فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 363

حديث: إن الدين يسر

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم [1] .

6 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ الدِّينَ [2] إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) [3] . الحديث. [خ¦39]

ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ الدِّين يُسرٌ وليس بعسر وطلب الرِّفق فيه والكلام عليه مِن وجوه:

الوجه [4] الأوَّل: قوله عليه [5] الصلاة والسَّلام: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) . هذا اللفظ يحتمل وجوهًا، وعلى كل وجه كلام مِن وجوه إلى آخر الحديث، فنبدأُ أولًا بوجهٍ ونبيِّن [6] معناه ثمَّ نبيِّن الحديث [7] على ما يقتضيه ذلك [8] الوجه إلى آخره، ثمَّ نرجع إلى الوجه الثَّاني ونتبعه [9] أيضًا إلى آخر الحديث، ثمَّ كذلك إلى أن تفرُغ الوجوه المحتملة للَّفظ ليكون ذلك أيسرَ على المُطالع [10] وأسرعَ للفهم فنقول:

الوجه الأوَّل: قوله عليه السَّلام: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) احتمل أن يكون أراد به الإيمان، واحتمل أن يكون أراد به الإسلام، واحتمل أن يكون أرادهما معًا، والإيمان هو التَّصديق، والإسلام هو الانقياد.

والأظهر أن يكون المراد هما [11] معًا بدليل قوله تعالى: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] . ثمَّ قال: {وَلمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] . فلم يقبل منهم الظاهر لعدم تصديق الباطن، ولقوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيْرَا [12] } [النِّساء: 145] ، مع أنَّهم قد أظهروا الانقياد الذي هو الإسلام، لكن لمَّا أن لم يكن معهم الإيمان لم ينفعهم الإسلام إذ ذاك [13] ، وكذلك

ج 1 ص 110

أيضًا في العكس وقد تقدَّم.

فإذا قلنا: بأنَّ [14] الإيمان والإسلام متلازمان فالمراد (بالدِّين) المذكور هنا هما معًا، وإذا كان المراد بهما [15] معًا فنحتاج إذًا إلى بيان يُسْرِهما [16] .

فأمَّا الإيمان فيكفي فيه مِن التَّيسير حديث السوداء، الحديث المشهور وهو حين سألها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أَيْنَ اللهُ؟ ) )فقالت: في السماء، ثمَّ قال لها: (( مَنْ أَنَا؟ ) )فقالت: أنت [17] رسول الله، فقال عليه السَّلام لصاحبها: (( أَعْتِقْهَا فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ ) )فاقتنع عليه السَّلام منها أنَّها [18] أقرَّت بأنَّه رسول الله، وأنَّ الله موجود وهو قاهر حاكم؛ لأنَّها أشارت إلى السَّماء، والسَّماء عند العرب كلُّ ما علا وارتفع، فكل مَن علا غَلَبَ وَقَهَر، ولا يلزم مِنه ما قاله بعض الملحدين مِن التحييز _تعالى الله عن ذلك عُلُوًا كبيرًا_ لأنَّه [19] ليس في [20] الحديث بمقتضى اللغة ما يوجب القول بذلك.

ولأجل هذا قال بعض علماء أهل السنَّة بأنَّ الجاهل ببعض الصِّفات ليس بكافر وهو الحقُّ الواضح، لأنَّه إنْ قيل بغير هذا القول يتضمنه تكفير عوامِّ المؤمنين، وقد وقع الإجماع مِن الصَّحابة والسَّلف بِصِحَّة إيمانهم، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( نَحْنُ أُمَّةٌ أُميَّةٌ لا نَقْرَأ ولا نَكْتُب ) ). وهذا بخلاف مَن يَنْسِبُ إلى الذَّات الجليلة ما لا يليق بها، فإذا اجتُزِئ في الإيمان هذا [21] القَدْر فهو يسير [22] لا شك فيه.

وأمَّا الإسلام فيكفي فيه من التيسير _حديث ضِمام_الحديث المشهور الذي سأل عن الإسلام، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ) )فَقَالَ [23] : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا [24] ؟ قَالَ: (( لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ) )قَالَ

ج 1 ص 111

رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( وَصِيَامُ رَمَضَانَ ) )قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: (( لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ) )، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: (( لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّع ) ) [25] فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ منه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ) )والفلاح هو مَن بلغ في الآخرة ما يؤمِّل، فإذا اجتُزِئ في الإسلام بهذا القدر وكان صاحبه مِن المفلحين فهو يُسرٌ لا شكَّ فيه.

الوجه [26] الثَّاني: قوله عليه السَّلام [27] : (وَلَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ [28] الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) هذا اللفظ مِن أبنية المفاعلة مَنْ فَعَل بمقتضاهُ غَلبهُ [29] الدِّين فإن [30] شدَّد في دينه بحيث لا يبلغ به حدَّ المغالبة فقد خرج عن هذا النَّهي وكان مِن القِسم المحمود، لأنَّ ذلك قوَّة في الدِّين ورفعة في الهمم والمناصب لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ [31] خَيْرٌ ) ).

فأفاد هذا الإخبار أن الضعيف أقلُّ مرتبةً مِن القوي، وأنَّ الضعيف فيه خير [32] بقَدْر ما يخلِّص به نفسِه إذا وفى [33] القدر المُجزئ مِن إيمانه على ما تقدَّم [34] قبلُ فلم يخرجه عليه السَّلام، وإنْ كان ضعيفًا مِن باب الأفضليَّة، وهذا يدلُّ بما تضمن [35] أنَّ المطلوبَ الكمالُ الذي هو القوَّة والتَّرقي، فمَن لم يقدر على الكمال فحينئذ يرجع إلى ما هو أدون [36] مِنه قليلًا بقدر طاقتِه، ويحذر أن يأخذ في طرف [37] الكمال حتى يبلغ به الحال إلى حدِّ المغالبة [38] فيغلِبه الدِّين كما [39] تقدَّم، لأنَّه إنْ تَعَمَّقَ في أحد الوجهين المذكورين الذين [40] هما الإيمان والإسلام فالدِّين قد غلبه بالضَّرورة، لأنَّه يفني عمره ولا يبلغ مِن أحدهما معشارَه، مثال ذلك في الإيمان

ج 1 ص 112

مَن يريد أن يأخذ إيمانه بغير تقليد فيشتغل بالاستدلالات [41] والاستنباطات فيفرغ عليه العمر ولم يبلغ في ذلك ما أمَّل.

وقد أقرَّ بالغلبة هنا رئيس [42] مَن أراد أن يأخذ الإيمان بغير [43] تقليد وهو أبو المعالي رحمه الله تعالى فإنَّه حكى عنه [44] الثِّقات أنَّه قال: لقد خلَّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبتُ البحر الأعظم، وغُصْتُ في الذي نَهَوا عنه كل ذلك رغبة في الحقِّ وهروبًا مِن التَّقليد والآن قد رجعت عن الكلِّ إلى كلمة الحقِّ، والويل لابن [45] الجُويني _يعني عن [46] نفسه_ فإذا كان هذا قول رئيس [47] مَن أراد الأخذ [48] بغير تقليد أقرَّ بالعجز [49] والغلبة فكيف به من جاء بعده يقفو أثره؟

ومثال ذلك في الإسلام من يريد أن يُوفي ما يجب للربوبيَّة على العبوديَّة من الحقوق فهذا أيضًا يفني عمره ولم [50] يبلغ معشار ما أمَّل، لأنَّ الله تعالى يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا [51] اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ،وهذا لا يطيق البشر على بعضه إلا وينقطع، ويكفي في هذا بيانًا حديث عبد الله بن عمر [52] حين أراد أن يقوم الليل ويصوم النهار فقال له عليه السَّلام: (( إِنَّكَ لا تَطُيقُ ذَلِكَ ) ). هذا ما هو في [53] أمرين مِن أمر الدين، فكيف به في [54] باقي أجزائه على مقتضى التَّعظيم؟ فصدق عليه [55] بالضَّرورة أنَّ الدِّين غَلبه.

وإنَّما [56] الطريق المخلص والحال المحمود هو الأخذ بالكمال دون أن يصل إلى حدِّ [57] هذه المغالبة، وكيفية ذلك في الإيمان أن يأخذ أوَّلًا إيمانه بالجَّزم والتَّصديق على ما طُلِب منه، وينفي عنه الشُّكوك فإذا تَحَصَّلَت له هذه القاعدة وخلصت [58] فحينئذ يأخذ في النَّظر والاستدلال على مقتضى ما أمر الله

ج 1 ص 113

تعالى في كتابه مِن النَّظر إلى ملكوت السَّموات والأرض ليكون ذلك دليلًا على وَحدانيته تعالى، ومِن ذلك ما في السَّماء من الكواكب على اختلافها والشَّمس والقمر ومحاقه وكماله وغير ذلك، وما في الأرض من البقع واختلافها كما قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} [الرعد: 4] .

وكذلك ما فيها مِن المياه عذبِها ومالحِها كما قال تعالى: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ [59] وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ [60] حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] .

وكذلكَ ما فيها مِن الثِّمار واختلاف طعمها مع كونها تُسقَى بماء واحد، وتنبت في بقعة واحدة كما قال تعالى: {تسْقَى [61] بِمَاءٍ وَاحِدٍ [62] وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4] .

وهذا النَّظر والاستدلال على ما أشرنا إليه يكفي في [63] كمال الإيمان، لأنَّ الله تعالى جعل ذلك لخليله عليه السَّلام سببًا [64] لعلم اليقين فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ،ولهذا العلم أشار عليه السَّلام بقوله: (( تَعَلَّمُوا [65] اليَقِيْنِ فَإِنِّي أَتَعَلَّمَهُ ) ). ولم يقل [66] ذلك في الإيمان إلَّا طلبه جزمًا ابتداءً، فلمَّا كان الأصل وهو الخليل لم يصل لعلم اليقين إلَّا بالدَّليل الذي ذكره تعالى في كتابه اتخذه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حالًا ودلَّ عليه سبيلًا لقوله [67] تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبيُّ} [آل عمران: 68] .

فمَن أراد الزِّيادة على هذا الحدِّ الذي به يبلغ

ج 1 ص 114

علمَ اليقين فقد دخل في المغالبة، وهو لا يطيق ذلك فيغلبُهُ الدِّين بالضَّرورة إمَّا لِقَصر الزمان مع كثرة الأدلَّة، وإمَّا لشكٍّ يعرض له أو شبهة، وكيفية ذلك في الإسلام [68] أن يأخذ أولًا بالفرض مِن كلِّ الجِّهات حتَّى يوفيه فإذا وفى حينئذ [69] يأخذ في المندوبات [70] بقدر استطاعته ولا يتغالَ [71] في طرف مِن الواجب [72] أو طرف مِن المندوب حتَّى لا [73] يُخِلَّ بالآخر، لأنَّ هذه هي المغالبة في الأعمال وهي تؤول إلى الخسارة إلَّا أن يتداركه الله تعالى باللطف والتَّوبة.

يشهد لهذا ما رُوِيَ أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه لقي النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومًا [74] فقال: يا رسول الله بماذا بُعِثْتَ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( بُعِثْتُ بالعقلِ ) )قال: ومَن [75] لنا بالعقل يا رسول الله؟ قال [76] : (( إنَّ العَقْلَ لَا حَدَّ لَهُ، ولَكِنْ مَنْ حَرَّمَ حَرَامَ اللهِ، وحَلَّلَ حَلَالَهُ سُمِّيَ عَاقِلًا ) ). فإن اجتهد في العبادة [77] سمِّي عابدًا، فإن اجتهد سمِّي جوادًا فإن اجتهد في العبادة وسمح في نوائب المعروف بغير حظٍّ مِن عقلٍ يدلُّ على اتباع ما أمر الله تعالى واجتناب ما نهى الله فأولئك مِن الذين {ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] . وكذلك أيضًا إن [78] طلب نفسَه بتوفية العبادات مِن كلِّ الجِّهات إلى حدِّ الكمال فهذا أيضًا يقع [79] في المغالبة مِن وجهين:

(أحدهما) : العجز لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى ) ). لأنَّ البشريَّة لا تحمل ذلك.

