206 -قولها: (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ... ) الحديث. [خ¦5089]
ظاهر الحديث أنَّ المرض عذر يجوز للحاج أنْ يتحلَّل مِن إحرامه حيث أصابه ولا شيء عليه، وفيه حُجَّة لمن يقول بذلك مِن العلماء، فإنَّ العلماء اختلفوا في معنى قوله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] فقال بعضهم: لا يكون الحصر الذي يكون عذرًا [1] إلا أنْ يكون بعدوٍّ [2] كما [3] فعل سيِّدنا صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم حين منعه أهل مكة الدخول وصالحوه أنْ يدخلها العام [4] القابل.
ومنهم مَن قال: إنَّ الحصر يكون بالعدوِّ [5] والمرض لا غير، وله في هذا الحديث الذي نحن بسبيله حُجَّة.
ومنهم من قال: العذر أيَّ عذر كان عدوًا أو مرضًا أو غير ذلك مِن جميع الأعذار فهو حصر، لكن حصل الاتفاق على أنَّ [6] العدوَّ حَصْر، وبقي الخلاف بينهم فيما عدا ذلك. وكذلك اتفقوا أيضًا أنَّه إنْ كان صَرورة [7] لم يحجَّ فعليه حجة الإسلام.
وهنا بحث وهو أنَّه لا يخلو هذا الحديث أنْ يكون بعد هذه الآية أو قبلها، فإن كان الحديث قبل الآية فتكون الآية ناسخة للحديث على مذهب الجمهور، لأنَّ النَّاس قد [8] اختلفوا في هذه الآية: هل نزلت بعد أمر النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم أصحابه أنْ يفسخوا الحج في العمرة؟ كما أمر الله سبحانه وتعالى في وادي العقيق حين قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( أتاني الليلة آتٍ
ج 3 ص 501
مِن ربي وقال لي: صَلِّ في هذا الوادي المبارك )) على قولين، وقد [9] قال ابن عباس رضي الله عنهما [10] : إنَّ إتمام الحج هو [11] أنْ يُفسَخ في عُمرة، ونهى عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن كان الحديث جاء مِن طريق أنَّه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم دخل عليها وهي تبكي، فمِن أجل ذلك سألها.
وفيه دليل على جواز الحكم على الشخص بقرينة الحال، يؤخذ ذلك مِن سؤاله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم لها لِمَا ظهر له مِن حالها: ممَّ كان بكاؤها؟ ألفواتها [12] الحجَّ مِن أجل ما لحقها مِن كونها وجِعةً أو غير ذلك؟ ليتحقَّق ما [13] ظهر له مِن حالها.
وفيه دليل على فضل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين [14] ، يؤخذ ذلك مِن أنَّهم ما كانت همتهم إلا الدِّين، عليه كان [15] بكاؤهم، وبه كان فرحهم، ويقوِّي ذلك قوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: (( إن المؤمن تسرُّه حسناته وتسوؤه سيِّئاته ) )أو كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام، فهم كانوا أكثر النَّاس بعد نبيهم عليه الصَّلاة والسَّلام إيمانًا، فلذلك [16] كان فرحهم [17] بالإيمان وحزنهم على ما فاتهم منه مع العذر، فما بالك [18] بغير العذر؟ والأمر اليوم على الضِّد [19] سواء، ما نجد [20] الفرحَ إلا بزيادة الدنيا، ولا الهمَّ إلا على نقصها في الغالب، إلا أهل التوفيق وقليل ما هم، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون على ضعف الدين.
وفيه دليل: على أنَّ مساق اليمين في دَرْج الكلام لا شيء فيه إذا كان بارًّا في يمينه، يؤخذ ذلك مِن قولها: (وَاللهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً) وأقرَّها النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم على ذلك ولم يقل لها في ذلك شيئًا.
وفيه دليل: على أنَّه ما يكون مِن الأشياء بغير واسطة أثر
ج 3 ص 502
الحكمة ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، يؤخذ ذلك مِن قوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: (قُولِي: اللهُمَّ مَحِلِّي [21] حَيْثُ حَبَسْتَنِي) فلمَّا كان حبسها بالمرض وليس لأحد فيها [22] مِن أثر الحكمة شيء وهو التسبُّب نُسِب [23] الحبس به إلى الله تبارك وتعالى.
وفيه دليل: على أنَّ مِن فصيح كلام العرب تسمية بعض الشيء بالكلِّ، يؤخذ ذلك مِن قول سيِّدنا صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: (حُجِّي وَاشْتَرِطِي) ولم يعنِ عليه الصَّلاة والسَّلام بـ (حُجِّي) إلا (أَحْرِمي) بالحج، فسمَّى الإحرام وهو ركن [24] مِن أركان الحج وجزء منه فسمَّاه [25] حَجًّا.
وهنا بحث وهو أنْ يُقال: ما فائدة إخبار الراوي عنها أنَّها كانت تحت المقداد؟
والجواب: أنَّ فيه مِن الفقه أنَّ المرأة لا تستأمر زوجها في الحج، لأنَّ النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم قال: (حُجِّي وَاشْتَرِطِي) ولم يأمرها بأن تشاور زوجها، فدل ذلك [26] على أنَّه ليس له أنْ يمنعها مِن [27] الحج، ولذلك أجمع [28] العلماء على أنَّه ليس للزوج أنْ يَمنع زوجته مِن الحج إذا كانت صَرورة [29] وفي منعها مِن التطوع خلاف.
ولأهل الصوفة أسوة في الصحابة رضي الله عنهم لأنَّ ما فرحهم إلا بالدِّين، ولا همهم إلا على ما فاتهم منه، وقيل [30] : مَن كان فرحه لحسن [31] دينه ففرحه في الدارين لا ينقضي، ومَن كان فرحه للدنيا فعن قريب عاد الفرح همًّا، أعاذنا الله مِن ذلك بمنِّه [32] .
[1] في (ج) : (( عذر ) ).
[2] في (م) : (( بعذر ) ).
[3] في (ج) : (( يكون وكما ) ).
[4] في (م) : (( للعام ) ).
[5] في (م) : (( بالعذر ) ).
[6] قوله: (( أن ) )ليس في (ج) .
[7] في (ط) و (ج) : (( ضرورة ) )والمثبت من (م) .
[8] قوله: (( قد ) )ليس في (ج) و (م) .
[9] قوله: (( قد ) )ليس في (م) .
[10] في (م) : (( عنه ) ).
[11] قوله: (( هو ) )ليس (ج) .
[12] في (ج) : (( لفواتها ) ).
[13] قوله: (( ظهر له من حالها ممَّ كان .... أو غير ذلك ليتحقق ما ) )ليس في (م) .
[14] قوله: (( أجمعين ) )ليس في (ج) و (م) . ولا في الاصل
[15] في (ج) : (( كان عليه ) ).
[16] في (م) : (( ولذلك ) ).
[17] في (ج) : (( كانوا أكثر إيمانا بعد نبيهم عليه السلام فلذلك فرحهم ) ).
[18] زاد في (م) : (( بعد ) ).
[19] في (ج) صورتها: (( الضل ) ).
[20] في (ج) : (( يجد ) ).
[21] في (ج) : (( محل ) ).
[22] في (ج) : (( فيه ) ).
[23] في (م) : (( تسبب ) ).
[24] قوله: (( ركن ) )ليس في (ج) .
[25] قوله: (( فسماه ) )ليس في (ج) و (م) .
[26] قوله: (( ذلك ) )ليس في (م) .
[27] في (ج) : (( في ) ).
[28] في (ج) و (م) : (( نص ) ).
[29] في (ط) و (ج) : (( ضرورة ) )والمثبت من (م) .
[30] في (ج) و (م) : (( وقال ) ).
[31] في (ج) و (م) : (( بحسن ) ).
[32] قوله: (( أعاذنا الله من ذلك بمنه ) )ليس في (ج) و (م) .