فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 363

حديث: أذن في قومك يوم عاشوراء أن من أكل فليتم بقية يومه

289 - [قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لرجلٍ [1] مِن أسلم: (أَذِّنْ فِي قَوْمِكَ، أَوْ فِي النَّاسِ _ يَوْمَ عَاشُورَاءَ _ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ) . [خ¦7265]

ظاهر الحديث يدلُّ على حُكْمَين:

أحدهما: أنَّ صوم يوم عاشوراءَ يجزئ لمن أمسكَ فيه عَن الأكل والشرب، وإن لم يكن بَيَّتَ صومه مِن اللَّيل، بخلاف غيره مِن الصوم، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في غير عاشوراء: (( لا صَومَ لِمَن لم يُجمِع على الصَّوم مِن اللَّيل ) )أو كما قال عليه السَّلام.

(والحُكم الثَّاني) أنَّ حُرمته ليست كحُرمة غيره مِن النوافل، بل هو مثل حرمة الفرض، لأنَّ

ج 4 ص 345

غيرَه مِن النوافل إذا أكلَ أحدٌ فيه [2] متعمِّدًا لا يمسكُ بقيَّةَ يومه، والفرض إذا أكلَ أحدٌ فيه متعمِّدًا يُمْسِك بقيَّةَ يومه [3] .

والكلام عليه مِن وجوه:

منها أن يُقال: هل هذا الحُكم فيه مستصحب إلى هلمَّ جرًَّا، أو ذلك كان في ذلك اليوم، لكونهم لم يكونوا يعلمون حُرمته فيفوتَهم، ولا يكون ذلك بعد بلوغ العلم به؟ أمَّا [4] صومه لمن لم يعلَم [5] إلَّا بعد طلوع الفجر أو الشَّمس، أو علم ونسيَ [6] ، ولم يبيِّت صومه فالظاهر أنه يجوز [7] صومه إذا أمسك ولم يأكل ولم يشرب بعد، والدليل عليه مِن الحديث أنَّه سمَّاه صلَّى الله عليه وسلَّم صومًا، وقد قال بعضهم: إنَّما ذلك حين كان هو الفرض قبلَ فرض رمضان.

وأمَّا الذي أكل وشرب _ وهو عالم _ هل يمسك أَوْ لا؟ موضع خلاف أيضًا، لأنَّ منهم مَن قال: إنَّما ذلك حين كان فرضًا صومُهُ، فكان حُكمه حُكم الفرض، فأمَّا اليوم فلا.

وأمَّا هل يكون له أجر صومه؟ فكذلك أيضًا مَوضع خلاف، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه، لأنَّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) احتمل أن يريدَ يتمَّ بقية يومه [8] صائمًا أو ممسكًا عن الأكل، فمن جعله صومًا قال: هو فيه مأجور. ومن لم يجعله صومًا قال: ليس له أجر الصوم. وعلى كِلَا [9] الوجهين ثبتت له حُرمةٌ ليست لغيره، لا سيَّما مع قوله صلَّى الله عليه وسلَّم

ج 4 ص 346

في صومه أنَّه يكفِّرُ سنةً.

ومنها: أيُّ يوم هو؟ فقد [10] اختلف العلماء فيه، فقيل: اليوم التاسع وقيل: اليوم العاشر، فمن أراد الخروج مِن الخلاف جمع بين اليومين، لكن ظاهرُ الحديث يدلُّ على أنَّه اليوم العاشر، وكذلك ما نُقل عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ اليوم الذي صامه كان [11] العاشر، وأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (( إذا كانَ _ إنْ شاءَ اللهُ _ في السَّنةِ الآتيةِ أصومُ التَّاسعَ ) ). فانتقل إلى كرامة ربِّه عزَّ وجلَّ قبل وصوله إليه صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأمَّا قوله: (أَذِّنْ فِي النَّاسِ، أَوْ فِي قَوْمِكَ) الشكُّ هنا مِن الراوي، وهذا ممَّا [12] تكرَّر الكلام فيه مرارًا أنه ممَّا [13] يدلُّ على صِدقهم وتحرِّيهم في النَّقل.

و (أَذِّنْ) بمعنى: أعلِمْ، ويُؤخذ منه الدليل على جواز النيابة في تبليغ العلم، لأنَّ سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم استناب هَذا الرجل مِن أسْلَمَ أن يُعْلِم النَّاس عنه.

ويُؤخذ منه أنَّ مِن السُّنَّة أن يُعظَّم ما عظَّم الله تعالى، مِن أي المخلوقات كان، مِن جماد أو حيوان أو زمان، اتباعًا لحكمة الحكيم، يُؤخذ ذلك مِن تعظيم سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم لهذا اليوم، لأنَّه عليه السَّلام لَمَّا دخل المدينةَ وَجَدَ اليهودَ يصومونه، فسأل: (( لِمَ يصومونه ) )؟ فأخبروه أنَّه اليومُ الذي نجَّى اللهُ فيه موسى عليه السَّلام وغرق [14] فيه فرعون، فقال عليه السَّلام: (( نَحْنُ أَوْلَى بِأخي مُوسَى ) )، فصامَهُ وأمرَ بصومه، وكان هو الفرض، حتَّى فُرض رمضان.

وفيه دليل على أنَّ تعظيم ما عظَّمَهُ

ج 4 ص 347

الله تعالى، مِن هذه الأزمنة والأماكن [15] ، إنَّما هو بعمل الطَّاعات فيها لله تعالى بحسب مَا تقتضيه الشَّريعة، مع اعتقاد الإيثار له على غيره مِن جنسه.

وفيه دليل لمن يقول مِن العلماء إنَّ لسيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُشرِّع مِن الأحكام ما شاء، وأنَّ ذلك حُكم الله تعالى يجبُ العمل به، وهو الحقُّ. يُؤخذ ذلك مِن أمره عليه السَّلام بصوم هذا اليوم، ولم يذكر [16] فيه عن الله شيئًا لأنَّ الأمور التي أَمَر عليه السَّلام بها عن الله [17] يخبر أنَّها عن الله، وهذا مستقرَأٌ [18] مِن السُّنَّة.

وفي قوله عليه السَّلام: (( نحنُ أَوْلَى بأخي مُوسَى ) )دليل على أنَّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد عليه نسخٌ في شريعتنا، وَعلى هذا جماعة مِن العلماء، ويقويه [19] قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] .

وفي ترفيع الله تعالى بعض الأزمنة عَلى بعض، وكذلك الأماكن إلى غير ذلك دليلٌ على عِظَم رحمته عزَّ وجلَّ بعباده المؤمنين. يُؤخذ ذلك مِن إرشاد الرسُل عليهم السَّلام إلى تعظيمها وإلى أعمال البرِّ فيها وزيادة الأجور في ذلك للعاملين. وذلك مثلما قال عليه السَّلام في صوم [20] هذا اليوم أنه يكفر السنة الماضية [21] .

فظاهرُ ما قصد منها كثرةُ الأجور والخير لنا، فضلًا مِن الله ونعمة. لله الحمد على ذلك.

[1] في (ب) : (( عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال لرجلٍ ) ).

[2] قوله: (( أحد فيه ) )ليس في (ج) ، والمثبت من (ب) و (ت) .

[3] قوله: (( والفرض إذا أكل أحدٌ فيه متعمدًا يمسك بقية يومه ) )ليس في (ج) ، والمثبت من (ب) و (ت) .

[4] في (ب) : (( وأما ) ).

[5] زاد في (ب) : (( به ) ).

[6] في (ب) : (( أو نسي ) ).

[7] في (ت) : (( يجزيه ) ). في (ب) : (( في الظاهر يجزيه ) ).

[8] قوله: (( احتمل أن يريد يتمَّ بقية يومه ) )ليس في (ج) ، وقوله: (( بقية ) )ليس في (ب) ، والمثبت من (ت) .

[9] في (ت) : (( كل ) ).

[10] في (ت) : (( قد ) ).

[11] في (ت) : (( الذي صام فكان ) ).

[12] زاد في (ت) و (ب) : (( قد ) ).

[13] في (ب) : (( الكلام عليه مرارًا مما ) ).

[14] في (ب) : (( وأغرق ) ).

[15] في (ب) : (( أو الأماكن ) ).

[16] في (ج) : (( يكن ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[17] زاد في المطبوع: (( كان ) ).

[18] الهمزة صحيحة

[19] في (ت) : (( وتقويه ) ).

[20] في (ب) : (( صومه ) ).

[21] في (ج) : (( الآتية ) )، وفي المطبوع: (( وذلك مثلما قال عليه السَّلام: صِيَامُ يومِ عاشُوراءَ أَحْتَسِبُ على الله أنَّهُ يُكَفِّر السَّنَّة التي قَبْلَه والسَّنَّةَ التي بَعْدَه. متَّفقٌ عليه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت