فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 363

حديث: نهى النبي عن الشرب من فم القربة أو السقاء

225 -قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ ... ) الحديث. [خ¦5627]

ظَاهِرُ الحَدِيْثِ يَدُلُّ على حكمين:

(أحدهما) : المنع مِن أن يشرب أحدٌ مِن فم [1] السِّقاء [2] أو القِربة.

و (الثَّاني) : أن يمنع أحدٌ جاره أن يغرز خشبة في جداره، والكلام عليه مِن وجوه:

منها أن يقال: هل [3] مَنْعُه عليه السَّلام عن [4] الشرب مِن فم السِّقاء والقِربة هو عامٌّ على أيِّ وجه كان أو ليس [5] ؟ وهل النهي نهيُ كراهية أو تحريم [6] ؟ وهل ذلك معقول المعنى أو ليس [7] ؟ وهل يتعدَّى منعه [8] إلى غير السِّقاء والقِربة أو ليس [9] ؟ وهل إباحة الجدار للجار لغرز الخشبة [10] هو على الوجوب أو الندب؟ وهل ذلك على كلِّ الأحوال [11] أو في [12] بعض الأحوال دون بعض؟

أمَّا قولنا: على الشرب مِن فم السِّقاء والقِربة [13] هل هو عامٌّ أو ليس [14] ؟ ظاهر اللفظ محتمل لكن الناس اختلفوا في تأويله، فمنهم مَن جعلَهُ عامًّا على أي وجهٍ كان، ومنهم مَن قال: إنَّه إذا جعل فمَ السِّقاء والقِربة موضوعًا في الأرض كأنَّه القصعة وتناول منه الشُّرب فليست تلك الصفة بمنهيٍّ عنها، وإنَّما النهي أن يكون يصبُّ [15] الماء في حلقه ولا ينظر ما فيه ولا يقدر أن يقطع الشرب.

وأما قولنا: هل النهي على الكراهة [16] أو التحريم؟ احتمل لكن إن كانت العلة معقولةَ المعنى فيكون بحسب مقتضى العلَّة، وإن لم تُعرَف العلَّة فحينئذ يبقى الأمر فيه محتملًا للوجهين.

ويبقى فيه بحث آخر:

ج 4 ص 21

هل النهيُ يعود [17] على فساد المنهيِّ عنه فالذي يشرب يكون يشرب [18] حرامًا؟ وإن قلنا: إنَّ النهي لا يدلُّ [19] على فساد المنهيِّ عنه يكون متشابهًا هل هو حرام [20] أو مكروه؟ موضع خلاف، ويبقى فعلُه ذلك على أحدِ المحتملات: إمَّا حرامٌ فيكون آثمًا، وإمَّا مكروه [21] فيكون غير آثم.

وأمَّا قولنا: هل ذلك معقول المعنى أو [22] لا؟ ظاهر اللفظ لا يتحقَّق منه شيء مِن ذلك، لكن قد قال بعض النَّاس: إنَّ ذلك معقول وهو خيفة أن يكون في الوعاء حيوان فينصبَّ [23] مع الماء في جوفه، وقد ذُكر أنَّه [24] وقع للناس [25] مِن ذلك وقائع فتعبوا أو فشقوا [26] بها كثيرًا.

منها أنَّه [27] قد ذُكر أنَّ رجلًا شرب الماء [28] كذلك وكان في الماء ثعبان صغير فابتلعه مع الماء فحصل له منه ضرر كثير، وقد يكون أيضًا في الماء عَلَقٌ فيبلعه فيتأذَّى به [29] ، وقد يكون الماء ينصبُّ بمرة [30] فيكون سببًا أن يقطع تلك [31] العروق الصغار [32] التي بإزاء القلب [33] فيكون منها موتُه.

ومِن أجل ذلك حكمت [34] السُّنَّة أن يكون شرب الماء مصًّا ولا يكون عبًّا مِن أجل الخوف على العروق التي بإزاء القلب، فهنا [35] مِن باب أحرى.

وقال آخرون: مِن أجل ما يتعلَّق بالسِّقاء والقِربة مِن رائحة الفم، وقد يكون في بعض أفواه النَّاس بَخَر أو بخار [36] فيتعلَّق بالقِربة والسِّقاء منه شيء فيعافه الغير، وقيل: مِن أجل أنَّ بعض النَّاس لا يحملُ [37] نفسَه الشرب مِن فضلِ غيره ويتنغَّصُ حاله لذلك عند الشرب، وقيل:

ج 4 ص 22

إنَّ ذلك [38] يعود بالفساد على الوعاء فَيَنْغَلُ [39] ، فيكون مِن باب إضاعة المال وهو منهيٌّ عنه نهي تحريم.

وبحسب [40] هذه التعليلات تعرف النهي على أي وجه هو؟ لكن الذي [41] يعطيه الفقه أنَّ أمرًا يكون فيه التعليل على مثل هذا الخلاف الترك أولى فإنَّه لا يبعد أن يكون لمجموع ما ذكر فيكون يجتمع فيه التحريمُ [42] على وجهٍ والكراهيةُ على وجه، والشأن: الأخذ بسدِّ الذريعة التي تدلُّ عليها قواعد الشريعة وقد رُوي عن [43] الإمام مالك رحمه الله ومَن تبعه: أنَّ مذهبه في الأمور المحتملة الأخذ بالأشدِّ فإنَّه إبراء للذِّمَّة [44] .

وأمَّا السِّقاء: فهو الزِّقُّ الصغير مِن الجِلْد، والقِربة: الزقُّ الكبير [45] .

وأما قولنا: هل يتعدَّى الحكم إلى غيرهما؟ فإن قلنا بعدم التعليل فلا يتعدَّى ويكون مقصورًا على السِّقاء والقِربة لا غير، وإن قلنا بالتعليل _وهو الأظهر والله أعلم _فحيث وجدنا [46] العلَّة اطَّردنا [47] الحكم على أحد محتملاته.

وأمَّا قولنا: هل إباحة الجدار للجار أن يغرز [48] الخشبة فيه على الوجوب هو [49] أو الندب؟ فجمهور العلماء أنَّه على الندب، لأنَّه قد روي عن راوي الحديث وهو أبو هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقول: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله إن منعتموني لأرمينَّها [50] بين أكتافكم، فدلَّ بقوله هذا أنَّه فهِمَ مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إمَّا الوجوب أو التأكيد في الندب لعظيم [51] حقِّ الجار على جاره، لأنَّه قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي [52] بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) )والآثار في الجار كثيرة في تأكيد

ج 4 ص 23

حقِّه، والإحسان إليه، وكفِّ الأذى عنه، وإدخال السرور عليه.

وأما قولنا: هل ذلك على كلِّ حال أو ليس [53] ؟ فلا يمكن أن يكون على كل حال، لأنَّ الشَّارع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال: (( لَا ضرَرَ وَلَا ضِرَار ) ). فإن كان في غرز الخشبة ضررٌ على صاحب الحائط فلا يجب عليه ذلك وجوبًا ولا ندبًا [54] ، فإنَّ الشارع صلوات الله عليه وسلامه [55] قد منع أن يفعل الشخص في مِلكه شيئًا يضرُّ بجاره، فكيف يفعل في مال جاره ما فيه ضررٌ به؟! هذا لا يَنعَقِل [56] ، وإنَّما يكون ذلك على أحد محتملاته إذا لم يكن على صاحب الجدار في ذلك كبير ضرر، لأنَّه مِن جملة الرذِّفق [57] له. وقد قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (( لا يمنعُ [58] أَحَدُكُمْ جَارَهُ رِفْدَهُ ) ).

[1] قوله: (( فم ) )ليس في (م) .

[2] قوله: (( الحديث. ظاهر الحديث ... من فم السقاء ) )ليس في (ج) .

[3] قوله: (( هل ) )ليس في (م) .

[4] في (ج) : (( من ) ).

[5] في (م) و (ج) : (( أو لا ) ).

[6] في (م) : (( كراهة أم تحريم ) ).

[7] في (م) : (( معقول أو لا ) )وفي (ج) : (( معقول المعنى أو لا ) ).

[8] في الأصل (ط) : (( منه ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[9] في (م) و (ج) : (( أو لا ) ).

[10] العبارة في (م) : (( وهل أباحه للدار للجار يغرز الخشبة ) ).

[11] في (م) و (ج) : (( كل حال ) ).

[12] في (ج) : (( وفي ) ).

[13] في (ج) : (( أو القربة ) ).

[14] في (م) و (ج) : (( أو لا ) ).

[15] في (م) : (( أن يصيب ) )، وفي (ج) : (( أن يصوب ) )، وفي (المطبوع) : (( أن يصبَّ ) ).

[16] في (ط) : (( الكراهية ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[17] في (م) و (ج) : (( يدل ) ).

[18] في (ج) : (( فالذي يشرب شرب ) ).

[19] العبارة في (م) : (( على فساد المنهي عنه فالذي يشرب يشرب حرامًا وإن قلنا أن النهي لا يدل ) ).

[20] في الأصل (ط) : (( حلال ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[21] العبارة في (م) : (( على أحد الاحتمالين إما أن يكون حراما أو مكروها موضع خلاف فيكون آثما وإما أن يكون مكروها ) ). وفي (ج) : (( على أحد الاحتمالين إما أن يكون حراما فيكون آثما وإما أن يكون مكروها ) ).

[22] في (ج) : (( أمْ ) ).

[23] في (م) و (ج) : (( فينزل ) ).

[24] قوله: (( ذكر أنه ) )ليس في (م) و (ج) .

[25] في (ج) : (( الناس ) ).

[26] قوله: (( أو فشقوا ) )ليس في (م) و (ج) .

[27] في (م) : (( أن ) ).

[28] في (ج) : (( أنه شرب رجل الماء ) ).

[29] في الأصل (ط) : (( فيندى ) )، وفي (ج) : (( فيبلعه مع الماء ) )والمثبت من (م) .

[30] في (م) : (( وقد يكون ينصب ثمره ) ).

[31] قوله: (( تلك ) )ليس في (م) .

[32] في المطبوع: (( الضعاف ) ).

[33] قوله: (( فيكون سببا أن يقطع تلك العروق الصغار التي بإزاء القلب ) )ليس في (ج) .

[34] في (م) : (( أحكمت السنة ) )وفي (ج) : (( أحكمت بالسنة ) ).

[35] في (ج) : (( فهي ) ).

[36] قوله: (( أو بخار ) )لس في (م) و (ج) .

[37] في (ج) : (( لا يتحمل ) )، وفي (المطبوع) : (( لا تتحمل ) ).

[38] (ج) و (م) : (( فضل غيره ويتشوش وقد قيل إن ذلك ) ).

[39] في (م) صورتها: (( فينقل ) )وفي (ج) : (( فيفسد ) ). ومعنى: ينغَل: يفسد ويتعفَّن.، وفي (المطبوع) : (( فيكسر ) )

[40] في (ط) : (( بحسب ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[41] في (م) : (( الرأي ) ).

[42] في (ج) : (( التحريم فيه ) ).

[43] قوله: (( عن ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[44] قوله: (( للذمة ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[45] العبارة في (م) و (ج) : (( وأما السقاء فهو الوعاء الصغير من الجلد والقربة الوعاء الكبير منه ) ).

[46] في (ج) : (( وجدت ) ).

[47] في (م) و (ج) : (( طردنا ) ).

[48] في (ج) : (( يغرس ) ).

[49] قوله: (( هو ) )ليس في (م) .

[50] في (م) و (ج) : (( والله لأرمين بها ) ).

[51] في (م) : (( بعظم ) ).

[52] في (ج) : (( يوصي ) ).

[53] في (م) : (( أو لا ) )وفي (ج) : (( أم لا ) ).

[54] في (م) و (ج) : (( يجب عليه ذلك ولا يندب ) ).

[55] في (ج) : (( وسلامه عليه ) ).

[56] في (ج) : (( لا يتعقل ) )، وفي (المطبوع) : (( لا يعقل ) ).

[57] في (م) : (( المرفق ) ).

[58] العبارة في (م) : (( وقد ورد ما معناه لا يمنع ) )وفي (ج) : (( وقد ورد ما معناه، قال: لا يمنع ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت