فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 363

حديث: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها

287 -قوله: (كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ... ) الحديثَ [1] . [خ¦7084]

ظاهر الحديث يدلُّ على حُكْمَين:

أحدهما: الإخبار بالخلل الواقع في الدِّين. والثَّاني: الأمر بالتَّمسُّك به مع جماعة

ج 4 ص 331

المسلمين وإمامهم، فإن عُدم ذلك فتبقى عليه وحدَك، وتفارق كلَّ مَن ليس عَلى طريقة الإسلام الحقيقيِّ، وإن آلَ الأمر بك إلى الخروج إلى البريَّة منفردًا، وتترك الأهل وَالمال والقرابة [2] والعشيرة وجميع أهل الوقت مِن قريب وبعيد [3] .

وإن كان الأمر [4] يَضِيق عليك في البريَّة حتَّى لا تجد أين تأوي، حتَّى تنحصرَ إلى أصل شجرة مع سلامة دينك، فَلْتَعَضَّ بها، أي: تشدَّ عليها حتَّى يأتيك الموت، وأنت على ما أُمرت به مِن أمر الله تعالى واجتناب نهيه، ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] ، وقوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] . وَالكلام عليه مِن وجوه:

منها: النظر في حكمة الله تعالى في عباده، كيف يعطي لكلِّ شخص مَا شاء أن يقيمه فيه؟ يُؤخذ ذلك مِن أنَّه عزَّ وجلَّ حبَّب للصَّحابة رضي الله عنهم سؤالهم له صلَّى الله عليه وسلَّم عَن وجوه الخير كي يقتبسوها ويكونوا بابًا لها، وَحبَّب لهذا السيِّد سؤاله له صلَّى الله عليه وسلَّم عن وجوه الشرِّ كي يحذَرَها [5] ، ويكون سببًا في سدِّها عمَّن قدَّر الله تعالى له النَّجاة منها.

ومنها النَّظر والاعتبار فيما أعطى الله تعالى سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلم مِن سَعة الصدر والمعرفة لحكمة [6] الحكيم الذي يجاوب كلَّ شخص عمَّا سأل، ويعلم أنَّ ذلك

ج 4 ص 333

الذي شاء الحكيم أن يقيمه فيه ويَسَّرَهُ له [7] . ويدخل هذا تحت متضمَّن قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّما أنا قاسِمٌ واللهُ يُعْطِي ) )فهو [8] صلَّى الله عليه وسلَّم الذي أُرسل لقسم [9] الأمور عَلى ما اقتضتها الحكمة الربَّانيَّةُ، والله يقيم مَن يشاء فيما شاء، فهو عليه السَّلام المبيِّن لوجوه الخير والشَّرِّ، والله يعطي منها مَا يشاء لمن شاء كيف يشاء [10] .

ويترتَّب عَلى هذا مِن الحكمة والنَّظر أنَّ الذي حُبِّب لشخص هو الذي يفوق فيه غيرَه. يُؤخذ ذلك مِن حال حذيفة [11] رضي الله عنه لأنَّه لَمَّا حبَّب الله له مِن [12] معرفة وجوه الشَّرِّ كي يتَّقيهِ، ويُحذِّر عنه غيره، فضلَ فيه غيره [13] مِن الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين [14] ، ولَمَّا علم سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الذي أشرنا إليه خصَّه بأنْ أعلمه بجميع أسماء المنافقين، لأنَّه مِن هذا النوع الذي حُبِّب إليه، حتى كان عمر رضي الله عنه وهو خليفةٌ يأتيه ويناشده الله تعالى: هل هو ممَّن سمَّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن المنافقين أم لا؟ فيحلف له أنَّه ليس منهم. ورتَّب أهل الحكمة على هذا مِن الفائدة أنَّك إذا كان لك ابن أو غلام أو مَن لك عليه كفالة، وأردت أن تشغله بشغل مِن الأشغال أو عِلم مِن العلوم؛ أن تعرض عليه أنواع الأشغال إنْ أردتَ تشغله، أو أنواع العلوم إن أردت به طريق ذلك، وكانت تلك الأنواع [15] ممَّا تجيزها الشَّريعة، فالذي تراه يحبُّه [16] ويعجبه مِن ذلك ففيه اجعله،

ج 4 ص 333

فإنَّه يفوق فيه أهل زمانه، لأنَّ الَّذي حُبِّب إليه هُو المراد منه {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191] واختبروا ذَلك بعلم التَّجربة فوجدوه لا ينكسر [17] ، ومَن جمع الله له بين الطَّريقين فهو الحالُ الجليل، وهو معرفة الخير والعمل عليه، ومعرفة الشرِّ واتقاؤه، وَلذلك كان مِن دعاء عليٍّ رضي الله عنه: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِفْتَاحًا للخير، مِغْلاقًا [18] للشَّر، طيِّبًا مُبَاركًا حيثُ كُنْتُ ) )أو كما قال عليٌّ [19] رضي الله عنه [20] . [21] .

وفيه دليل على أنَّ كلَّ ما كان يهدي إلى طريق الآخرة، ويهدي إلى أنواع الرَّشاد، وكلَّ ما

ج 4 ص 334

يقرِّب إلى الله سبحانه يُسمَّى خيرًا لغةً وشرعًا، وأنَّ كلَّ كفر وضلالة أيَّ نوع ٍكانت كبرى أو صغرى، وكلَّ ما دعا إليها، يُسمَّى شرًَّا لغةً وشرعًا، يُؤخذ ذلك مِن قول حذيفة رضي الله عنه: (كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ) ، وكرَّر ذلك في الحديث مرارًا، ووافقه عَلى ذلك رسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم.

أمَّا مِن طريق أنَّه لغة فلأنَّهم عرب، وأمَّا مِن طريق أنَّه بشرعٍ [22] فلأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وافقه على ذلك بأن سلَّم له فيه وجاوبه عليه بأن [23] جعل فيه اسم الشرِّ سواء للكفر [24] والجاهليَّة التي كانوا عليها، وسواء للضَّلال [25] الذي طرأ في الإسلام بعدَه صلى الله عليه وسلم مِن الفتن والمعاصي، غير أنَّ الفرق بينهما مِن طريق النَّظر أنَّ الأُوْلى _ وهِي الكفر _ كُبرى، والتي بعدَه وفيها الخلل في الدِّين مِن طريق المعاصي صُغرى.

وفيه دليل على أنَّه لا يُطلق عليه اسم «خير» حتَّى يكون تامًَّا لا عوج فيه، ويستدلُّ بذلك على أنَّه لا يطلق [26] (مسلم) إلَّا على المؤمن، وألَّا [27] يكون إيمانه فيه دخَن، كما أخبر الصَّادق عليه السَّلام بقوله: (وَفِيهِ دَخَنٌ) .

وفيه دليل على أنَّ كلَّ هَدْي أو علم يُخْتَبر بما جاء به [28] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الكتاب والسنَّة. فالذي يكون على ذلك بلا زيادة ولا نقصان فهو طريق الحقِّ والمبلِّغ إلى الله عزَّ و جلَّ، وألَّا [29] يكونَ مِن أحد القسمين: إمَّا مِن القسم الذي فيه الدَّخَن، وإمَّا مِن أهل القسم [30] الذين هُم [31] على أبواب جهنَّم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها. يُؤخذ

ج 4 ص 335

ذلك مِن قوله عليه السَّلام: (وَفِيهِ دَخَنٌ) ، ثم فسَّر ذلك الدَّخن بكونهم يهدون بغير هَدْيهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.

فاحذر هَديَ قوم جعلوا للدِّين أصلًا خلاف الكتاب والسنَّة، وجعلوا الكتاب والسُّنَّة له [32] فرعًا، لقد عمَّ دخَنُهم الأرض وَطبَّقها حتَّى تناهى فيه قوم، فوقفوا به على باب جهنَّم، فمَن أجابهم إليها قذفوه فيها.

وفيه دليل على وجوب قبول الحقِّ حيث كان وتحقيقه. يُؤخذ ذلك مِن قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) .

وفيه دليل على وجوب ردِّ الباطل وَكلِّ مَا خالفَ هَدْيهُ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولو قاله مَن كان مِن رفيع أو وضيع. يُؤخذ ذلك مِن قوله عليه السَّلام: (تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) .

وهنا بحث وَهو: ما هو [33] هذا الشَّرُّ الذي أشار إليه صلَّى الله عليه وسلَّم؟ ومَا هو هذا الخير الذي فيه الدَّخن؟ فنقول _والله الموفق_: يحتمل [34] أن يكون الشرُّ الذي أشار إليه عليه السَّلام هو ما كان بعدَهُ مِن الفتن إلى زمان قتل العلماء، وقدْ أخبر به عليه السَّلام [35] في حديث آخر _ أعني بقتل العلماء _ فإنَّه عليه السَّلام قال فيه: (( يا ليتَ العُلماءَ تَحَامقُوا ) )أو كما قال عليه السَّلام. معناه: لو أظهروا ذلك سَلِموا مِن القتل.

وأمَّا الهدي الَّذي فيه الدَّخَن فهو مَا ظهر في الأمَّة مِن الشِّيَع والبِدَع. يُفسِّر ذلك قوله عليه السَّلام: (( افْتَرقَت بنو إسْرَائيلَ عَلى اثنتينَ [36] وسَبْعينَ فرقةً، وستفترقُ

ج 4 ص 336

أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً [37] ، كلُّها في النَّار إلِّا واحدةً )) . فكلُّ مَن حصل له [38] مِن الاثنين والسَّبعين [39] ولو مسألة واحدة، وإنْ كان لا يعلم بها، فقد دَخَل في دينه دَخن، وبالحديث الآخر وَهو قوله عليه السَّلام: (( كلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ، وكلُّ ضلالةٍ في النَّار ) )، وبقوله عليه السَّلام: (( كُلُّ مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا مَا ليسَ فيه فَهُو ردٌّ ) )أو كما قال عليه السَّلام [40] .

فكلُّ مَن حصل على بِدْعة [41] مِن البِدَع فقد حصل في دينه وهديه دَخن، وَلا يغرُّه [42] كثرة عمل النَّاس لتلك [43] البدعة وانتشارها، فإنَّها مِن جملته [44] ، وَقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم في شأن تجنُّب الفتن [45] : (( وعَلَيكَ بخويصة [46] نَفْسِك ) )أو كما قال عليه الصلاة والسَّلام. ولا يغرُّك صاحب البِدع وإن كانت لديه علوم جمَّة [47] أو أعمال صالحة ونسك وتعبُّد أو مجموعها [48] ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم في القَدرية: (( تَحْقِرون صَلاتَكُم مع صَلَاتِهِم، وصَيَامَكُم مع صِيامِهِم، وأعْمَالَكُم مع أعْمَالِهِم، يقرؤون القرآنَ ولا [49] يُجَاوِزُ حَنَاجرَهُم، يَمْرُقُون مِن الدِّين كما يَمْرُق السَّهم مِن الرِّمِيَّة، ينظر في النَّصْل فَلا يَرَى [50] شيئًا، وينظر في القِدْح [51] فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفُوق [52] ) )، أو كما قال عليه السَّلام.

وقوله عليه السَّلام: (( دعاةٌ على أبوابِ جهنَّم مَن أجابهم إليها قَذَفُوه فيها ) )أي: إنَّهم يُرْشِدُون إلى الطُّرق التي يدخل بها النَّار مِن الاعتقادات والأعمال المخالفة للسُّنَّة، وهم يظهرون أنَّها هي المبلِّغة

ج 4 ص 337

إلى الله تعالى، وهم الَّذين قال عليه السَّلام فيهم: (( اتَّخذ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأَفْتَوا بغير عِلْمٍ، فضَلُّوا وأضَلوا [53] ، فَمَن صدَّقهم واتَّبعهم دخلَ النَّار ) ).

وفي قوله عليه السَّلام: (هُمْ [54] مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ) ) دليل على أنَّهم مِن هذه الملَّة وبزيِّها وَعلى طريقها [55] ولغتها، لأنَّ معنى (مِنْ جِلْدَتِنَا) أي: على لغة العرب، حتَّى لا يُنْكِر أحدٌ منهم شيئًا [56] .

وفيه دليل على أنَّ أهم مَا على المرء في الدِّين نفسُه، يُؤخذ ذلك مِن قول [57] حذيفة رضي الله عنه: (فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟) فما سأل إلَّا عَن نفسه كيف يكون خلاصه؟.

ويترتَّب على هذا مِن الفقه أنَّ كلَّ وجهٍ يعلمُهُ [58] الشَّخص مِن وجوه الخير كان يدركه أو لا يدركه، يعتقد فعله إن أدركه فيكون على ذلك مأجورًا، وأيُّ وجه عَلِمَ مِن وجوه الشَّرِّ يكون بحيث يلحقه أو لا يلحقه، يعتقد [59] أنَّه لا يفعله، وأنَّه يتبع [60] السُّنَّة في الأعمال وَالأسباب المنجية منه، فإنَّ هذا هو طريق السُّنَّة، ومَن كان مرتكبًا طَريق السُّنَّة فإنَّه مأجور.

ويقوِّي ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( نيَّةُ المؤمِنِ أبلَغُ مِن عَمَلِهِ ) )، لأنَّه ينوي عملًا مِن أعمال الخير، أو ترك عمل مِن أعمال الشرِّ، وقد لا يدرك مِن ذلك شيئًا لقصر عمره، فكانت نيَّتهُ أكثرَ مِن عمله، وَلكونه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يستعيذ مِن فتنة الدَّجَّال، وهو بالعلم القطعي عندَه أنَّه لا يدركه، وقد قال عليه السَّلام: (( إنْ [61] يَخْرجْ وأنا فِيْكُم فأنا أَكْفِيكُمُوه )

ج 4 ص 338

فقد علم عليه السَّلام أنَّه إن لحقه فلا يضرُّه، بل هو عليه السَّلام يكفي المسلمين ضرَره، ومع ذلك كان عليه السَّلام يستعيذ مِن فتنته، فهذا مِن باب الإرشاد لنا إلى مَا أشرنا إليه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (تَلْزَمُ [62] جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ) يعني الفرقة الناجية الثالثة والسَّبعين، الَّذين هُم على ما هو عليه وأصحابه صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. جعلنا الله منهم ومعهم في الدارين بمنِّه وفضله.

وقوله: (وَإِمَامَهُمْ) يعني الذي يقتدون به، ويكون الإمام [63] على تلك الطريق [64] المباركة أيضًا [65] . وفيه دليل عَلى أنَّ مِن السنَّة ألَّا تكون جماعة إلَّا وَلها إمام.

وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟) يعني أنَّ الموضع الَّذي يكون فيه ليس فيه مِن أهل الخير جماعةٌ ولا إمام، لأنَّ هذه الأمَّة لاتزال جماعة مِن أهل الخير فيها باقية، وَكذلك أئمَّة الخير لَا ينقطعون منها، لكن قد يقِلِّون، أو يكونون [66] في موضع مِن الأرض دَون غيره. يشهد لهذا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لاتزالُ طَائفةٌ مِن أمَّتي ظاهِرين [67] على الحقِّ إلى قيام الساعةِ لا يضرُّهم مَن خَالَفَهم حتَّى يأتيَ أمرُ الله ) )أو كما قال عليه السَّلام.

وقوله عليه السَّلام في [68] نزول عيسى ابن مريم عليه السَّلام: (وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ [69] ) أي: إنَّه يكون على طريق هديي، متَّبعَ [70] الكتابِ [71] والسُّنَّة.

وفيه بحث وهو أنَّه إن كان واجدًا [72] لأحد الطرفين [73] ، إمَّا جماعة عَلى الخير ولا إمام [74] معهم، أو إمام على خير ولا جماعة له،

ج 4 ص 339

فالبقاء مع أحدهما خيرٌ مِن الانفراد لأنَّه أعون عَلى الدِّين، ولفظ الحديث يدلُّ على ذلك، فإنَّ الأمر بأن [75] يتَّبع الجماعة والإمام لا ينفي إذا لم يجد إلَّا الواحد منها [76] ألَّا يتبعه، غير أنَّه يأخذ أوَّلًا الأكمل فالأكمل [77] ، فإذا كانوا في مَوضع مجتمعين، وكان في موضع آخر أحدُهما، فحيثُ جمعهما أولى، فإن لم يجد إلَّا أحدهما فهو خيرٌ مِن أصل [78] الشَّجرة، فإنَّ تلك هي الغايةُ [79] في الهروب والاحتياط للدِّين [80] .

وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (( الجليسُ الصَّالحُ خيرٌ مِن الوحدةِ، والوحدةُ خيرٌ مِن الجليسِ [81] السُّوءِ ) ). ففقه الموضع أن يكون صلاح الدين هو المعوَّل [82] عليه، ويكون الصَّلاح على مقتضى الكتاب والسنَّة، فإن قَدِر على الاجتماع بإخوانه المسلمين وبالإمام أو بأحدهما إنْ أمكنه ذلك مَع الإقامة مع الأهل فحسن، وإن لم يمكن ذلك وأمكنه الجلوس في العمارة منفردًا [83] فحَسَنٌ أيضًا، وإلَّا فالبرِّيَّة عَلى هذه الحالة الموصوفة في الحديث.

يقوِّي ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( بشِّر الفرَّارين بدِيْنِهِم مِن قريةٍ إلى قريةٍ، ومِن شاهقٍ إلى شاهقٍ، أنَّهم مَعَي ومع إبراهيمَ في الجنَّة كهاتينِ، وأَشَارَ بالسَّبَّابةِ والوسْطَى ) )أو كما قال عليه السَّلام.

فقدَّم عليه السَّلام الفِرار مِن العمارة إلى العمارة [84] على الفِرار إلى الجبال، ويقوِّيه أيضًا مِن كتاب الله عزَّ وجلَّ قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيْهَا} [النساء: 97] ؟

وفي تسميته [85] مَا جاء به سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم

ج 4 ص 340

خيرًا دليلٌ عَلى أنَّ [86] ما [87] سمَّينا به الكتابَ الذي هذا شرحه بـ «جمع النَّهايةِ في بَدْء الخيرِ وغاية [88] » أنَّ ذلك موافقٌ بفضل الله لِمَا قاله [89] الصَّحابيُّ رضي الله عنه، ووافقه عليه سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم، فقويَ عند ذلك رجائي في فضل الله أن يكون كلُّ ما سلكتُ فيه وفي شرحه موافقًا لِمَا يُرضي الله ورسوله، ودالًّا عَلى الخيرات وأبوابها، ومسدًَّا للشرِّ وأبوابه بفضله وَرحمته.

[1] في (ب) : (( عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن الخير وكنا أسأله عن الشر مخالفة أن يدركني، فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخَن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لي. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) ).

[2] قوله: (( منفردًا، وتترك الأهل وَالمال والقرابة ) )ليس في (ب) .

[3] في (م) صورتها: (( إلى بعيد ) )، والمثبت من النسخ الأخرى.

[4] قوله: (( الأمر ) )ليس في (ج) .

[5] في (ج) : (( يحذروها ) ).

[6] في (ب) : (( بحكمة ) ).

[7] في (ب) : (( فيه ويسد دلاله ) ).

[8] في (ب) : (( فالنبي ) ).

[9] في (ب) : (( لقسمة ) ).

[10] في (ت) : (( منها ما شاء لمن شاء كيف يشاء ) ). في (ب) : (( منها ما شاء كيف يشاء ) ).

[11] في (ج) : (( ذلك حديث حذيفة ) ).

[12] قوله: (( من ) )ليس في (ب) .

[13] في (م) : (( عشرة ) )والمثبت من النسخ الأخرى.

[14] في (ت) : (( عن جميعهم ) ).

[15] في (ج) : (( وكانت الأفعال ) ).

[16] في (ج) و (ت) : (( يحب ) ).

[17] في (ب) : (( واختبروا بذلك بعلم التجربة فوجدوه لا ينعكس ) ). وقوله: (( التجربة فوجدوه ) )ليس في (ج) .

[18] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( ومغلاقًا ) ).

[19] قوله: (( علي ) )زيادة من (م) على النسخ.

[20] زاد في المطبوع: (( وفي هذا بيان الطريق لأهل السلوك والمعاملات مع الله تعالى، فإنَّهم يقولون: المبتدِي حالُهُ الكَسْب، والمنتهِي حالُهُ التَرْكُ. ومعناه: أنَّ المبتدي يسأل عن وجوه الخير ويعمل عليها، كما كان حال الصحابة رضي الله عنهم، في الحديث الذي نحن بسبيله، وأنَّ المنتهي يسأل عن الشَّرِّ كلِّه، وأنواع المفاسد كلِّها فيتركُها ويتَّقِيها، كما كان حالُ حذيفة.

وحقيقة المعنى فيما أشاروا إليه أنَّ هذا هو الغالب على أحوالهم، لأنَّ المبتدي يقع في الشَّرِّ- أعوذ بالله مِن ذلك. ولا يترك عمل الخير ولو كان ذلك ما صحَّ له فعل خير، وكذلك حال الصحابة رضي الله عنهم. وإن المنتهي الغالب عليه تنقيةُ النفس والبحث عن المفاسد كلِّها، ولا أنَّهم أيضًا يتركون عمل الخير، ولو كان ذلك كذلك ما صحَّ منهم ترك شرٍّ. وكذلك كان حذيفةٌ رضي الله عنه )) .

[21] قوله: (( وفي هذا بيان الطريق لأهل السلوك ... منهم ترك شرّ. وكذلك كان حذيفة رضي الله عنه ) )ليس في النسخ و (ت) ، والمثبت من المطبوع.

[22] في (ب) : (( شرع ) ).

[23] في (ج) : (( فإن ) ). كذا في (ت) .

[24] في (ب) : (( الكفر ) ).

[25] في (ت) : (( الضلال ) ).

[26] زاد في (ج) : (( اسم ) ). وزاد في (ب) : (( عليه اسم ) ).

[27] في (ج) : (( ولا ) ).

[28] قوله: (( به ) )ليس في (ج) .

[29] في (ج) : (( ولا ) ).

[30] في (ج) : (( من القسم أهل ) ).

[31] قوله: (( هم ) )زيادة من (م) على النسخ الأخرى. والعبارة في (ب) : (( وإما من القسم الذي ) ).

[32] قوله: (( له ) )ليس في (ج) .

[33] قوله: (( هو ) )ليس في (ج) .

[34] في (ب) : (( احتمل ) ).

[35] في (ج) : (( عليه السلام به ) ). كذا في (ت) .

[36] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( اثنين ) ).

[37] قوله: (( وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة ) )ليس في (ج) .

[38] قوله: (( له ) )ليس في (ج) .

[39] في (ج) و (ت) : (( وسبعين ) ).

[40] قوله: (( كل من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو ردٌّ، أو كما قال عليه السَّلام ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[41] في (ب) : (( حصل بصفة ) ).

[42] في (ب) : (( ولا يغيره ) ).

[43] في (ب) : (( بتلك ) ).

[44] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( جملة الدخن ) ).

[45] قوله: (( وَقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم في شأن تجنُّب الفتن ) )ليس في (ب) .

[46] في (ج) : (( بخديعة ) ).

[47] في (ج) : (( علومه جملة ) ).

[48] في (ب) : (( مجموعها ) ).

[49] في (ب) : (( لا ) ).

[50] في (م) : (( ينظر ) )والمثبت من (ج) و (ت) .

[51] في (م) : (( قدح ) )والمثبت من (ج) و (ت) .

[52] في (ت) : (( فلا ترى شيئًا ويتمارى في الفرق ) )، وفي (ب) : (( تنظر في النصل فلا ترى شيئًا وتنظر في القدح فلا ترى شيئًا وتتمارى في الفرق ) ).

[53] في (ت) : (( فأضلوا وضلوا وأضلوا ) ).

[54] قوله: (( اتخذ النَّاس رؤساء جهالًا، فسألوا ... واتَّبعهم دخل النَّار. وفي قوله عليه السَّلام: هم ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[55] في (ت) : (( طريقتها ) ). و قوله: (( وبزيها ) )مكانها بياض في (ب) .

[56] في (ج) : (( شيء ) ).

[57] في (ج) : (( قولة ) ).

[58] في (ب) : (( يعمل ) ).

[59] قوله: (( يعتقد ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[60] زاد في (ب) : (( بعمله ) ).

[61] في (ج) : (( إن لا ) ).

[62] في (ت) : (( يلزم ) ).

[63] قوله: (( الإمام ) )زيادة من (م) على النسخ الأخرى.

[64] كذا في (م) ، وفي باقي النسخ: (( الطريقة ) ).

[65] قوله: (( أيضًا ) )زيادة من (ج) على النسخ الأخرى.

[66] في (ب) : (( يكون ) ).

[67] قوله: (( ظاهرين ) )ليس في (ج) .

[68] قوله: (( وقوله عليه السَّلام في ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[69] قوله: (( منكم ) )ليس في (ج) .

[70] في (م) و (ج) : (( متبع ) )

[71] كذا في (ج) ، وفي باقي النسخ: (( للكتاب ) ). و في (ب) : (( هي متبع للكتاب ) ).

[72] في (ج) : (( وجدًا ) ).

[73] في (ج) : (( الطريقين ) ). في (ت) : (( لأحدٍ الطرفين ) )بضبط الحركات.

[74] في (ج) : (( إمامهم ) ).

[75] قوله: (( بأن ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[76] في (ت) و (ب) : (( منهما ) ).

[77] قوله: (( فالأكمل ) )ليس في (ب) .

[78] زاد في (ج) : (( من ) ).

[79] في (ج) : (( العناية ) ).

[80] في (ب) : (( في الدين ) ).

[81] قوله: (( الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الجليس ) )ليس في (م) ، والمثبت من النسخ الأخرى.

[82] كذا في (ج) ، وفي باقي النسخ: (( المعمول ) ).

[83] في (ج) : (( مفردًا ) ).

[84] قوله: (( إلى العمارة ) )ليس في (ب) .

[85] في (ب) : (( تسمية ) ).

[86] قوله: (أن ) ) ليس في (ج) .

[87] في (ج) : (( خير دليل على ما ) ).

[88] في (المطبوع) : (( والغاية ) ).

[89] في (ت) : (( قال ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت