فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 363

حديث: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب

48 -أبو هريرة: (أَنَّ [1] النَّاسَ [2] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ... ) الحديث [3] . [خ¦806]

ظاهره تحقيق رؤية ربنا جل جلاله يوم القيامة، والكلام عليه من وجوه:

منها قوله عليه الصَّلاة والسَّلام [4] : (هَلْ تُمَارُونَ) معناه: هل تَشُكُّون؟ وعلى الرواية الأخرى: (( هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دونه سَحَابٌ؟ ) )فهذه من الأشياء التي لا يشكُّ أحدٌ أنَّ القمر موجودٌ مرئيٌّ، ولو سكت عليه الصَّلاةُ والسَّلام واقتصر على هذا المثال [5] لكان في البيان والتَّحقيق كافيًا، ثمَّ أكَّده عليه الصَّلاةُ والسَّلام بأن قال: (هَلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟) .

وفي ابتدائه عليه الصَّلاةُ والسَّلام أوَّلًا [6] بالقمر ثمَّ الشَّمس [7] بعده من الحكمة وجوه:

منها: اتِّباع الأبِ الجليل وهو: إبراهيمُ الخليلُ عليه أفضلُ [8] الصَّلاة والسَّلام [9] كما اتَّبعه عليه الصَّلاةُ والسَّلام في الملَّة اقتداء به في الدَّليل، فكان دليل الخليل على إثبات وجود الربوبيَّة واستدلال الحبيب بمقتضى ذلك الدَّليل نفسه على إثبات الرؤية [10] فكلٌّ استدلَّ [11] بمقتضى حاله؛ لأنَّ الخُلَّةَ [12] تصحُّ بالوجود، والمحبَّة لا تقعُ [13] إلَّا برؤية المحبوب.

وفيه مِن الحكمة أن رؤية القمر يُقِرُّ بها كل مَن يبصر [14] ولو كان من ضعف بصره ما عسى أن يكون، فعند تمام البدر دون سحاب يبصرُه ضرورةً، وبقي [15] من لا بصر له يكون عنده وجود رؤية القمر تقليدًا والشمس يشهد بوجود رؤيتها مَن له بصر ومَنْ لا بصر له، فإن الأعمى يلقاه حَرُّها وإذا قابلها وقت الظهيرة وليس دونها سحاب

ج 1 ص 430

أحس بإدراكها زيادةً [16] يجدها على ما يخبرون هُم [17] بذلك، فأكَّدها صلَّى الله عليه وسلَّم بأشدَّ من الأوَّل [18] ويكون معنى [19] المثال في تحقيق الرؤية لا في الكيفيَّة، لأنَّ القمر والشَّمس [20] متحيِّزان [21] ، والحقُّ سبحانه وتعالى ليس بمتحيِّز، وليس أيضًا شيءٌ من مخلوقاته يشبهه هذا بدليل العقل والنقل.

فأمَّا من [22] طريق العقل: فبالإجماع منهم أنَّ الصنعة لا تشبه الصَّانع والشَّمس والقمر خَلقٌ من خلقه عزَّ وجلَّ فليس بينهما شبَهٌ بوجه من الوجوه.

وأمَّا من طريق النَّقل فما جاء في التَّنزيل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ،وإنَّما العربُ تشبِّهُ الشيء بالشيء لشبهٍ ما يكون فيه [23] كقولهم: (زيدٌ مثلُ الأسد) ، والبشرُ ليس بينه وبين الأسدِ في الخِلقة مماثلة، وإنَّما شبَّهوه به [24] لكثرة شدَّته، ومثل ذلك قولهم: (فلانٌ مثلُ القمر) ولا شبه في الخِلقة بينهما، وإنَّما شبَّهوه به [25] لحُسنه، هذا في المحدَثَات التي بينهم نسبة [26] الحدوث فكيف بمن لا نسبة [27] بينه وبين خلقه جلَّ جلالُه؟

وهذا مِثلُ ما يقولُ النَّاس بعضهم لبعض إذا سأل أحدهم الآخر في أمر: هل هو حقٌّ أم لا؟ فيحلف له أنَّه حقٌّ كما أنت موجود في الوجود؛ لأنَّ علم الضَّرورة لا يشكُّ أحدٌ فيه فردَّ لهم صلَّى الله عليه وسلَّم علم الإيمان بالرؤية الذي هو [28] من قبيل التَّصديقِ بالغيب من قبيل علم الضَّرورة الذي هو مقطوعٌ به لا يخالف فيه أحدٌ في الوجود.

وعلم [29] الضَّرورةُ هو أن تسلم أنَّ [30] السماءَ فوقك موجودةٌ، وأنَّ الأرضَ تحتك موجودةٌ [31] ، وأنَّك فيها [32] موجود الآن، وكذلك ما أدركتَه من جميع الموجودات تشهد [33] بالقطع

ج 1 ص 431

الذي لا ارتياب فيه بأنَّها موجودة [34] حِسًّا.

وفيه من الفقه: جوازُ الاستدلال بالعلم النَّظريِّ على علم الضَّرورة وبنائه عليه.

وفيه من الفقه أيضًا: أنْ يُخاطَبَ كلُّ شخص بما يفهمه؛ لأنَّ العرب فهموا عنه صلَّى الله عليه وسلَّم [35] المعنى الذي أشرنا إليه ولو كانوا غير عرب لم يبيِّن لهم عليه الصَّلاةُ والسَّلام إلَّا بما كانوا يفهمون عنه يؤيِّدُ ذلك قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: (( خَاطِبُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ) )أي: على قدر ما يفهمون، وعلى رواية: (( تُضَامُّون ) )أي: لا تتضاغطون، لأنَّ القمر إذا ارتُقِب في أوِّل ليلة تضاغط النَّاس على مَن أبصره لكي يُريهم إياه ويتعبون في إدامة النَّظر إليه. وبعضهم يتعب وقد لا يراه لضعف بصره، وإذا كان ليلة كماله لم [36] يتضاغط أحد مع أحد ولا يتعب أحد في رؤيته بل قد كسا [37] نورُه جميعَ الأرض، وانشرحت له الصُّدور فيكون معنى هذا الوجه مثلَ الأوَّل في تحقيق الرُّؤية وزيادة معنى ثان: إنَّكم [38] أيَّها المؤمنون كلُّكم ترون ربَّكم يوم القيامة على حدٍّ واحدٍ برِّكم وفاجركم [39] كما ترون البدر عند كماله دون سحاب، والشَّمس دون سحاب بلا تعب كذلك ترون ربَّكم حقًا لا تفاوت بينكم [40] في ذلك كما يشهد له آخر الحديث.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (تَرَوْنَهُ) كذلك عائد على تحقيق الرُّؤية التي أخبر بها عليه السلام [41] من أنهم لا يَشُكُّون في القمر ولا في الشمس بتلك الصفة فيقول [42] : كذلك [43] ترونه بلا ريب ولا امتراء.

وهنا تنبيهٌ وهو أنَّه لا يلزم من الرؤية التَّحديد ولا الإحاطة؛ لأنَّ بعض

ج 1 ص 432

مخلوقاته سبحانه [44] لا نراها ونعلم بالقطع [45] أنَّها محدودةٌ، ولكن لا نحيط نحن بها مثل السَّماء والأرض نحن ندركُ كل واحدة منهما [46] ونبصرها ولا نحيطُ بها ونحن نعلم بالضَّرورة أنَّها محصورةٌ محدودةٌ فكيف بمن [47] ليس كمثله شيء؟.

وتنبيه [48] ثانٍ [49] : وهو أنَّه لا يلزم أيضًا [50] من الرؤية الجهة لأنَّا نرى من خلقه كثيرًا، وليس [51] هم في جهة مثل الليل والنهار فإنا [52] نبصرهما وليسا في جهة فكيف بمن ليس كمثله شيء؟.

وتنبيهٌ [53] آخر أيضًا وهو: أنَّه لا يلزم من الرؤية [54] إدراكُ جميع الصفات فإنَّا نبصر من بعض مخلوقاته ما نبصره ولا ندرك منه حقيقة صفته مثل [55] الماء فإنَّا نبصره ونشربه ولا نعلم له لونًا، لأنَّه كلَّما جعل في شيء يكون لونه لون ذلك الشيء وحقيقة لونه القائم [56] به لا يدركه أحدٌ [57] ولم يقدر أحدٌ من المتحقِّقين أنْ يُخبِر عنه بلون ما [58] فكيف [59] بمن ليس كمثله شيء؟ فتحَصَّل [60] من ذلك كلِّه تحقيقُ رؤيته جلَّ جلاله بلا ريب مع نفي الكيفيَّة بلا ريب أيضًا.

وقوله [61] عليه الصَّلاة والسَّلام [62] : (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: يُجمع كما قال عزَّ وجلَّ: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الأعراف: 111] أي: مَن يجمع النَّاس.

وفيه من الفقه: الإيمان بالبعث بعد الموت، وبكلِّ ما ورد من الأخبار في ذلك اليوم العظيم والتَّصديق بذلك أنَّه حقٌ كما أخبر عليه الصَّلاةُ والسَّلام، ولا يُتَعرَّض [63] أيضًا إلى الكيفيَّة في كلِّ ما جاء من أمر السَّاعة فإنَّه أمر لا تَسعهُ العقول، وطلب الكيفيَّة فيه ضَعْفٌ في الإيمان وإنَّما يجب الجزم بالتَّصديقِ كما أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّ قدرة القادر لا [64] تتوقَّف على ممكِن، بل تفعل ما

ج 1 ص 433

شاءت كيف شاءت [65] .

وقوله [66] عليه الصَّلاة والسَّلام: (فَيُقَالُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ [67] ) . (شيء) يعمُّ جميع الأشياء محسوسة [68] مدرَكَة كانت أوغير مدرَكَة، فالمدرَك منها [69] الشَّمس والقمر والنُّجوم والأوثان على اختلافهم [70] ، وغير المدرَك منها مثل الملائكة وهوى النُّفوس [71] لقوله عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] . وما أشبهها [72] ، وفي قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام أوَّلًا [73] : (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا) ثمَّ ذكر الشَّمس والقمر ثُمَّ عمَّ ذلك [74] بذكر الطَّواغيت دليل على أنَّ [75] كلَّ ما يُعبَد من دون الله كائنًا ما كان هو من جملة الطواغيت فلو سكتَ عليه الصَّلاةُ والسَّلام عند قوله: (شَيْئًا) [76] لكان [77] احتمل ما بيَّنه بالمثال وهو ما سوى الله من مخلوقاته واحتُمِل أن يريد [78] : (مَنْ عبدَ الله) ، فإنَّه يُبدَّأُ [79] في ذلك الوقت على جميع مَن عُبِد منْ دونِ الله فيتبعه كلُّ من كان يعبده، فإنَّ [80] (شيئًا) يصدق على المولى جلَّ جلالُه وعلى غيره من مخلوقاته، ولذلك قال عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ،فهو جلَّ جلاله شيءٌ وليس كمثله [81] شيء.

وذكر عليه الصَّلاةُ والسَّلام الشمس والقمر؛ لأنَّهما أعظمُ المخلوقات المدرَكات التي عُبِدَتْ من دون الله، ثمَّ عاد عليه الصَّلاةُ والسَّلام إلى إجمال الأوثان بقوله: (الطَّوَاغِيتَ) فأزال بهذا [82] الاحتمال الثَّاني وصحَّ به الوجه الأول [83] كما ذكرناه [84] .

ويترتَّبُ على هذا من أدب الفقه أن [85] من حُسن الكلام إذا كان في كلام المتكلم ما يقع فيه أو في [86] بعضه احتمالٌ للوجه الذي أراده ولغيره أن [87] يأتيَ بمثال أو إشارة يذهب بها ذلك المحتَمل ويحقق [88] ما أراده ويترتَّبُ عليه من الحكم ألَّا يُحكَم على المتكلِّم إلَّا بما يقتضيه

ج 1 ص 434

جميع كلامه من أوَّله إلى آخره، ولا يلزم البعضَ ويترك البعض إذا كان الكلام مرتبطًا بعضُه ببعض.

وفيه دليلٌ على أنَّ الحكم يوم القيامة ليس الشَّخص فيه كما هو هنا باختيار نفسه يُؤخَذُ ذلك من قوله: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ [89] ) ثمَّ لا يَسعُه إلَّا الاتِّباع [90] ، وإنْ كان يُفضي به كما هو متحقِّق إلى الهلاك، وهنا الأمر قد ورد والمتِّبعون على اختلاف فمتَّبعٌ بالجملة وتارك بالجملة أيضًا وما بينهما.

والحكمة من [91] ذلك والله أعلم لمَّا كانت [92] هذه الدار يجتمع فيها الحق والباطل كان أهلها على ذلك الوضع [93] ، ولمَّا كانت تلك حقٌّ كلُّها كان [94] الكلُّ فيها على مقتضى وضعها.

وهنا بحث، فإنَّه قال وأخبر [95] أنَّه: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا اتَّبَعَهُ) وسكت ولم يخبر عن استقرارهم أين يكون؟ [96] فسكوتُه [97] عليه الصَّلاةُ والسَّلام عن غاية الاستقرار يؤخَذُ [98] من مفهوم الكلام، وهو: أنَّه لمَّا أخبر عليه الصَّلاةُ والسَّلام بأنَّهم طواغيت، فقد [99] عُلِم بقواعد الشَّرع أنَّ الطَّواغيت كلَّها في النِّار فلِلْعلم بذلك سكت عنهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وإنْ كان قد بَيَّنَه في حديث آخر فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام ذكر فيه [100] أنَّهم يَرِدون [101] جميعًا النَّار [102] الأوثان وعُبَّادها، وقد نَبَّه عزَّ وجلَّ على ذلك في كتابه بقوله تعالى في فرعون وهو واحدٌ ممَّن عُبِد من دون الله: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98] .

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام [103] : (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا) .وهنا [104] بحث في (الأمَّة) هل الألف واللام للجنس يعني: أمة التَّوحيد من الثَّقَلَين من أوِّل العالم إلى آخره، أو للعهد يعني به [105] أمَّة محمَّد

ج 1 ص 435

صلَّى الله عليه وسلَّم [106] لا غير؟

احتُمِلَ، والأظهرُ [107] : أنَّها للجنس بدليل ما عدا عبَّاد الطواغيت، وهم جميع الرُّسل وأممهم من الجنِّ والإنس أي: أنَّهم لا يتبعون وثنًا [108] وإن كان فيهم المنافقون وهم غير مؤمنين لكنَّهم لمَّا ادَّعوا أنَّهم مؤمنون أُبقُوا مع المؤمنين.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام [109] : (حَتَّى يَأْتِيَ) تمحيصٌ [110] ثانٍ لحقيقة دعوى الإيمان فهناك يتميَّز الخبيثُ من الطَّيِّب، وفي هذا الموضع دليلٌ على فضل الإيمان لأنَّه لمَّا تلبَّس هؤلاء المنافقون بدعوى الإيمان أُبقيت عليهم حرمةُ ما في ذلك الوقت العظيم من أجل تلك الدَّعوى.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام [111] : (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ عزَّ وجلَّ) الإتيانُ: هنا بمعنى الظهور؛ لأنَّ الإتيان في اللغة يكون بمعنى المجيء والانتقال كما تقول: أتى زيد، وقد يكونُ بمعنى الظُّهور كقولهم: أتى [112] الأمرُ الذي قُلتم بمعنى: ظهر، وأتى الحقُّ أي: ظهر، ومثلُه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَا يَبْقَى العَدْلُ بَعْدِي إِلَّا يَسِيْرًا، فَإِذَا طَلَعَ الجَوْرُ ذَهَبَ [113] منَ العَدْلِ مِثْلَهُ ) )والجَورُ ليس [114] هو جِرمًا [115] يطلع ويَبْرُزُ، وإنَّما هو بمعنى [116] ظهوره، فيكون [117] الإيمان بالإتيان مع عدم الكيفية والأوصاف [118] اللائقة بالمحدثات كلِّها.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام [119] : (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) هذا أيضًا يجب [120] الإيمانُ به مع نفي الكيفيَّة، لأنَّ [121] مولانا سبحانه لا يتكلَّم بحرف ولا بصوتٍ، وإنَّما هذا [122] ميسَّرٌ بلغة سيِّدنا محمَّد [123] صلَّى الله عليه وسلَّم كما يسَّر [124] القرآن الذي هو كلامه عزَّ وجل، فَيُيَسِّر [125] لهم إذ ذاك كلامُ مولانا جلَّ جلاله بلغة العرب كما يَسَّر [126] لهم كلامَه في الدُّنيا باللِّسان العربيِّ.

واحتُمِل

ج 1 ص 436

أن يكون عزَّ وجلَّ يكلِّمُهم بكلامه الذي هو صفته عزَّ وجلَّ كما كلَّم موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وفهَّمه له [127] كيف شاء وتكون [128] يُسِّرَتِ العِبارُة [129] هنا لسيِّدنا [130] صلَّى الله عليه وسلَّم بلغته كما يُسِّر القرآنُ بلغته [131] بمقتضى الحكمة، والكيفيَّةُ في الموضعين [132] غيرُ ملحوظة بل منفيَّةٌ نفيًا كليًّا [133] .

ويترتَّبُ على ذلك من الفقه: الإيمانُ القطعيُّ بالكلام المذكور مع عدم الكيفيَّة وكذلك في كلِّ موضع يقع الكلام فيه سبحانه، في ذاته الجليلة [134] ، أو في صفة من صفاته لا سبيلَ للنَّظر في الكيفيَّة في شيءٍ من ذلك [135] .

وقوله عليه السلام [136] : (فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) هذا أدلُّ دليلٍ على أنَّ إدراكات الحواس خَلْقٌ منْ خَلْقِ الله، يخلُق [137] عزَّ وجلَّ فيها ما يشاء كيف يشاء، يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (يَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) على المعنى المتقدِّم، فمع [138] الرؤية والكلام لم تقع [139] لهم معرفة، لأنَّ حِجابَهم جُعل من عند أنفسهم.

ونضرب لذلك مثلًا [140] في عالم المخلوقين وللهِ المَثَلُ الأعلى، مَثَلَ قرصِ الشَّمس إذا أقبلت وقيل: لضعيف البصر: انظر الشَّمس [141] وهو يعلم بالقطع أنَّ عين الشَّمس إذا لم يكن دونها سحاب أنَّها مستنيرةٌ، فإذا نظر إليها ببصره رأى فيها طرقًا حُمْرًا وصُفْرًا وسُودًا، فيقول: ليست [142] هذه الشَّمس التي [143] أعلم، فيُقال له: منك عدم حقيقة الإدراك، فينازِع في ذلك فيقال له [144] : داوِ بصرَك ثمَّ تعالَ [145] وأبصرها، فإذا داوى بصره وعاد إلى نظرها رآها على حال

ج 1 ص 437

كمالِها من الحُسن والضِّياء، فحينئذ يسلِّم أنَّ حجابه كان من عند نفسه، هذا في مخلوق مع مخلوق، فكيف مع من {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشُّورى: 11] . فالحُجُب كلُّها التي لنا منَّا بمقتضى القدرة والحكمة [146] الرَّبَّانيِّة.

وفيه تعلُّقٌ لأهل الصُّوفيَّة [147] الذين يقولونك بأنَّ الحُجُبَ كلَّها من [148] أنفسهم، فمن صحَّ له منهم الخروج الكلِّي عنها فقد وصَلَ وَعَرَفَ وعُرِّف [149] وخَاطَبَ وخُوطب وأبصر وبُصِّرَ، لكن مع التزام حدود الإكبار [150] والإعظام وتقرير القواعد الشَّرعيَّة والتَّنزيه اللائق بالجلال.

وقوله: (هَذَا مَكَانُنَا) أي [151] لا نبرحُ منه. وقوله: (حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا) أي: يتجلَّى لنا كما وعدنا في دار الدُّنيا، ويُؤخَذُ هنا [152] من الفقه أنَّه على قَدْر حال [153] علمك في [154] هذه الدَّار يكون حالُك في تلك الدَّار، ولذلك قال عمر بن الخطَّاب [155] رضي الله عنه حين قيل له عن عذاب القبر وفَتَّانيه [156] قال [157] :يكونُ [158] معي عقلي؟ قيل: نعم، قال: لا أبالي، وذلك لعلمه أنَّ علَمه يكون على أكمل حالات الإيمان، فلذلك قال: إذا بقي معي ما عقلته من الإيمان فأنا ناجٍ لا شكَّ فيه، وإنَّما خاف من تبديل الحال، ولذلك قال أهل العلم بالمعرفة والشَّريعة: إنَّ التجلِّي هناك في دار الكرامة يكون تفاوت النَّاس فيه على قدر معرفتهم في هذه الدَّار بالإجلال والإعظام.

وقوله: (فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) معناه: فإذا تجلَّى [159] لنا وعرَّفَنا نفسَه عرفناه؛ لأنَّ المؤمنين هنا يعرفون أنَّ قدرته جلَّ جلاله عظيمة [160] تفعل ما شاءت كيف شاءت [161] .

وهنا بحثٌ هل

ج 1 ص 438

كلُّ النَّاس يقولون ذلك على لسان واحدٍ؟ أو أهل الخصوص والمعرفة هم الذين يجاوبون ويُخاطَبُون، والغيرُ في حكم التَّبع كما هو [162] الأمر في هذه الدار، لأنَّ العرب إذا تكلَّم البعضُ من الجمع قالوا [163] : قال القوم؟ الأمر محتمِلٌ للوجهين معًا والقدرة صالحةٌ أنْ تعطي [164] هناك العاميَّ [165] من حُسن الجواب والأدب كما [166] تعطيه للذي قد مُنَّ عليه بالمعرفة هناك [167] .

وفيه بشارةٌ عظيمة وهي: الإخبار بإبقاء الإيمان وهذا القَدْر من الأفضال حتَّى يقع الخِطَابُ بين هذا العبد الذي هو على ما هو [168] من الحقارة [169] ، مع هذا المولى الجليل مع ما هو عليه من الاستغناء والجلال، ولذلك رُويَ عن بعض المتعبِّدات أنَّها كانت تفرح بالموت وتقول: أوليس يخاطُبني ويوبِّخني ويقول لي: يا أَمَةَ السُّوء [170] فعلتِ كذا [171] وكذا؟ فذلك [172] غاية مطلبي. وقوله [173] : (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) أي: يتجلَّى لهم ثانية [174] .

وقوله: (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) [175] على ما تقدم في القول قبله من البيان.

وقوله [176] : (فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) [177] فحين [178] مَنَّ عليهم عزَّ وجلَّ [179] بالمعرفة عرفوه.

وقوله: (فَيَدْعُوهُمْ) هنا أي [180] يدعوهم إلى الاتِّباع لما جاء في حديث غير هذا.

وقوله [181] : (فَيَتَّبِعونَهُ) أي: يتَّبعون حيث يُؤمَرون، وقد جاء أنَّ في هذا الموطن أعني [182] موطن الاتِّباع يكون التفرقة بين المؤمنين والمنافقين حين يقال: التمسوا [183] وراءكم فيلتفتون فيُضرب بينهم بسُورٍ كما أخبر جلَّ جلالُه في كتابه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد: 13] ، وقد جاء أيضًا مثلُه في حديثٍ

ج 1 ص 439

غير هذا.

وفيه من الفقه أنَّ عند الاختبار تتبيَّن حقيقة الحقائق، ويترتَّبُ عليه من الفائدة بعد الإيمان القطعيِّ به أن يختبر المرء هنا [184] حال إيمانه حتَّى يعلم من أيِّ الفِرَق [185] هو؟ ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبَلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ) ). ولتَعْلَم [186] أنَّ حُكمَ الله عدل، وما أُمِرْنَا به حقٌّ، وأنَّ الحكم لا يتبدَّلُ، فلا تهمِل نفسك وتطمع في الخلاص بضدِّ موجبه فهو عينُ الحمق.

وهنا سؤال: لمَ يتجلَّى [187] مولانا لنا أوَّلًا [188] ولا يُعطينا [189] المعرفة، وفي الثَّانية يتجلَّى لنا ويمنَّ علينا بالمعرفة؟ ولِمَ لا يتجلَّى لنا عندما اتَّبعت كلُّ أمِّة ما عبدت؟

فإن قلنا: هذا ممَّا استأثر الحق عزَّ وجلَّ به ولا سبيل لنا لمعرفة الحكمة في ذلك فلا بحث، وإن قلنا: إنَّ الحكيم لا يفعلُ شيئًا إلَّا عن حكمة [190] وما أخبرنا إلَّا [191] أن نتفكر ونعتبر ونتبصر [192] وهو الأظهر والله أعلم.

فما الحكمة في أنَّه عزَّ وجل تجلَّى لنا مرَّتين ومنعنا في الأولى المَيْزَ ومَنَّ به علينا [193] في الثَّانية؟

فنقول [194] والله أعلم: لأنْ يكونَ بدءَ الخير وهو التَّجلِّي والكلام بما كنَّا عرفناه به في الدُّنيا أنَّه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، وأنَّ كلَّ ما فينا من حواس وما فينا [195] من إدراك خَلقٌ له عزَّ وجلَّ، فعرَّفنا أولًا بالصِّفة التي ابتدأنا بها في الخلق أولًا وآخرًا، وهي [196] صفة القدرة المتصرِّفة فينا مع إبقاء صفات دعوانا فيما جبلنا عليه أولًا بأول بمقتضى الحكمة.

وأمَّا كونه [197] عزَّ وجلَّ أَخَّرَ التجلِّي حتَّى لم يبقَ

ج 1 ص 440

إلَّا هذه الأمَّة فيها منافقوها، على البحث المتقدِّم وهم جميع الرُّسل وأممهم [198] جنًا وإنسًا فذلك [199] والله أعلم ليُظهِر لهم قدر [200] النِّعمة عليهم إذ يعاينون ذلك [201] الجمع الكثير [202] كلهم يَرِدُون [203] النَّار ثمَّ يمنُّ عليهم عزَّ وجلَّ [204] بعد ذلك بالتجلِّي والخطاب.

فيقدرون [205] إذ ذاك [206] قدر [207] المنة بمقتضى الحكمة كما جعل عزَّ وجلَّ بين الجنة والنار طيقانًا يُبصِر أهل الجنة منها أهلَ النار وما هم فيه فيكبر عندهم قدرُ النعمة التي هم فيها؛ لأن النعمة لا تُعرَف إلا بمعرفة ضِدِّها [208] جعلنا الله من أهل نعمه في الدارين بمنِّه [209] .

وقوله [210] : (وَيُضْرَبُ [211] الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانِي جَهَنَّمَ) . وقوله [212] : (يُضرَبُ الصِّراط) أي: يُنصَب كما تقول: ضربتُ الحبل أي: نصبتُه، لكن مشدودُ الطرفين [213] ، وقد جاءت صفة الصِّراط أنَّه أرقُّمن الشَّعر وأحدُّ من السَّيف، وأنَّه سبعُ عقبات، وأنَّ طولَ كلِّ عقبةٍ منه مقدارُ ثلاثة آلاف سَنَة على أحد الأقاويل.

وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانِي جَهَنَّمَ) أي: على وسط جهنم، لأنَّ الحروف عند العرب تُبْدَل [214] بعضها من بعض وهو من فصيح الكلام كقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام في حديث الإسراء: (( أَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادسةِ ) )معناه: إلى السماء السادسة، وتقول [215] العرب: فلان بين ظهراني القوم أي: في وسط القوم، فيكون المعنى: فيُنصَبُ على وسط جهنم، وقد جاء أنَّ النَّار تدور بالنَّاس في المحشر كما يدور الخاتم بالإصبع، وأنَّ الشَّمس من فوقهم وليس لهم طريق إلى الجنَّة إلَّا على الصِّراط إذا نُصِب، وصفته كما تقدم.

ويترتَّبُ على ذلك من الفقه: الإيمان بالصِّراط أنَّه حقٌّ

ج 1 ص 441

وأنَّه الآن مخلوقٌ، يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (يُضرَب) فلو لم يكن مخلوقًا لأخبر أنَّه يُخلَق، فلمَّا أخبر عليه السَّلام [216] في غير هذا الحديث به وبصفته فتحقَّق [217] وجوده [218] أخبر هنا بأمر قد عُلِم ولو لم يكن كذلك لأخبرَ به حتَّى يُعرَف هذا الاسم على ماذا يقع؟ والصِّراط في اللغة هو: الطَّريق، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153] أي: طريقي.

ويُؤخَذُ منه الدَّليل على عظيم [219] قدرة القادر جلَّ جلالُه يُؤخَذُ ذلك [220] من كيفيَّة [221] وصف هذا الصراط، وعظم النار الذي [222] هذا القَدْر طولها وهذا الترتيب العجيب.

وفيه دليلٌ لمذهب أهل [223] السنة الذين يقولون: بأنَّ [224] النارَ مخلوقةٌ موجودةٌ الآن، لأنَّه لا يُضرَب الصِّراطُ [225] على شيءٍ إلَّا أنْ يكون مخلوقًا موجودًا حِسًّا.

وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّه لا يخرج إلى المحشر من جميع النِّيران إلَّا جهنَّم وحدها، لأنَّ النَّار كما أخبر عزَّ وجلَّ في الكتاب وكما أخبر عليه الصَّلاةُ والسَّلام في الحديث سبعة: فالأولى منها: جهنَّم وهي التي يَدخلُها المذنبون من أمِّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم [226] وغيرهم من المؤمنين المذنبين فمنهم من يقع فيها من على الصِّراط، ومنهم من يدخل من بابها أعاذنا الله منها بفضله.

وهنا بحثٌ، وهو [227] لِم خُصَّت هذه من جميع دركات النَّار بالخروج إلى المحشر دون غيرها؟

فالجواب أنَّه لمَّا شاءت [228] الحكمة الرَّبَّانيَّة أنَّ الصِّراط لا يجوز عليه إلَّا أهل الإيمان، وأنَّ الكفار

ج 1 ص 442

لايعبرون عليه فإنَّه إنَّما جُعل طريقًا [229] إلى الجنَّة، والكُفَّارُ ليسوا من أهلها فلا يعبرون عليه، وإنَّما يدخلون ما أُعدَّ لهم من الدَّركاتِ على أبوابها.

وشاءت الحكمة أيضًا أنَّ من أهل الإيمان [230] مَن لا يكون دخولُه النَّار [231] إلَّا أنْ يقع من [232] على الصِّراط فلم يُنصَب الصِّراط إلَّا على النَّار التي هي مختصَّةٌ بأهل الإيمان لئلَّا يقع أحدٌ من المؤمنين في نار ليستْ له. حُكمٌ عَدْلٌ بمُقتضى حِكمة الحكيم الذي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] .

وفيه دليلٌ على أنَّ أمور [233] الآخرة ليست على [234] وضع أمور الدُّنيا في [235] غالب أمرها يُؤخَذُ ذلك من أنَّ الصِّراط بهذه الصِّفة يحمل [236] جوازَ جميع المؤمنين في مقدار [237] بعض يوم من أيام الدُّنيا، لأنَّه جاء أنَّ الحقَّ سبحانه يفرغ من الفصل بين العباد في مقدار نصف يوم من أيام الدُّنيا، والجواز على الصِّراط في جزء من ذلك النِّصف، والعادة في هذه [238] الدار أن ذلك [239] القدر من جرم [240] في الحالة [241] والحدَّةِ لا يحمل مِن الثقل [242] شيئًا فكيف بِثقَل ذلك [243] العالم العظيم؟ ولأنَّ الطُّرُق [244] الواسعة أيضًا في هذه الدَّار لا يمرُّ عليها من الجمع [245] الكثير إلَّا اليسير [246] فكيف مع تلك الرِّقَّةِ والدِّقَّة؟ وأيضًا فإنَّ الطريق الضيِّق هنا إذا كان على مهواة لا يملكُ [247] أحدٌ أن يستطيع المرور عليه، وهناك أهل النَّجاة يمرون [248] عليه وما عندهم من ذلك خبر، كما أخبر الصَّادق صلَّى الله عليه وسلَّم فسبحان مَن هذه قُدْرَتُه.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام [249] : (فَأَكُونُ أَوْلَ مَنْ يجوزُ منَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ)

ج 1 ص 443

فيه دليلٌ لِما ذكرناه [250] أولًا أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام عَنَى [251] بـ (الأمَّة) جميع الموحِّدين من آدم عليه السَّلام إلى محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلام.

وفيه دليلٌ على فضل سيِّدنا محمَّد [252] صلَّى الله عليه وسلَّم على [253] جميع الرسل عليهم السَّلام، وفضل أمته على سائر الأمم يُؤخَذُ ذلك من تقدُّمِه [254] عليه السلام [255] بأمَّته في الجواز على الصِّراط.

وقوله عليه السَّلام: (وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ) يعني: في [256] حين الجواز على الصِّراط لا في اليوم كلِّه بدليل الحديث في [257] كلام النَّاس أنَّهم [258] يطلبون الشَّفاعة ويمشون من رسول إلى رسول وما يحتاج [259] الناس بعضهم مع [260] بعض عند الحساب، ومن كلامهم في هذا [261] الحديث مع مولانا جلَّ جلاله حين يقول لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ [262] ) .

ويوم القيامة يوم واحد، والأهوال فيه مواطن مواطن، فَيُعَبَّر [263] عن كل موطن باليوم وهذا سائغ في لسان العرب من تسميتهم البعض بالكلِّ، والكلَّ بالبعض كما تقول: جاء زيدٌ يوم الخميس، وما جاء من اليوم إلَّا في ساعةٍ واحدة، وبهذا المعنى يجتمع كل ما جاء [264] من الأخبار في يوم القيامة، لأنَّها كلَّها أخبارٌ، والأخبارُ لا يدخلها نسخٌ وهي كلُّها حقٌّ.

وفيه دليلٌ على شدَّة الهول في ذلك الموطن بدليل أنَّه لا يقدر أحد أن يتكلَّم، لأنَّه لا يمنع من الكلام لاسيَّما من الدُّعاء إلَّا للهول [265] العظيم، وممَّا يدل على ذلك كلام الرُّسل عليهم السَّلام الذي هو دعاء بالسَّلامة وهم الآمنون.

وفيه دليلٌ على أنَّ الدُّعاء هناك يُرجى [266] قبوله والخير [267] من أَجَلِّه، ولولا ذلك لَمَا كانت الرُّسل صلوات الله عليهم يَدْعُون.

وفيه دليلٌ على فضيلة هذه الصِّيغة في الدعاء وهي قولهم عليهم الصَّلاة والسَّلام: (اللهُمَّ سلِّم [268] ) فلولا ذلك ما [269] كانوا

ج 1 ص 444

يَدعون بها في هذا الموضع العظيم، وقد قيل: إنَّ معناه [270] أسألك بجميع ما سُئِلْتَ به.

وقوله عليه السَّلام [271] : (وفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمِ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْر عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وجلَّ) .

وفيه [272] من الفقه التَّشبيه في الأخبار [273] إذا عَرفَ ما يُشبَّه به أنَّه أبلغ في البيان، لأنَّ شوك السَّعدان كثيرٌ [274] في البرِّيَّة له أطراف شديدة الحِدَّة إذا تعلَّقت بشيء قلَّما تنفصل عنه [275] إلَّا وقد أخذت منه، فإذا كانت هذه هنا على هذه الصِّفة مع وُسْع [276] الأرض ودقَّتها هنا [277] فكيف هناك مع ذلك العِظم وضيق الطريق؟

فانظر ما أبدع هذا التشبيه! وأنَّ الذي يتعلَّق به إمَّا ترميه في النَّار وإمَّا كما أخبر عليه الصَّلاةُ والسَّلام تُخَردِلهُ [278] .

وفيه أنَّها [279] وإن كانت بهذه الصِّفة لا يكون تعلُّقها بأحد إلَّا بقدر ذنوبه، فهو بمعنى التَّخردلُ ويكون نسبة [280] التخردل [281] بقدر الذُّنوب التي من أجلها تعلَّقت، فاحذرْ أيُّها الخائف [282] هنا تَنْجُ هناك، ولذلك جاء عنه صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أنَّ النَّارَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُ وَجْهِكَ لهَبي ) )، فشتَّان ما بينهما.

وفيه دليلٌ على عظم القدرة، لأنَّ تلك الكلاليب لم يذكر عليه الصَّلاةُ والسَّلام أنَّها في أيدي زبانِيَة، وإنَّما ذكر أنَّها في جهنَّم دون محرِّك يحرِّكها [283] ، إلَّا القدرة.

وفيه دليلٌ على أنَّ المعلم يسأل مَن علَّمه عمَّا يعرف أنَّه يعرفه حتَّى يتيَّقن بالتَّحقيق أنَّه قد علم، يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه السَّلام: (هَلْ رَأَيْتُمِ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟) ، حتَّى قالوا: نعم، وهو عليه الصَّلاةُ والسَّلام يعلم [284]

ج 1 ص 445

أنَّهم يعرفونها، لكن الحكمة حتَّى يتيقَّن أنَّهم قد عرفوا.

وفيه دليلٌ على أنَّ عدم التَّحديد [285] في الموضع المخوف [286] أبلغ يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه السلام: (لاَ يَعْلَمُ قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وجلَّ) فلو وَصَف عليه الصَّلاةُ والسَّلام قَدْر عِظمها ما كان أوقعَ في نفس من تعلَّق به مثلَ ما [287] إذا ردَّه إلى علم الله.

وقوله: (تَخْطَفُ [288] النَّاسَ) أي: تجذبهم [289] إلى جهنَّم.

وقوله: (بِأَعْمَالِهِمْ) أي [290] : من أجل أعمالهم الخبيثة كما تقدَّمت الإشارة آنفًا [291] . وقوله: [292] (فَمِنْهُمُ) أي من الناس [293] .

وقوله [294] : (مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ) أي: يُهلَك بسبب [295] عمله السُّوء، كقوله عزَّ وجلَّ: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} [الشُّورى: 34] .

وقوله: (وَمِنْهُمُ مَنْ يُخَرْدَلُ) أي: تأخذ تلك الكلاليب منه بقدر ذنوبه.

وقوله: (ثُمَّ يَنْجُو) فيكون النَّاسُ على هذا الخبر الصِّدق ثلاثة أصناف: ناجٍ بلا تشويش، وهو ما [296] قدَّمنا ذكره الذي تقول [297] له النَّار: جُز يا مؤمن، ومنهم الذي توبقه [298] أعماله [299] فيهلك، وما بين ذلك الذي يُخردَلُ ثمَّ ينجو.

وهؤلاء [300] ليسوا على صفة واحدة بل منهم الكثير [301] التخردل، ومنهم القليل، وما بين ذلك يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه السلام: (بقدر أَعْمَالِهِمْ) ومعلومٌ بالضَّرورة أنَّ أعمالَ النَّاس ليست على حدٍّ واحد [302] .

وكذلك الفرقة النَّاجية [303] ليست على حدٍّ واحدٍ في الرِّفعة [304] ، وكذلك الفرقة الهالكة [305] أيضًا ليست على حدٍّ واحد في الدَّركَات [306] يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه السلام: (بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ) .

وقوله [307] عليه السَّلام: (ثُمَّ يَنْجُو [308] ) يعطي المفهوم هنا أن المُخَرْدَل لا ينجو [309] إلَّا بعد بُطءٍ، لأنَّ (ثُمَّ) تعطي [310] المهلة في الزَّمان فلا يكون زمان نجاته إلَّا

ج 1 ص 446

بعد طول أو تعب [311] ، وتعطي [312] أنَّ ضدَّه وهم النَّاجون أن [313] تكون [314] نجاتُهم بسرعة [315] ، وقد جاء ذلك في قوله عليه السَّلام: (( إنَّ منَ المؤمنينَ مَنْ يجوزُ على الصِّرَاطِ مثلَ البرقِ، ومِنْهُمْ مِثَلَ الرِّيْحِ، ومِنْهُمْ مِثَلَ الجوادِ السابقِ، ومِنْهُمْ مِثَلَ أشدِّ الرجالِ جَرْيًا، ومنهم مَشْيًا ) )وهذا [316] دليلٌ لِمَا قدَّمناه آنفًا وهو أنَّ الثلاثةَ الأصناف [317] ليسوا على حدٍّ واحد.

وقوله: (حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) المعنى [318] : أنَّه وصل الوقت الذي سبق في علم الله وإرادته أنْ [319] يرحَم مَن سبقت له الرَّحمة في ذلك الوقت من أهل النَّار، لأنَّ الإرادةَ من الله تعالى ليست كإرادتنا تحدثُ بعد أن لم [320] تكن، تعالى الله أن تكون صِفاته تُشبه صفات المُحْدَثين.

وفيه دليلٌ على أنَّ [321] من كان من أهل الإيمان، وإنْ كانَ في أيِّ حالةٍ كانَ لا يقطع إياسَه من رحمة [322] أرحم الراحمين فَلعلَّه ممَّن سبَقتْ [323] له من الخير سابقة وقد قال جلَّ جلالُه: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

وقد رُوِيَ [324] أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز رضي الله عنه رأى في النَّوم كأنَّ القيامة قد قامتْ، وحُوسِبَ [325] الخلفاء، فأُمِرَ بهم ذات اليمين حتَّى وصل الأمر إليه فَحُوسِبَ، فأُمِرَ به ذات اليمين فهو سائرٌ مع الملائكةِ فلقيَ [326] في الطَّريق مثلَ الجيفة، فقال للملائكة: مَن [327] هذا؟ قالوا: اسأله

[328] فهو يخبرك فَوَكَزه برجله، وقال له: من أنتَ؟ فقال [329] [330] : الحجَّاجُ، فقال له: ما فعل الله معك [331] ، فقال: قَتَلني بكلِّ قتيلٍ قَتلْتُه [332] قَتْلة، وقتلني بسعيد بن جُبَير سبعين قَتلةً، وأنا

ج 1 ص 447

أنتظرُ ما ينتظر الموحِّدُون.

وقوله: (أَمَرَ المَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) أي: قومًا ممَّن كانوا يعبدون الله [333] بدليل قوله في حديث آخر: (( إِنَّه يَخرجُ أوَّلًا مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مثقالَ حبَّةٍ منْ إيمانٍ، وفي الثَّانيةِ أَدْنَى حبَّةٍ منَ الإيمانِ، وفي الثَّالثةِ أَدْنى أَدْنَى حبَّةٍ منَ الإيمانِ ) ) [334] فاحتمل هنا أن يكون أراد أن يخبر بالكلِّ عن البعض أو أراد أن يخبر عن جميع الْمُخْرَجِينَ وإن كانوا في مرار عديدة [335] اختصارًا، أو لكونه [336] عليه الصَّلاةُ والسَّلام قد أخبر به في مكان آخر [337] مفصَّلًا، فإنَّ الفصيح يَختصر في أخباره [338] ليُحفَظ عنه، ويُطَوِّلُ ليُفهَم بُحسن البيان عنه، وسيِّدُنا محمَّد [339] صلَّى الله عليه وسلَّم أُوتِيَ من كلا [340] النوعين أكملهما وأعلاهما.

وقوله: (أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) معناه: من كان مؤمنًا؛ لأنَّ المؤمنين ينطلق عليهم اسم (عُبَّاد) وإن كان منهم [341] المذنب؛ لأنَّه قد عَبَدَالله سبحانه [342] ، أي: أنَّه قد أقرَّ له بالأُلوهيَّة [343] ، ولم يجعل له شريكًا ولا عبد شيئًا من دونه؛ لأنَّه لو كانوا عُبَّادًا [344] على ما يُعرف من اللغة الاصطلاحيَّة ما دخلوا [345] النَّار، والعرب تسمِّي الكلَّ بالبعض والبعض بالكلِّ.

وهنا دليل لمذهب أهل السُّنَّة الذين يقولون: إنَّ النَّار لا تُحرِقُ بذاتها، وإنَّما الحرق خَلْقٌ من خَلْقِ الله عزَّ وجلَّ يُصيبُ به مَن يشاء، فلو كانت تُحرِق بذاتها لأحرقت [346] الملائكة وغيرهم وأحرقت مواضع السُّجود كما تُحرِقُ سائر الجسد فبان بتبعيض [347] حرقها أنَّ ذلك ليس بمجرد [348] وجود جوهرها بل ذلك بحسب ما يَخلُق فيها.

وقوله:(وَيَعْرِفُونَهُمْ

ج 1 ص 448

بِأثَرِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ). هنا بحوث [349] منها [350] : هل أثر السُّجود لا تأكله النَّار ممَّن كان مؤمنًا سجد أو لم يسجد؟

فإن قلنا ذلك [351] فقد أخرجنا اللفظ عن موضعه [352] ، لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام قال: (يَعْرِفُونَهُمْ بِأثَرِ السُّجُودِ) وأثر الشيء لغةً لا يكون إلَّا بعد ما مرَّ عليه ذلك الشَّيء لا سيَّما مع قوله عليه السَّلام: (( بَيْنَ الْمُؤْمنِ والكافِرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ) )لأنَّه إذا صلَّى ولو صلاةً واحدةً فقد حصل في العضو أثر صلاة، وإنما بَحْثُنا على مَن لم يُصَلِّ لا واحدة ولا أكثر وعلى هذا التَّوجيه يكون الخوف على مَن ترك الصَّلاة أشدَّ، لأنَّه يُخاف عليه التَّبديل عند الموت، وإن مات على الشَّهادة فيُخاف عليه ألَّا يخرج مع هؤلاء المؤمنين لعدم العلامة عنده.

وهنا حديث يعارضُنا وهو قول جبريل عليه السَّلام للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم [353] : (( مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ يَشْهَدُ أنْ لَا إِلَه إِلَّا الله دَخلَ الجنَّةَ، قالَ: وإنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، قالَ: وَإِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا ) )، فالانفصالُ [354] عن ذلك أن [355] نقول: أشدُّ الخوف على تارك الصَّلاة عند الموت، فإن مات مُقرًا بها مُخلِصًا بها لا يُخرَج مع هؤلاء أصحاب العلامة، وإنَّما يُخرَج مع القبضة التي يَقْبِضُ الله عزَّ وجلَّ كما جاء في الحديث (( أنَّ الله عزَّ وجلَّ بعد شفاعة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والأولياء والصالحين في العُصاة الذين يكونون في جهنم فيُخرجونهم [356] منها، ولم يبق إذ ذاك في النَّار إلَّا من حبسه القرآن:(فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ [357] : قَدْ شَفَعَتِ الرسلُ، وشَفَعَتِ الأنبياءُ، وشَفَعَتِ الملائِكَةُ، وشَفَعَتِ

ج 1 ص 449

العلماءُ، وبقيتْ شفاعةُ أَشْفَعِ الشَّافِعِينَ [358] ، فيقبِضُ في النَّارِ قَبْضَةً فيُخرجُ في [359] تلكَ القَبْضَةِ كلُّ مَنْ حَبَسَهُ القرآنُ، فَيَكُونَ هؤلاءِ في [360] جُمْلَتِهِمْ ) ) وسيأتي الكلام على جملتهم في موضعه من داخل الكتاب إن شاء الله.

وهنا [361] بحث في قوله عليه السَّلام: (حرَّم) [362] : هذا إخبارٌ عن منع مولانا جلَّ جلالُه الحَرْقَ أنْ [363] يصل إلى تلك الأعضاء بالقدرة، وأنَّ [364] النَّار يُخاطبها الحقُّ سبحانه فالذي أذن [365] لها أنْ تُحرِقَ فتحرقُه [366] ، وما حرَّمهُ عليها فلا [367] تتعدَّى عليه.

وهل هذا الخطاب لها وهي من جملة الجواهر التي لا فهم لها ولا عقل فتَفهم عن الله كيف شاء؟ أو أنَّها عند الخطاب يوضَع فيها إذ ذاك [368] بما تفهم عن الله، وأنَّها [369] تخاطَب للمقابلة والقدرة هي المتصرِّفة؟ أو أنَّها تَفْهَم وتَعقِل وأنَّ الحرق منها لكن بقدرة الله عزَّ وجلَّ فتكون مثلَ بني آدم أفعالهم كَسْبٌ لهم وهي في الحقيقة خَلْقٌ لربهم وهم عليها مُثابون ومُعاقَبون [370] ؟

احتمَل كل الوجوه، لكنَّ الأظهر منها [371] الحرق منها بدليل ما جاء: (( أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا، فقالتْ: يا ربِّ أكلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ كلَّ عامٍ: نَفسٍ في الشَّتاء، ونفَسٍ في الصَّيفِ ) ).

وممَّا [372] جاء من أنَّها تخاطب سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم في المحشر، والأحاديث في كلامها كثير [373] ، وما جاء [374] مِنْ أنَّها تلتقط النَّاس في المحشر، وتعرف أهلَها بما جعل الله لها من العلامة فيهم [375] .

وفيه دليلٌ على فضل العبادة إذْ مع استيجاب [376] العقاب لا تُعذَّبُ تلك المواضع [377] .

وهنا إشارة صُوفيَّةٌ لمَّا عِلم أهل الصُّوفيَّة [378]

ج 1 ص 450

بأنَّ مواضع العبادات لها حُرمة بمقتضى هذا الحديث، وبقوله [379] صلَّى الله عليهِ وسلم: (( لاَ يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ امْرِئٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ [380] وَدُخَانُ جَهَنَّمَ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ) )، وما جاء في الآثار من مثل هذه المعاني الجليلة جعلوا قلوبهم وجميعَ أبدانهم كلَّها صِرفًا للعبادة فاستوجبوا بذلك بحُسن الوعد الجميل المقامَ الرَّفيع في الدَّارين: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطفِّفين: 26] .

وقوله عليه السَّلام [381] : (( فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ وكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ ) )، وهنا بحثٌ: لِمَ كرَّر القول في: (إنَّ [382] ابْنَ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ؟) وهو عليه الصَّلاةُ والسَّلام قد أخبر أولًا أنَّ مواضعَ السُّجود قد حرَّمها اللهُ عزَّ وجلَّ على النَّار فيكون تكرارًا لغير فائدة، وحاشا سيِّدنا محمَّدًا [383] صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقول شيئًا لغير فائدة؟

فالجواب أن نقول [384] : ما كرَّر عليه الصَّلاةُ والسَّلام ذِكر النَّار أن لا تأكل مواضع السُّجود من ابن آدم بعد ذكر خروجِهم [385] إلَّا لزيادة فائدة ثانية وهي: أنَّ النَّارَ ليست مثلَنا، حُرِّمت الأشياء علينا فَمِنَّا [386] الْمُجْتَنِبُ لِمَا حُرِّم عليه، ومِنَّا الواقع فيه، وأنَّ النَّار طائعةٌ جميعها لا تتعدَّى [387] ما حُرِّم عليها حتَّى يُخرَجوا منها وهي لم تتعدَّ [388] فيهم ما أُمِرت.

وفيه معنى زائد على ذلك وهو: أنَّ [389] النَّارَ أكبرُ جِرمًا [390] منَّا وأشدُّ وهي لا تَعصِي ونحن على حقارتنا وضعفنا نعصي، ففيه معنى شديد من التَّوبيخ للمخالفين لأمر الله عزَّ وجلَّ كما قال جلَّ جلاله في كتابه: عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ

ج 1 ص 451

مَا يُؤْمَرُونَ [التَّحريم: 6] . ففي [391] قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ} مع ما فيه من الإرهاب فيه [392] معنى مثل هذا من [393] التَّوبيخ، لأنَّهم مع غلظتهم وشدَّتهم لايعصون الله وأنتم مع ضعفكم ونزارتكم [394] تَعصون مليكَكُم [395] فيجتمع فيه التَّرهيب والتَّوبيخ.

وقوله: (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَد امْتَحَشُوا) أي: قد ذهبت ما لهم من اللحوم [396] كما أخبر مولانا جلَّ جلاله أنَّهم كلَّما [397] : {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النِّساء:56] ، فلا يزالون موجودين معدومين [398] ويا ليتهم عُدِموا لأنَّهم لوعُدِموا لكانوا استراحوا.

وقوله: (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) الحِبَّة: هيَ كُلُّ [399] بَذرٍ ما عدا بَذرِ المطعوم، فإنَّ كلَّ ما هو مطعوم قيل له: (حَبَّة) بفتح الحاء، وكلُّ ما ليس بمطعوم [400] مثل العشب في البريَّة وما أشبهه قيل له (حِبَّة) بكسر الحاء لغة، وفي هذا من الفائدة الإخبارُ بالحكمة [401] : أنَّ ما ينبتُ من اللحم بماء الحياة لا يفنى.

وفيه الإخبار بسرعة ما يَحيا من الأشياء عند وضع ماء [402] الحياة عليه [403] بقدرة الله عزَّ وجلَّ كما أخبر عن السَّامِرِيِّ حين أبصر جبريل عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين أتى إلى موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام على فرس الحياة فرآها لا تضع حافرَها على شيء إلَّا اخْضَرَّ في الوقت فأخذ من أَثَرها، فجاء من قِصَّته [404] ما أخبر الله عزَّ وجلَّ [405] في كتابه لمَّا وضعها في الحُلِي وقال له: كن عِجلًا عاد [406] في الحين عِجلًا له خُوار كما أخبر هذا في هذه الدَّار التي خُلِقَتْ للفناء فكيف في تلك الدَّار التي هي

ج 1 ص 452

مثل ذلك الماء للحياة والبقاء؟ وهذا من أقوى الأدلَّة [407] على قدرة الله سبحانه وتعالى.

وفيه دليلٌ على عِظَم [408] ما أودَعَ الله عزَّ وجلَّ في [409] هذا السَّيِّد صلَّى الله عليه وسلَّم من المعرفة بأمور الدُّنيا والآخرة يُؤخَذُ ذلك من كونه [410] عليه الصَّلاةُ والسَّلام شبَّه سرعةَ نباتهم بنبات الحِبَّة في حَمِيل السَّيل؛ لأنَّ الحِبَّةَ بمقتضى الحكمة أسرعُ في النَّبات من الحَبَّة، ومع السَّيل [411] أيضًا أسرع في النَّبات في الأرض من غيره [412] ؛ لأنَّه يجتمع فيه التُّراب الرِّخُو الذي يجذبه السَّيل وكثرة ندواته [413] وما يخالطه من حرارات [414] الأزيال التي يجرها معه [415] فهذه كلها موجبة [416] لسرعة النَّبات، فلولا معرفته عليه الصَّلاةُ والسَّلام بأمور الدَّارينِ لَمَا كان من كلامه هذا التَّشبيه العجيب.

وفيه دليلٌ على استصحاب الحكمة والقدرة معًا في تلك الدَّار [417] كما هما في هذه الدَّار يُؤخَذُ ذلك من أنَّه لم ينبت لهم لحمٌ إلَّا حتَّى صُبَّ [418] عليهم ماءُ الحياة، والقدرة صالحة على أن تنبت [419] لهم اللحم دون سبب فهذا [420] أثر الحكمة، وكونهم في النَّار تأكل لحومهم وتَمْحَشُهم ولا تأكل أثر السُّجود أثرٌ للقدرة [421] فسبحان مَن أقام ما في الدارين بِقُدرته وصرَّف ما فيهما من الأشياء بحكمته.

وقوله: (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ [422] العِبَادِ) يعني: بين هؤلاء المذكورين وغيرهم إلَّا هذا الشَّخص المذكور بعد فيكون الحُكم فيه كما أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم وأتى بـ (ثُمَّ) التي تقتضي المهلة؛ لأنَّ هؤلاء

ج 1 ص 453

الذين يُخرَجون من النَّار كما أخبر عليه الصَّلاةُ والسَّلام آنفًا لم يُخرَجوا من النَّار حتَّى مكثوا فيها ما شاء الله بعد يوم الحساب الذي حَكَم فيه بين العباد، وهذا أيضًا من تمام الحكمة [423] للوعد الجميل في هذه الدَّار: مَن مات على الإسلام فلا بُدَّ له من دخول الجنَّة؛ لأنَّ حساب يوم القيامة سريع وهذا فيه بِطاء، من أجل توفية المقدور على هؤلاء، فلمَّا كان [424] أوُّله مرتبطًا بآخره اقتضى طولًا فأتى [425] عليه الصَّلاةُ والسَّلام بـ (ثُمَّ) التي تدل على ذلك.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام [426] : (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) المعنى: أنَّه ليس هو [427] في أحدهما.

وفيه دليلٌ لأهل السنَّة الذين يقولون وهو الحق: إنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتان موجودتان جواهر، يُؤخَذُ ذلك من قوله عليه السَّلام: (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) .

وقوله [428] عليه السَّلام [429] : (وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ) فلا تكون المسافةُ إلَّا في المحسوسات ولا الدُّخول إلَّا في محسوس [430] أيضًا، وفيه دليلٌ على أنَّ بين الدَّارين في الآخرة مَسَافَة، يُؤخَذُ ذَلك من قوله عليه السَّلام: (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) .

وقوله [431] : (مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) يعني: إلى جهة النَّار بدليل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث غيره [432] : (( إنَّ لها أربعَ جِدَاراتٍ [433] غِلَظُ كلِّ جدارٍ أربعونَ سَنَةً ) ).

وقوله [434] عليه السلام [435] : (يَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَقَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا) أي: تأذيت بريحها [436] والقَشَب [437] : النَّتَن، يقال: ما أقشَب بيتَهم! أي: ما أنتنه وأقذره [438] .

وفيه دليلٌ على أنَّ دار الذُّنوبِ والمعاصي تُنتِن وأنَّ الشَّخص يتألَّم به التَّألُّم الشَّديد، وفي [439] الحديث: (( أنَّ رَجُلًا يُرْمَى في النَّارِ

ج 1 ص 454

ولَهُ ريحٌ مُنْتِنَةٌ فَيَتَأَلَّمُ بِهَا أهلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يا فُلَانُ ما شَأْنُكَ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بالخيرِ، وَتَنْهَانَا عَنِ [440] الْمُنْكَرِ [441] ؟ فيقولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بالخيرِ [442] ولَا آتِيْهِ، وأَنْهَاكُمْ عَن المنكرِ [443] وآتيهِ [444] )) .

وقيل: فيه وجوه غير هذا وهذا [445] أشبهها [446] من أجل أنَّ الجنَّةَ [447] ريحُها طيِّبٌ وهو من أ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت