فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 363

حديث: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار

151 -قوله: (قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا كَانَ أَمَرَ بِحَرْقِ فُلَانٌ وفلانٌ ... [1] ) الحديث. [خ¦3016]

ظاهر الحديث [2] يَدُلُّ عَلَى أنَّ العقاب والحدود لا تكون بالحَرق، وإنَّما تكون [3] بغيره، وإن كان قد ورد عن أبي بكر [4] رضي الله عنه أنَّه أحرق [5] لوطيًّا، لكن كان [6] ذلك منه [7] مرَّة واحدة ولم يفعله بعد، ولعلَّه فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه، ورجع عنه ببلوغه إليه، والكلام عليه مِن وجوه:

الأَوَّل [8] : أنَّه يجوز للمجتهد إذا حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع ذلك [9] عن اجتهاده ذلك إلى [10] غيره إذا كان الحكم باقيًا [11] لم يمضِ، لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال: (فَإِنْ [12] وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا) .

الثَّاني: أنَّ المجتهد إذا حكم بحكم ثم ظهر له غيره أن يذكر العِلَّة الموجبة لتغيير الحكم، لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيَّن العذر الذي لأجله رجع بِقَوْلِهِ عليه الصَّلاة والسَّلام: (إِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ عز وجل) .

الثالث: جواز النيابة في الأحكام، لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن [13] يؤتى إليه بهما.

الرَّابع: أنَّ [14] مَن سَبَّ الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم قُتِل ولم يُسْتَتب، لأنَّ فلانًا وفلانًا المذكورين في الحديث قد سُمِّيا في

ج 3 ص 148

حديث غير هذا، وقيل: كان سبب ذلك أنَّهما كانا يؤذيان الله ورسوله.

الخامس: أنَّ إطالة الزمان لا توجب [15] رفع العقاب [16] ، لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما، وقَبِلَ ذلك حين [17] كانت الإذاية [18] منهما صادرة، وَلَمْ [19] تُرْجَ القدرة للمسلمين عليهما لم يأمر فيهما بشيء.

ويترتَّب على هذا مِن التنبيه أن مَن وقع في شيء يوجب العقاب فستر [20] الله عزَّ وجلَّ عليه وأسبغ نِعَمَه [21] وأمهله فلا يَغتَرُّ [22] بذلك ويَدومُ على المخالفة ويقول: أرجو العفو لِمَا ظهر مِن صفة [23] الرحمة مِن دوام الستر وإدرار النعم، وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل مفاجأة المنايا أو النقم [24] ، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول في كتابه العزيز [25] : {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ *مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207] وقال تعالى [26] : {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] والغَرور [27] هو الشيطان، والغُرور _بضم الغين_ هو ما يلقيه مِن تسويلاته وتخيلاته [28] مِن [29] ترك الخوف والطمأنينة بما أظهر عزَّ وجلَّ [30] مِن إمهاله وادرار إنعامه [31] وقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ اللهَ يُمْهِلَ الظَّالمَ حَتَّى [32] إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) )والتنبيه هنا لكلِّ نوعٍ مِن نوعه لأهل الظاهر مِن نوعه، ولأهل الباطن مِن مشربهم [33] ، فتنبَّهْ إن كنت لبيبًا وما يتذكَّر إلا مَن ينيب، والله حسبنا وكفى [34] .

[1] في (ج) : (( قوله: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا ) ).

[2] في (م) : (( وعلى هذا فقس عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم أني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإذا لقيتموهما فاقتلوهما ظاهر الحديث ) ).

[3] في (ج) : (( تكون ) ).

[4] زاد في (ج) : (( الصديق ) ).

[5] في (م) : (( حرق ) ).

[6] قوله: (( كان ) )ليس في (م) .

[7] في (ج) : (( منهم ) ).

[8] في (ج) : (( أحدها ) ).

[9] قوله: (( ذلك ) )ليس في (ج) .

[10] في (م) : (( أن ينزع عن اجتهاد ذلك إلى ) ).

[11] في (ط) : (( باق ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[12] في (ج) و (م) : (( إن ) ).

[13] في (م) : (( أن ) ).

[14] في (م) : (( أنه ) ).

[15] في الملف: (( لا تمنع ) )، وفي (ج) : (( لا تدفع ) ).

[16] في (م) : (( الخامس لأن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ) ).

[17] في (م) : (( وقبل ذلك كان حين ) ).

[18] في (ط) : (( الأذاة ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[19] في (ج) : (( ولو لم ) ).

[20] في (م) : (( فيستر ) ).

[21] في (ج) و (م) : (( وأسبغ عليه نعمه ) ).

[22] في (م) : (( وأمهله ولا يغتر ) ).

[23] في (م) : (( صفته ) ).

[24] في (م) : (( المنايا والنقم ) ).

[25] قوله: (( العزيز ) )ليس في (ج) و (م) .

[26] قوله: (( وقال ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[27] قوله: (( الغرور ) )ليس في (ج) .

[28] في (م) : (( وتخييلاته ) ).

[29] قوله: (( هو الشيطان والغُرور ... تسويلاته وتخيلاته من ) )ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.

[30] في (ج) : (( بما أظهر منه عز وجل ) ).

[31] في (ج) : (( افعاله ) ).

[32] قوله: (( حتى ) )ليس في (م) .

[33] قوله: (( من مشربهم ) )بياض في (ط) ، وفي (ج) : (( ولأهل الطريق من مشربهم ) )والمثبت من (م) ، وفي (المطبوع) : (( بمشربهم ) ).

[34] في (ج) : (( وحسبنا الله وكفى ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت