّ بهِ وحدَه وذهبَ إليهِ دونَ غيرِه ممَّنْ كانَ في وقتِه لَمَا ذكرَ الراوي بأنَّه [20] هوَ الذي ذهبَ إلى ذلكَ وتركَ ما عداهُ، فعلَى هذا فالحديثُ كانَ عندَهم مشهورًا لكنْ تركوا العملَ بهِ لِما ظهرَ لهم [21] مِنَ الترجيحِ، فإذا قُلنا بهذا البحثِ فيكونُ الحديثُ قد بلغَ إلى [22] الأئمةَ لكنَّهم لم ينقلوهُ ولم يتكلَّموا فيهِ لِما ظهرَ لهم منَ المصلحةِ في ذلكَ، إمَّا لعلمِهم بأنهُ قد تركَ العملَ بهِ، وإمَّا لغيرِ ذلكَ.
وقَولُهُ: (مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلاَ مَرَضٍ) العلَّةُ هي [23] : كلُّ عُذرٍ أباحَ الشارعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بهِ الإفطارَ، والمرضُ تأكيدٌ في العلَّةِ، وهو ما يلحقُ ابنَ آدمَ مِن الضعفِ فيمنعُه مِنَ الصيامِ، وقد اختلفَ العلماءُ في المرضِ الذي يُفطِرُ لهُ.
وقد ذُكِرَ في كتبِ الفقهِ وفي مَساقِ [24] هذا الحديثِ دليلٌ على فضلِ رمضانَ؛ إذْ إنَّ يومًا منهُ لا يَعْدِلُه صيامُ الدهرِ، فإذا كانَتْ أيامُه على هذا الفضلِ والمزيَّةِ فيحتاجُ [25] اللبيبُ أنْ يكونَ في أيامِه مُنتبهًا حاضرًا مُنقطعًا للتعبُّدِ.
وقدْ جاءَ أنَّ الأعمالَ تُضاعفُ فيهِ، وقدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يومًا عندَ صعودِه إلى المنبرِ: (( آمِينَ ) )كرَّرَ ذلكَ ثلاثًا، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقَالَ: (( أَتَانِي جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فقَالَ لي:
ج 2 ص 310
مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهْ أَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمينَ، فقلتُ: آمينَ )) ، ثمَّ ذَكَرَ اثْنَيْنِ بَعْدَهُ بالبُعْدِ أيضًا [26] ، فيحذرُ المرءُ لئلَّا يدخلَ تحتَ هذا الدعاءِ إذْ إنَّ الأمرَ فيهِ [27] على قسمينِ: إمَّا مَغْفرةُ الذَّنبِ أو الخسرانُ بالدخولِ تحتَ نصِّ هذا الدعاءِ، وباللهِ التوفيقُ [28] .
وهنا بحثٌ، وهوَ: أنَّهُ [29] يكونُ معنى قَولُهُ: (لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ) أي: أن الفضيلةَ التي فاتَتْهُ في صيامِ هذا اليومِ الدهرُ كلُّهُ لا يقومُ مقامَها، وإنْ كانتِ الكفارةُ مُذهِبَةً لِمَا وقعَ فيهِ مِنَ الإثمِ؛ لأنَّهُ [30] ما خسِرَ فيهِ لا يمكنُه خلفُه؛ لأنَّ ما جعلَهُ المولى في خلقٍ مِن خلقهِ مِن فضيلةٍ لا يكونُ شيءٌ [31] يَعْدِلُهُ ممَّا جعلَهُ غيرُه مِنَ العبيدِ، وإنْ كانَ أكثرَ منهُ ثوابًا لا [32] تَحصُلُ لهُ [33] تلكَ الفضيلةُ [34] الخاصةُ.
مثالُ ذلكَ: أنْ لَو جاءَ شخصٌ لا يُضحِّي يومَ النحرِ ويتصدَّقُ مثلًا [35] بألفِ درهمٍ أو دينارٍ، قِيلَ لهُ: فضلُ الأُضحيةِ وما جاءَ فيها لا يحصلُ لك [36] وإنْ نويتَ أنتَ بتلكَ الألفِ دينارٍ أنَّها بدلٌ مِنَ الأُضحية لا يكونُ لكَ بها [37] ثوابُ أُضحيةٍ، ولوِ اشتريتَ مِنها أُضحيةً بدينارٍ لكانَ لكَ خيرًا مِن تلكَ الصدقةِ [38] بالألفِ، وإن كانتْ مقبولةً؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: (( مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا فِي يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلَ مِنْ إِرَاقَةِ الدَّمِ ) )، فَفَضَّلْتَ أنتَ ما لم يُفضِّلْهُ الشرعُ، فليسَ كما زعمتَ ولا يكونُ ذلكَ.
ولذلكَ كانَ [39] مالكٌ يرغبُ للمسافرِ أن يصومَ في سفرِه وإنْ كانَ الفطرُ لهُ مباحًا
ج 2 ص 311
شرعًا، ومذهبُ الإمامِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بينَ الأكلِ والصومِ، إلَّا أنهُ قَالَ: فضلُ أيامِ رمضانَ لا يوجدُ في غيرِها، فتراهُ قد لحظَ هذا الحديثَ مِن وجهٍ ما، وهو الأحوطُ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّ أفضلَ العباداتِ هو الاتِّباعُ لا الأَشقُّ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ صومَ الدهرِ ولا بدَّ [40] أشقُّ مِن صومِ يومٍ وتراهُ لا يَعْدِلُه.
وفيهِ دليلٌ لأهلِ الصوفيةِ [41] الذينَ يقولونَ: طاعةُ العارِفِ إمتثالٌ، وطاعةُ الجاهلِ شهوةٌ؛ لأنَّ الشهوةَ وهي [42] التي حملتْ على أكلِ اليومِ مُتعمِّدًا فأبدلَهُ بالأشقِّ وهي [43] الكفارةُ، والامتثالُ هو الذي حملَ العارفَ على التزامِ الأَدبِ [44] في توفيةِ الأمرِ لا غيرُ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّه ما يقعُ منَ المُخالفةِ حقيقةً فصاحبُها معَ وجودِ الفضلِ فيهِ لا ينجبرُ [45] له ما فاتَه وإنْ تابَ، يُؤخَذُ ذلكَ مِنْ قَولِهِ: (وَإِنْ صَامَهُ) لأنَّ هذا لا يصومُ إلا معَ وجودِ [46] التوبةِ.
وقدْ قَالَ الشافعيُّ رحمه الله: إنَّه ما عليهِ إلا التوبةُ وقضاءُ يومٍ بدلَه، فتكونُ التوبةُ وقضاءُ اليومِ أو الدهرِ غايتُه أنْ يرفعَ عنهُ العقابَ، وأمَّا ما كانَ [47] لهُ مِنَ الربحِ فلا يعودُ _أعني [48] على مثلِه_ إلا إنْ تفضَّل المولى، وأمَّا على الظاهرِ فلا، ولذلكَ قيلَ لداودَ عليهِ السلامُ: أمَّا الذنبُ فمغفورٌ، وأما الوصلُ الذي كانَ فلا يَعودُ _يعني: على حالتِه الأُولى _ [49] وعلى هذا يجيءُ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: (( التوبةُ تجبُّ مَا قَبْلَهَا ) )، أي: تقطعُه
ج 2 ص 312
وتمنعُ ما كانَ مِنَ الإثمِ والعقابِ لا أنَّها تجبر [50] ما فاتَه منَ الخيرِ.
ولذلكَ [51] قَالَ أهلُ المُعاملاتِ [52] : لو أنَّ شخصًا بقيَ ببابِ [53] مولاهُ عمرَه وغفلَ ساعةً واحدةً لكانَ ما فاتَه في تلكَ الساعةِ خيرًا [54] مما نالَ؛ لأنَّهُ لعلَّ تلكَ الساعةَ كانتْ ساعةَ النفحةِ، ومَن فاتَتْهُ تلكَ النفحةُ مَا يلحقُها [55] غيرُها وإنْ أَتَتْ نفحةٌ أخرى فقدْ فاتَتْ [56] تلكَ وخَسِرَ نصيبَه منها، واويلاه [57] مَن تخلَّفَ عن بابِ مولاهُ.
تمَّ الجزءُ الأولُ مِن بهجةِ النفوسِ شرحُ الأحاديثِ النبويةِ، بحمدِ اللهِ وعونِه وحُسنِ توفيقِه، وذلكً في عصرِ يومِ الجمعةِ السادسِ مِن شهرِ ربيعٍ الآخرِ سنةَ ستٍّ وثمانينَ وسبعمائةٍ.
يتلوهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى قولُه صلى الله عليه وسلم: (( أَوْصَانِي خَلِيْلِي بِثَلَاثٍ ... ) )الحديثُ.
والحمدُ للهِ وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه وأزواجِه وذرِّيَّاتِه وسلَّم عددَ ما في عِلْمِ اللهِ ذرَّةً ذرَّةً، وعلى كلِّ ذرَّةٍ أستغفرُ اللهَ، اللَّهُمَّ بحرمةِ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنْ تُصلِحَ فسادَ قلوبِنا، وأنْ ترزقَنا رحمةً مِن عندِكَ تُغنينَا بها عن رحمةِ الراحمينَ، اللهُمَّ افعلْ ذلكَ بنا وبذرِّياتِنا وبإخوانِنا ومَن أحبَبْنا لوجهكِ الكريمِ، ومن أحببناهُ والمسلمينَ أجمعينَ آمين.
[1] في (ج) و (م) : (( البخاري قال ويذكر عن ) ).
[2] في (م) : (( رفعه ) )، وفي (ل) : (( قوله: عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
[3] قوله: (( يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) )ليس في (ج) .
[4] قوله: (( من غير علة ولا مرض ... صامه ) )ليس في (ج) و (م) . وزاد في (ل) : (( وبه قال ابن مسعود وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد: ) ).
[5] في (ج) و (م) و (ل) : (( ظاهره ) )بدل قوله: (( قال الشيخ رضي الله عنه ظاهر الحديث ) ).
[6] زاد في (ج) و (م) : (( في ) ).
[7] في (م) : (( القضاء عن صوم ) )، وفي (ج) : (( القضاء عن الصوم ) ).
[8] في (ج) : (( عن ) ).
[9] في (ج) : (( أن الكفارة ) ).
[10] في (م) و (ل) : (( الصائم ) ).
[11] قوله: (( لأجل العمل المتصل ) )ليس في الأصل (ط) و (ل) والمثبت من باقي النسخ.
[12] في (ج) : (( من ) )، وقوله: (في) ليس في (م) .
[13] في (م) : (( الفطر ) ).
[14] قوله: (( في ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .
[15] في (م) : (( وعملًا بالحديث ) ).
[16] في (ج) و (م) : (( لكن قوله ) ).
[17] في (ج) : (( عن ) ).
[18] في (ج) و (م) : (( خالفه ) ).
[19] في (ل) : (( في هذا ) ).
[20] في (ج) و (م) : (( ذكر أنه ) ).
[21] قوله: (( لهم ) )ليس في (ل) .
[22] في (ج) و (م) : (( ذكر أنه ) ).
[23] قوله: (( إلى ) )ليس في (م) .
[24] زاد في (م) : (( أنَّ ) ).
[25] في (ج) : (( كتاب الفقه وفي سياق ) ).
[26] زاد في (م) : (( هذا ) ).
[27] قوله: (( بالبعد أيضًا ) )ليس في (م) .
[28] قوله: (( وبالله التوفيق ) )ليس في (ج) و (م) و (ل) .
[29] قوله: (( وهنا ) )ليس في الأصل (ط) و (ل) وهو مثبت من (ج) و (م) ، وفي (ج) و (م) : (( وهنا بحث آخر وهو أن ) ).
[30] في (م) : (( لأنَّ ) ).
[31] في (م) : (( بشيءٍ ) ).
[32] في (م) : (( بأن لا ) ).
[33] قوله: (( له ) )ليس في (ل) .
[34] قوله: (( الفضيلة ) )ليس في (ج) .
[35] قوله: (( مثلًا ) )ليس في (م) .
[36] في (ل) : (( ذلك ) )، في (م) : (( فيها لايمكن يحصل لك ) ).
[37] قوله: (( بها ) )ليس في (ل) .
[38] زاد في (م) : (( التي ) ).
[39] زاد في (ج) : (( الإمام ) ).
[40] قوله: (( ولا بدَّ ) )ليس في (ج) و (م) .
[41] في (ج) و (م) و (ل) : (( الصوفة ) ).
[42] في (ج) و (م) : (( هي ) )، وصورتها في (ل) : (( هي الشهوة التي ) ).
[43] في (ل) : (( وهو ) ).
[44] صورتها في (ج) و (م) : (( الأبد ) ).
[45] في (ج) : (( يتخير ) ).
[46] قوله: (( وجود ) )ليس في (م) .
[47] في (م) : (( ما يكون ) ).
[48] قوله: (( أعني ) )ليس في (م) .
[49] قوله: (( ولذلك قيل لداود ... الأولى ) )ليس في (ج) و (م) .
[50] في (ج) : (( لأنها تحرير ) ).
[51] في (ج) : (( وكذلك ) ).
[52] في (ل) : (( العلامات ) ).
[53] في (ج) : (( يبات ) ).
[54] في (ج) و (م) و (ل) : (( خير ) ).
[55] في (ج) و (م) و (ل) : (( ما يخلفها ) ).
[56] في (م) : (( فاتته ) ).
[57] في (ج) و (م) و (ل) : (( واويلتاه ) ).