(الثَّاني) : أنَّه قد يجتمع عليه في وقت أو في جُلِّ الأوقات أنواع مِن الواجبات والمندوبات في زمن فرد ولا يقدر إلَّا [80] على أحدها فقد حصل في المغالبة لأجل [81] ما أخذ نفسَه به، وإنَّما [82]

ج 1 ص 115

حال الكمال في هذا أن يأخذ نفسه أولًا بما أشرنا إليه ويعمل على متضمَّن الكلام على بقيَّة الحديث على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ولقائل أن يقول: لِمَ [83] لمْ يقل عليه السَّلام: ولن [84] يُشادَّ (رجلُ أو امرأةٌ) ، وقال بدله: (أحدٌ) ؟ قيل له: ذلك يدلُّ على فصاحتِه عليه السَّلام وبلاغته [85] ، لأنَّ: (أَحَدًا) في اللفظ أقلُّ كلامًا وأكثر فائدة، لا ينطلق [86] على الذكر والأنثى، والقويِّ والضَّعيف، والحرِّ والعبدِ [87] ، والعالم والجاهل، والعليِّ والدَّنِيِّ على اختلاف أحوال العالم.

الوجه الثَّالث: قوله عليه السَّلام: (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) احْتُمِلَ أن يكون هذان اللفظان [88] لمعنى واحد، واحْتُمِلَ أن يكون [89] لمعنيين، فإن كانا لمعنى واحد فيكون المراد بهما الأخذ بالحال الوسط، لأنَّ السَّداد والتَّقريب هو ما قارب الأعلى، ولم يكن بالدُّون فهو متوسِّط بينهما، وإن كانا لمعنيين فيكون المراد بِـ (سَدِّدُوا) [90] الأخذ [91] بالحال الوسط على ما تقدَّم، والحال الوسط هو ما نصَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه [92] في حديث عبدالله بن عمر [93] حين قال له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وإنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) )، ثمَّ عمَّمَ [94] له بعد ذلك فقال: (( وَأَعْطِ كُلَّ [95] ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) ).

فهذا هو السَّداد وهو أن يمشي المرء في الأمور كلِّها على ما فُرِض ونُدِب [96] مِن غير تَغالٍ [97] ولا تقصير في جهة مِن الجِهات.

ويكون المراد بـ (قَارِبُوا) أي: مَن لم يبلغ منكم إلى حدِّ السَّداد الذي هو ما ذكرناه ويعجز عن ذلك لعذر به فليُقارِبْ منه، لأنَّ ما تقارب [98] مِن الشيء أُعْطِيَ حكمه، وهذا بشرط أن لا يقع بهذا التقريب

ج 1 ص 112

خَلَل ولا نقص في شيء مِن الواجبات، لأنَّ الواجب إذا كان فيه شيء مِن ذلك لم يجز وغيره مِن المندوبات لا يقوم مَقامه، بل إنَّه لا يطلق [99] عليه أنَّه قارب إلى السَّداد إلَّا بعد توفية الواجبات مِن كلِّ الجِّهات ثمَّ يأخذ مِن المندوبات [100] بعد ذلك ما يستطيع عليه [101] ويعجز عن الوصول إلى حدِّ السَّداد المذكور لعجزٍ إمَّا بمرض أو غيره فحينئذ يطلق عليه إنَّه قارب.

وقد نصَّ عزَّ وجلَّ على هاتين الطَّائفتين معًا في كتابه _أعني: الطائفة التي أخذت بالسَّداد والطائفة التي أخذت بالتَّقريب_فقال تعالى في حقِّ الطَّائفة الأولى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10 - 11] . وقال في حقِّ الطَّائفة الثَّانية التي لم تستطع الوصول لذلك المقام لكنَّهم قاربوا إليه: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النِّساء: 31] .

وقد يضرب [102] لهذا مثلًا [103] ليكون أسرع للفهم _أعني في كيفيَّة السَّداد وفي كيفيَّة التَّقريب_ فمثال ذلك: أن يأتيَ الطَّالب أولًا لطلب العلم ويعمل جَهْدَه على أن يكون مِن العلماء فإن قدر على ذلك فبها ونِعْمَت [104] ، لأنَّه يحصل بذلك في الطائفة التي أخذت بالكمال وهو السَّداد، فإن عجز عن ذلك فلا يخلي نفسَه مِن طرف منه بحسب ما استطاع؛ لأن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ [105] ) ). فيكون قد أخذ بالتَّقريب حين عجز عن التَّسديد.

وكذلك أيضًا يأخذ نفسه في التَّعبُّد بعد توفِيةِ الفرائض إن قدر أن يكون مِن العابدين فليفعل؛

ج 1 ص 117

لأنَّ الله تعالى يقول على لسان نبيه عليه السَّلام: (( لَا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي [106] يَبْطِشُ بِهَا ) ). فإن عجز أن يكون مِن العابدين فلا يخلي نفسه مِن طرف منه لإخباره عليه السَّلام أنَّه [107] : (( إِذَا كانَ [108] يومُ القِيامَةِ يَنْظُرُ اللهُ إلى صَلاةِ العبدِ، فَإِنْ وَفَّى وَإِلَّا قالَ تعالى: انْظُرُوا إنْ كانَ لَهُ نَافِلَةً فَأَكْمِلُوهَا لَهُ مِنْهَا ) ).

وكذلك في جميع الفرائض إذا نقص منها شيء يُنْظَرُ في النفل الذي هو مِن جنس ذلك الفرض الذي نقص فيُجبر منها، فالمقتصر على الفرض التَّارك للأخذ بالتَّقريب [109] الذي أشرنا إليه هنا يُخاف عليه مِن عدم التوفية فيستحق العذاب، يدل على ذلك ما روي أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رآى رؤيا في منامه، وكان ممَّا رأى فيها [110] : (( رجلًا يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فقيل لَهُ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ) ).

ومعلوم أنَّ قيام الليل ليس بواجب وكيف يعذَّب على ما ليس بواجب، والعذاب لا يقع إلا على ترك الواجب أو وقوع الخلل فيه؟ لكن وإن كان قيام الليل مندوبًا فالعذاب إنَّما وقع على وقوع الخلل في الواجب، بيان ذلك: أنَّه لمَّا [111] لم يكن ليعمل فيه بالنهار فقد أخلَّ بالواجب، وهو لم يعمل المندوب الذي هو قيام الليل مِن حيث [112] أن يجبر له الفرض به [113] فوقع العذاب على ترك الواجب في الحقيقة [114] وهو في الظاهر عليهما معًا.

ثمَّ كذلك أيضًا: إن قدر أن يكون مِن الموقنين بعد توفيةِ الإيمان المجزي

ج 1 ص 118

فليفعل، فإن عجز عنه فلا يُخْلي نفسَه مِن طرف منه لقوله عليه السَّلام: (( تَعَلَّمُوا اليقينَ فَإِنِّي أَتَعَلَّمَهُ [115] ) ). وقد حصل بما أشرنا إليه كفاية في ضرب المثال لَمَّا أردنا بيانه في التَسديد والتَّقريب فنرجع إذًا إلى [116] الكلام على الحديث.

الوجه الرَّابع: قوله عليه السَّلام: (وَأَبْشِرُوا [117] ) البشارة [118] هنا على ضربين (أحدهما) معلوم محدود [119] ، و (الثَّاني) معلوم لا حدَّ له، فأمَّا المعلوم المحدود فهو ما يُرْجَى مِن قبول الأعمال والثَّواب عليها، لأنَّ الثَّواب عليها [120] محدود [121] بإخبار الشَّارع عليه السَّلام على ما نقل عنه وقد قال تعالى في كتابه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] وقال عزَّ وجلَّ: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .

وأمَّا المعلوم الذي هو غير محدود فهو ما وعد تعالى في كتابه حيث قال: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النِّساء: 173] . فالزِّيادةُ معلومةٌ وحدُّها مجهول عندنا.

وفيه دليل على أنَّ البشارة إنَّما تكون للعاملين؛ لأنَّه عليه السَّلام لم يقل (أَبْشِرُوا) إلَّا بعد ما نصَّ على العمل الذي يوجب البشارة وهو التَّسديد والتَّقريب لمن عمل بهما، فأتى بالبشارة للعاملين بذلك وهو [122] مثل قوله تعالى [123] في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ} [البقرة: 218] . فنصَّ تعالى على [124] أنَّ مَنْ فعل ما ذكره من الأعمال هو الذي يرجو رحمتَه تعالى، وكذلك فيما نحن بسبيله مِن أخذٍ بالتَّسديد والتَّقريب على نحو ما تقدم هو الذي يَستبشِر [125] .

ولقائل أن يقول: لِمَ [126] قال عليه السَّلام (أَبْشِروا) ولم يقل: أيقِنُوا؟

ج 1 ص 119

والجواب مِن وجهين:

(الوجه [127] الأوَّل) : أنَّ الإيقان قَطْع بالأمر، والقطع لا يكون إلَّا لله وحده وإنَّما لغيره قوَّة الرَّجاء لا غير، لأنَّه ليس للعبد [128] حقٌّ وجوب على الإلهيَّة وإنَّما هو مِن طريق الفضل والمنِّ [129] ، وما كان مِن طريق الفضل والمنِّ فلا يطمع فيه إلَّا بقوَّة الرَّجاء لا [130] أنَّه يكون [131] حتمًا، وقد قال تعالى في كتابه: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} [التوبة: 111] . فيكون قوَّة الرَّجاء في هذا الوعد بحسب ما يرجى مِن عظيم الفضل الَّلائق بالجَّلال والكمال.

و (الثَّاني) [132] : أن ذلك سدٌّ للذَّريعة؛ لأنَّه لو قال: (أَيقِنُوا) ، لحصل به للضُّعفاء اغترار وهو عين الهلاك، وربَّما يكون ذلك تسبُّبًا [133] للتَّقصير في العمل مع كونه مهلكًا وهذا بخلاف البشارة؛ لأنَّ البشارة رجاء ونفس الرَّجاء يشرح الصدور [134] وينشِّط للعمل وتنتعش به الرُّوح الأبيَّة.

الوجه الخامس: قوله عليه السَّلام: (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) الاستعانة هنا [135] تنقسم على ثلاثة أقسام: مُسْتَعِيْنٌ، ومُسْتَعَانٌ بِه [136] ، ومُسْتَعَانٌ عَلَيْهِ، فالمستعين [137] هو المؤمن، والمستعان به أصلُهُ إعانةُ بعضٍ لبعضٍ لغَرَضٍ ما مِن الأغراض كما رُوِيَ في الحديث: (( وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ) ).

أي: يحمله له حتَّى يبلغه له [138] للموضع الذي أمَّل، والاستعانة هنا على وجهين: استعانة بالزَّمان، واستعانة بالعمل، فأمَّا الاستعانة بالزَّمان فهي ما في طَرَفي النَّهار مِن اعتدال الهواء ونشط النفس فيهما [139] ، وما روي أنَّ العمل فيهما أزكى [140] ممَّا في غيرهما، قال تعالى

ج 1 ص 120

في كتابه خطابًا لنبيه عليه السَّلام: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه} [الكهف: 28] . وقال تعالى على لسان نبيِّه عليه السَّلام: (( اذْكُرْنِي سَاعَةً بَعَدَ الصُّبْحِ، وسَاعَةً بعدَ العَصْرِ أَكْفِكَ [141] مَا بَيْنَهُمَا ) ).

والدُّلجة أيضًا كذلك؛ لأنَّ الدُّلجة [142] هو آخر الليل، وآخر الليل [143] أبدًا للبدن أقوى [144] ، لأنَّه قد أخذ راحته مِن النَّوم والغذاء، وقد ورد فيه مِن الفضل كثير، فمِن ذلك قوله عليه الصلاة والسَّلام: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا _وفي رواية: كلَّ ليلةِ في ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ [145] _ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ ) ).

فإذا كان تعالى ينادي هكذا كل ليلة [146] في آخرها [147] فمحال أن يدعو أحد [148] إذ ذاك أو يتوب أو يستغفر فيُرَدَّ؛ لأنَّ الله تعالى لا يُخلِف الميعاد، والمراد بالنُّزول هنا نزول طَوْلٍ ومَنٍّ [149] ورحمةٍ دون حلول ولا انتقال [150] .

وأمَّا الاستعانة بالأعمال فهي أن تُعْمَرَ هذه الأوقات المذكورة بأنواع الطَّاعات، وإذا عُمِّرت بذلك لم يَبْقَ بعدها إلَّا الأوقات التي جُعلت للرَّاحات، وهو [151] ما نصَّ تعالى عليها في كتابه حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58] .

فعلى هذا فمفهوم هذا الحديث ما نصَّ عليه السَّلام عليه [152] في حديث آخر حيث قال: (( رَوِّحُوا القُلُوبَ

ج 1 ص 121

سَاعَةً بَعَدِ سَاعَةٍ )) . لكنَّه عليه السَّلام زاد في الحديث الذي نحن بسبيله تعيين [153] الأوقات التي جُعِلَت للعبادات، أي جُعِلت العبادة فيها أفضلَ مِن غيرها مِن سائر الأوقات.

وإذا قلنا بهذا: وهو أنَّ المطلوب عمارة هذه [154] الأوقات بالطَّاعات فهل ما يُعمَّر به مِن الأعمال معيَّن أو غير معَّين؟ احتمل الوجهين معًا.

فإنْ قلنا: بالتَّعيين فهي [155] الصَّلاة، لأنَّها هي التي تَسبِق للذِّهن [156] ، وإذا قلنا: بأنَّها الصَّلاة فما الحكمة في تعيينها دون غيرها؟ فنقول والله أعلم: أنَّها إنَّما اختصت بهذه الأوقات وجُعلت سببًا للاستعانة لِمَا فيها مِن التَّعظيم لله تعالى والافتقار إليه والدُّعاء والالتجاء [157] وما فيها مِن أنواع الخير على ما سيأتي بيانه في موضعه مِن داخل الكتاب إن شاء الله تعالى.

وإن قلنا بعدم التَّعيين فيكون ذلك مِن باب التَّنبيه بالأعلى على الأدنى لقوله عليه السَّلام: (( مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنَ الدِّينِ موضعُ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ ) ). وهذا هو الأظهر والله تعالى أعلم؛ لأنَّه قد تعرض [158] في بعض الأوقات أعمال تكون أفضل مِن الصَّلاة بحسب الأحوال وهي كثيرة تتعدد فعلى ما ذكرناه مِن هذا التَّعليل يترتب عليه مِن الفقه وجهان:

(أحدهما) : اغتنام نشط [159] النَّفس وخلوِّ الشغل، وقد نصَّ عليه السَّلام على ذلك حيث قال: (( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ ) )وعدَّ فيها: (( فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ) ).

(الثَّاني) : اغتنام حسن الزَّمان واعتداله، لأنَّ ذلك ممَّا يعين [160] على العبادة وقد نصَّ عليه السَّلام على ذلك حيث قال:

ج 1 ص 122

(( أَبْرِدُوا بالصَّلَاةِ ) ). وأمَّا [161] المستعان عليه فهو يحتمل [162] وجوهًا:

(الأوَّل) [163] : وهو أعمُّها صلاح الحال في الدنيا والفلاح في الآخرة وهو بلوغ ما يؤمَّل مِن الخير على ما نصَّ عليه العلماء. (الثَّاني) : أن يكون عائدًا على التَّسديد والتَّقريب. (الثَّالث) : أن يكون عائدًا على البشارة وما تتضمَّن إلى غير ذلك مِن الوجوه على مقتضى ما يحتمله الحديث [164] على ما أذكره بعد إن شاء الله تعالى. هذا ما تضمَّنه البحث على هذا الوجه إن ْكان المراد بالدِّين (الإيمان والإسلام) معًا، ثمَّ نرجع الآن إلى بيان الوجه الثَّاني على ما اشترطنا أولًا فنقول:

قولهُ عليه السَّلام [165] : (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) قد [166] يريد به الإسلام دون غيره، وهي أفعال الدِّين [167] على ما بيَّناه، بيان ذلك: أنَّ الخطاب بالحديث إنَّما كان للمؤمنين والإيمان قد كان حاصلًا، وإذا كان المراد به الإسلام فالكلام على بقيَّة ألفاظ الحديث تَضَمَّنه الكلام على الوجه قبله فأغنى عن إعادته.

الوجه الثَّالث: قوله عليه السَّلام: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) قد يريد به أنَّ الشَّيء الذي وُعِدتم أنَّكم تتخلَّصون به مِن الأعمال وضُمِنَت [168] لكم به النَّجاةُ هو [169] توفِيةُ ما فُرِض عليكم.

الوجه الثَّاني منه: قوله عليه السَّلام: (وَلَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) أي: لا تُوغِلوا [170] في المندوبات فيؤول بكم الأمر إلى أن تُخِلُّوا بالفرائض فيغلبكم الدِّينُ، ومثال هذا مَن يُكثِر في طرف مِن المندوب [171] ويَتركُ شيئًا واجبًا عليه مِن طرف آخر لم يفعله، وكذلك أيضًا مَن يتوسوس في الطَّهارة حتى يفضي به الأمر إلى إيقاع الخلل فيها،

ج 1 ص 124

وكذلك في سائر التَّعبُّدات إن تعمَّق فيها حتَّى يُخلَّ بالفرض منها فقد غلبه الدِّين، لأنَّ الأصل الذي يتقرب إلى الله تعالى به [172] قد أخلَّ به، ولا يسوغ أن يتقرب بالفرع مع عدم توفية الأصل [173] ؛ لأنَّ الله تعالى يقول على لسان نبيه عليه السَّلام: (( لَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بأحبَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ، ثمَّ لَا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي [174] يَبْطِشُ بِهَا ) ).

وفي هذا [175] إشارة إلى التربية بالتدريج في [176] السلوك والتَّرقِّي ومنع الأخذ بالقوَّة أولًا في التَّعبدات مِن النَّوافل بالليل [177] والنَّهار وغير ذلك، لأنَّ مَن يأخذ بذلك في بداية [178] أمره يغلبه [179] الدِّين بالضَّرورة لِقِلَّة الرِّياضة فيما أخذ بسبيله.

ومثل هذا ما روي أنَّ [180] عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فَقَدَ سليمان بن أبي حَثْمة [181] في صلاة الصُّبح فلمَّا كان مِن الغد مرَّ على الشفاء أم سليمان، فقال لها: لم أرَ سليمان [182] في [183] الصُّبح؟ فقالت: إنَّه بات يصلِّي فغلبته عيناه، فقال عمر: لأنْ أشهد صلاة الصُّبح في الجَماعة [184] أحبُّ إليَّ مِن أن أقوم ليلة.

فانظر كيف فضَّلَ حُضور الصَّلاة في الجَّماعة على قيام الليل كلِّه مع أنَّ قيام الليل فيه مِن المشقَّة ما هو معلوم، لكن لمَّا أن [185] كان ذلك القيام الليل [186] كلُّه مِن جنس المندوب وآل أمره إلى أن أوقع الخلل في فَضْلٍ مِن فضائل المفروضات كرهه عمر رضي الله تعالى، عنه فلو قام مِن الليل بعضَه ونام بعضَه وحضر الصَّلاة في جماعة لكان مِن الآخذين

ج 1 ص 125

بالكمال، ولم يقع عليه بذلك غلبة في نقص فضيلة ولا غيرها، فإذا أخذ المرء أولًا نفسه بالرِّفق والرِّياضة في تعبُّداته حتَّى يصير له ما أخذ من ذلك عادة كانت العبادة [187] عليه يسيرة لا [188] مشقَّة عليه فيها حتَّى يبلغ بها النِّهاية، وهو كأنَّه لم يزد على نفسه شيئًا [189] يُرْوَى عن السَّمَّاك [190] رحمه الله تعالى وهو مِن أحد شيوخ «الرِّسالة» أنَّه انتهت به نافلته في دكانِه مع بيعه ألفَ ركعة في اليوم.

الوجه الثَّالث: قوله عليه السَّلام: (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) [191] أي: قاربوا الحدَّ [192] ولا تأخذوا الأخذَ الكليَّ الذي تصلِون به إلى الْمُشَادَّة فيغلبكم الدِّين و (سدِّدوا) أي: ليكن جِدُّ كل شخص على ما تقتضيه بِنْيَتُه وطاقَتهُ ومِزاجُه.

ومِن هذا الباب راح كثيرٌ مِن العباد، لأنَّهم يأخذون أنفسهم أوَّلًا بأن يعاندوا [193] مَن ليس مثلهم مِن أهل النِّهايات فيأخذون [194] مأخَذَهم ويسلكون [195] مسلكهم فيُقطَع بهم في الحال عنهم، لأنَّه [196] قد يكون مَن أرادوا التشبُّه به أكثر قوَّة في بدنه منهم و أعدلَ مزاجًا، وأخذ نفسه أولًا فيما هو بسبيله الآن بالتَّدريج في السُّلوك والتَّرقي حتَّى صار له ما هو بسبيله [197] مِن التَّعبد مزاجًا كما حكيناه عن السَّمَّاك [198] ، ولهذا قال يُمْنُ بنُ رِزق رحمه الله تعالى الإمام في الطريقين: (( حَذارِ حَذارِ [199] مِن أهل البداياتِ أن يتشبَّهوا بأهل النِّهايات، فإنَّ هناك مَقاماتٍ لم يُحْكِمُوها ) )، فعلى هذا فالشَّأن [200] الذي يبلغ به المقصود إن شاء الله تعالى يكون [201] صاحبه مِن أهل السَّداد، وهو [202] أن يُحكِم أولًا الخَمْسَ التي [203] فُرضت عليه وهي اليسير [204] بواجباتها ومندوباتها

ج 1 ص 125

والمحافظة عليها، فإذا رجع له ذلك [205] مِزاجًا أخذ إذ ذاك بالرِّفق والسَّداد على ما أشرنا إليه في النَّوافل.

الوجه الرَّابع: قوله عليه السَّلام: (وَأَبْشِرُوا) البشارة هنا هي لمن زاد على الفرض ولم يقتصر عليه، لأنَّ الفرض قد جاء فيه ما جاء مِن الوعد الجميل في الكتاب والسُّنَّة في غير ما موضع، فإن حملنا البشارة هنا على ذلك فهو تحصيل حاصل، ونكون قد حملنا ألفاظًا جملة على معنى واحد وليس ذلك بالمرضيِّ عند [206] العلماء، وإنَّما يحمل كل لفظ على فائدة أو فوائد دون غيره مِن الألفاظ إن وُجِد لذلك سبيل [207] ، وكفى في هذا دليلًا قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] . ولا ذاك إلَّا في النَّفل دون الفرض، والبشارة هنا [208] على معنيين:

(الأوَّل) : هو أنَّه إذا أخذ بعد الفرض باليسير [209] مِن النَّفل فَلْيسْتَبْشِر بزيادة مقتضى [210] قوُّة البشارة حتَّى يبلغ ما أَمَّل مِن الأحوال الشَّريفة والمنازل المنيعة [211] بلا كُلفة، لأنَّ حقيقة البشارة لا تكون إلَّا في المستقبل، والبشارة بما قد وُعِد تحصيلُ حاصل، وإنَّما سُمِّيَتْ بشارةً مجازًا لا حقيقة، وإنَّما البشارة الحقيقيَّة مثل ما تضمَّنه إخباره عليه السَّلام لكعب بن مالك أحدِ الثَّلاثة الذين خُلِّفوا حين تِيْبَ عليهم فقال له عليه الصلاة والسَّلام: (( أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْكَ فِيْهِ الشَّمْسُ ) ).

هذه هي البشارة الحقيقيَّة وهي خَفِيَّة دقيقة؛ لأنَّ ظاهر اللفظ قد يستشكلُه السَّامع، وقد [212]

ج 1 ص 126

استشكله بعض العلماء وقال: كيف يكون هذا خير يوم طلعت عليه [213] فيه الشَّمس وقد تقدَّمه يوم إسلامه وهو خروجه مِن الكفر إلى الإيمان؟ وهذا القائل قد توهَّم أنَّ هذا إشكال في الحديث وليس [214] ذلك بإشكال.

بيان ذلك: أنَّه أعقب يومَ إسلامه بهذا الذَّنب العظيم الذي استوجب به هَجْرَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة، فلمَّا تِيْبَ [215] عليه هذه التَّوبة التي علم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّها لا معصيةَ بعدها، أخبره عليه السَّلام بأنَّ ذلك خير يوم طلعت عليه فيه الشَّمس؛ لأنَّه لم يقع [216] منه بعد ذلك معصية ولا مخالفة والتزم الصِّدق والعبادة حتَّى قبضه الله تعالى إليه [217] على أحسن حال، فلو أراد النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالبشارة الماضي [218] لقال له: (أبشر فقد غُفِر لك و تِيب عليك) ، ويحصل بذلك الكفاية [219] ، ولكن لمَّا أن أراد عليه السَّلام البشارة في المستقبل أتى بصيغة ما قد [220] ذكر ولأجل ما فهم الصَّحابي مِن هذه البشارة خلع إذ ذاك ثيابه ولم يكن ليملك غيرها فأعطاها في البشارة لعلمه بعظيم [221] ما بُشِّر به.

وكلُّ بشارة وردت مِن الشَّارع عليه السَّلام مبهَمَةً فالمراد بها ما ذكرناه مِن مقتضى هذه البشارة، و لهذا قال أهل السُّلوك: فيمَن بلغ بعض المنازل فدام عليه بأدبه: فإنَّه يترقَّى إلى ما هو أعلى منه فما دام على هذا [222] الحال لا يزال في ترقٍّ حتَّى [223] يبلغ غاية المنازل الرفيعة عملًا منهم على مقتضى البشارة وهي ما ذكرنا [224] .

الثَّاني: هو [225] أنَّه إذا أخذ نفسَه بتوفية الفرض وما تيسَّر عليه مِن النَّفل

ج 1 ص 128

فدام على ذلك ولم يزد في [226] عمله شيئًا فنفس البقاء على ذلك زيادة وهي البشارة، يؤيد هذا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم حين أُخبر عن الأخوَيْن اللذين مات أحدهما قبل صاحبه [227] بأربعين ليلة فذُكِرت فضيلة الأوَّل بين يديه عليه السَّلام، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم عن الآخر: (( وَمَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ؟ إنَّما مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ يَمُرُّ [228] بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ [229] مَرَّاتٍ، فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ [230] مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ؟ ) ).

ولهذا قال أهل السُّلوك: الدَّوام على الحال زيادةٌ [231] فيه وترقٍّ عملًا على الحديث الذي أوردناه.

الوجه الخامس: قوله عليه السَّلام: (واسْتَعِيْنُوا بالغَدْوَةِ والرَّوحَةِ وشَيءٍ مِنَ الدُّلْجةِ) استعينوا (بالغَدوة) أي: صلاة الضحى [232] ، و (الرَّوْحَة) أي: الصَّلاة التي بين الظهر والعصر، و (الدُّلْجَة) أي: قيام آخر الليل.

فإن قال قائل: لمَ عمَّ عليه السَّلام الوقتين جميعًا [233] وجعل مِن الثَّالث البعض؟ قيل له: إنَّ هذين الوقتين قريبان محدودان وهما معًا جزء [234] مِن النَّهار و آخر الليل جزء من الليل لكنَّه غير محدود، وإن كان عليه السَّلام قد حدَّ [235] الفضل فيه في حديث داود عليه السَّلام حيث قال: (( أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ عليه السَّلام، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيْقُومُ ثُلُثَهُ، وَيْنَامُ سُدُسَهُ ) ).

فالحدُّ إنَّما حصل على الأفضليَّة، وما نحن بسبيله إنَّما وقع على الأجزاء الذي به تحصل الاستعانة فمَن قدر على الأخذ بالأفضل فَبِها ونِعْمَت [236] ، وإلَّا فقد أخذ بالأجزاء الذي يستعين به [237] وهذا مِن باب التَّوسعة؛ فإنَّ [238] ذلك وقت نوم وأعذار وليس

ج 1 ص 128

النَّهار كذلك، وفي هذا دليل على التحريض على تعمير هذه الأوقات بأنواع العبادات إذ إنَّ ذلك ممَّا يُستعان به، وما يُسْتَعان به لا يُترك، لأنَّه إنْ ترك ما يَستعين به خِيْفَ عليه أن لا يبلغ ما أمَّل، ولهذا استُحِبَّ له [239] الابتداء أولًا باليسير أبدًا ويعمل عليه ويكون ذلك دأبُه لئلا يخلي نفسه مِن الاستعانة، فإنْ وجد النِّهاية لم يتركها، وإن حدث [240] له ضعف أو شغل لم يترك قدر ما ينطلق عليه [241] اسم (الاستعانة) .

وقد نصَّ عليه السَّلام على هذا المعنى الذي أبديناه في غير هذا الحديث حيثُ قال: (( لكلِّ عَابدٍ شِرَّاهة، ولكلِّ شِرّاَهة فَتْرَة، فطوبى لمن كانت فترته إلى سُنَّة [242] ) ). والسنَّة التي هي الفترة إليها، هي [243] ما أشار إليه [244] عليه السَّلام في هذا [245] الحديث مِن الأخذ في التَّعبد [246] في هذه الأوقات اليسيرة، فسبحان مَن مَنَّ علينا بالخير به وعلى يديه.

وفي هذا دليل لأهل السُّلوك والتَّربية حيث يستحبُّون أن تكون البداية أولًا في الليل وفي [247] النَّهار ركعتين [248] ركعتين، ثمَّ يزيد على ذلك ما شاء بحسب النَّشاط [249] لئلَّا يخلي نفسه ِمن الاستعانة كما تقدَّم، ثمَّ يبلغ بالتَّدريج [250] ما أمَّل، لأنَّ مَن أخذ مِن هذه الأوقات بقدْر طاقته مِن العبادات ترقَّى إلى ما شاء الله مِن [251] المراتب السَّنيَّة ولا يدركه في ذلك تعبٌ، فإذا أخذ بذلك كان أبدًا في التَّرقي بالزِّيادة تاركًا للتَّقصير [252] حتَّى يبلغ بذلك [253] إلى نهاية [254] ما يقتضيه حال البشريَّة.

وذلك مثل ما حُكِيَ عن بعض الفضلاء أنَّه أتاه أخٌ [255] له يزوره فوجدَه يصلِّي الظهر، فجلس ينتظر فراغه مِن صلاتِه، فلمَّا فرغ مِن الصَّلاة [256] قام إلى التَّنفل [257] ، فجلس ينتظر [258] فراغَه مِن التَّنفل، فما زال كذلك إلى صلاة

ج 1 ص 129

العصر، فصلَّى العصر [259] ثمَّ جلس للذِّكْر فخاف أن يقطع عليه ذِكْرَه فجلس ينتظر فراغَه فما زال كذلك إلى صلاة المغرب، فقام إلى الصَّلاة فلمَّا فرغ منها قام إلى التَّنفُّل [260] ، فخاف أن يقطع عليه تنفُّلَه [261] فجلس ينتظر فراغَه من التَّنفُّل [262] فما زال كذلك إلى صلاة العشاء فلمَّا فرغ منها قام إلى التَّنفُّل [263] ، فما زال كذلك إلى الصَّباح فقام إلى صلاة الصُّبح، فلمَّا فرغ منها جلس إلى الذِّكر [264] فجلس ينتظر فراغَه فبينما هو جالس في مصلَّاه لذكرِه غلبته عيناه قليلًا ثمَّ استيقظ مِن حينه فجعل يمسح عينيه ويقول: أستغفر الله، أعوذ بالله مِن عين لا تشبع من النوم،

فانظر لِمَا [265] صار به مِن [266] الحال وهو يتنعَّم [267] بذلك؛ لأنَّه لولا الحلاوة التي وجدها في العبادة لَمَا جعل هذه السِّنَة التي لا تنقض الطَّهارة ذنبًا يستغفر منه، فزال عنه التَّعب والمشقَّة التي [268] تدرك البشر مِن ذلك، ورجع له عوض ذلك الحلاوة والتَّنعم، وذلك ببركة الرِّفق والرِّياضة في التَّربية في السُّلوك، فنسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بما به [269] مَنَّ عليهم [270] ، وأن يعيد علينا مِن بركاتهم، ثمَّ نرجع الآن إلى البحث المتقدِّم.

الوجه الرَّابع: قوله عليه السَّلام: (إنَّ الدِّيَن يُسْرٌ) قد يريد به إنَّما تديَّنتم به بالنِّسبة إلى مَن [271] كان قبلكم يسيرٌ [272] ، وإنَّما [273] كُلِّفتم إلَّا ما تُطيقون؛ لأنَّ الله تعالى قد رفع عن هذه الأمَّة الإِصْر [274] الذي كان قد جعل على الأمم الماضية فجعل [275] لهم عند الضيق المخرج.

مثال ذلك: ما شرع لنا في التَّوبة، وهو الندم والإقلاع والاستغفار، وقد كانت لمن قد كان [276] قبلنا بالقتل، وكذلك أيضًا النجاسة [277] طهارتها لنا [278] بالغسل، ولمن قبلنا بالقطع بالمقراض [279] ،

ج 1 ص 130

وكذلك أيضًا تَحِلَّةُ اليمين بالله تعالى شرعت لنا، ولم تشرع لمن كان قبلنا، وكذلك أيضًا أكل الميتة عند الاضطرار وقد كانت محرَّمةً إلى غير ذلك وهو كثير [280] .

وكذلك أيضًا لو كَلَّفَنَا عزَّ وجلَّ بما لا نطيق [281] لكان ذلك سائغًا؛ لأنَّه [282] الحاكم القاهر لا رادَّ لِمَا قضى ولكن بفضلِه تعالى ومنَّته عافانا فلم يكلِّفنا إلا قدرَ استطاعتنا فقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . ومَن كُلِّف قَدْرَ وُسعِه فهو يُسْرٌ عليه لا تعسير [283] .

ومثال ذلك: أنَّه تعالى عفا [284] عن الخطأ والنسيان وحديث النفس وما استُكرِهنا عليه [285] ، وكذلك أيضًا [286] شرَع لنا عزَّ وجلَّ [287] عند العجز عن القيام في الصَّلاة القعودَ، وعند العجزِ عن القعودِ الاضطجاعَ، وعند العجز عن التَّحرُّك [288] الإيماء، وكذلك أيضًا شرَع لنا عزَّ وجلَّ التَّيمم عند عدم الماء كما في كتابه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النِّساء:43] . [289] وقَصْر الصَّلاة في السَّفر والفِطر فيه، إلى غير ذلك وهو كثير موجود في كتب الفروع، وقال عليه السَّلام: (( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى [290] رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ [291] تُؤْتَى عَزَائِمُهُ ) ).

الوجه الثَّاني مِن [292] : قوله عليه السَّلام: (وَلَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) يريد أنَّ مَن شَدَّدَ [293] على نفسِه بالأخذ بالأشدِّ وترك ما رخِّص له فيه فقد شادَّ الدَّين، وإن [294] شادَّ الدِّين غَلَبه [295] الدِّين.

ومثال [296] ذلك: مَن شدَّدَ على نفسه فترك اليمين [297] المشروع وحلف بالمشي إلى مكَّة أو الطَّلاق، أو العَتاق أو ترك [298] التَّيمم عند العجز عن الطَّهارة وأراد الطَّهارة بالماء وأراد القيام في الصَّلاة مع العجز عنه إلى غير ذلك وهو كثير فيريد الأخذ

ج 1 ص 131

بالكمال في كلِّ الجِّهات ويترك الرُّخص فمن فعل هذا فقد شادَّ الدِّين فيغلبه [299] الدِّين لأجل ما أدخل على نفسه، وقد ذمَّ عزَّ وجلَّ مَنْ فعل ذلك مِن الأمم الماضية فقال تعالى [300] : {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] .

الوجه الثَّالث: قوله عليه السَّلام: (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) [301] أي: قاربوا أوَّلًا بالجِدِّ وقوَّة العزم على الأخذ بالحزم، والحزم [302] هو ترك المحذور [303] والعمل على براءة الذِّمَّة والأعلى مِن المراتب والأفضل مِن الأحوال، فإن وقع لكم عجز أو غفلتم أو وقعتم في شيء ممَّا نُهيتم عنه فسدِّدوا، أي: أصلحوا حالكم [304] بالخروج على المخارج التي جُعلت لكم والأخذ بالرُّخص [305] التي تُصُدِّق بها [306] عليكم {إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النِّساء: 29] .

الوجه الرَّابع: قوله عليه السَّلام: (وَأَبْشِرُوا [307] ) أي: أبشروا بأنَّ [308] ذلك مخلِّص لكم ومبلِّغكم إلى رضاء مولاكم وحسنِ العاقبة لكم، يؤيِّد هذا قوله عليه السَّلام: (( رُبَّ ذَنْبٍ أَدْخَلَ صَاحَبَهُ الجَنَّةَ ) ). قال العلماء معناه: أنَّ ذلك الذَّنب كان سببًا لتوبتِه فتاب توبةً نصوحًا فكان هو السَّبب الذي أدخله الجنَّة، يزيد هذا إيضاحًا وبيانًا ما قيل لبعض الفضلاء حين غَلَب عليه في وقت ما خوفٌ مِن أجل التَّقصير في حقِّ مولاه، ثمَّ تَلمَّح سعة [309] الفضل فخالط ذلك الخوف طمعٌ في سَعَة رحمة مولاه فخوطب بأن [310] قيل له: مَن أردناه اصطفيناه [311] فخوَّفناه ورجَّيناه، ومَن أبغضناه أَبْعَدناه وأَلْهَيناهُ.

ج 1 ص 132

الوجه الخامس: قوله عليه السَّلام: (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) .

الاستعانة هنا: هي أن مَن واظب على الأعمال في الأوقات المذكورة يُرْزَقُ بها العون على ما أخذ بسبيلِه مِن أفعال الطَّاعات ويتيسَّر له [312] ما عَسُرَ عليه [313] مِن أمر دينه، ويزيده قوَّةً في إيمانه فيتبيَّن له [314] قدْرُ ما لطف به، وماذا أريد منه وهذا مِن أكبر أسباب العون، فإنَّ به يَسهُلُ العمل وتسمو الهِمَم إلى المراتب العَلِيَّة، ولأجل ما يحدث مِن هذه المعاني بعمارة تلك الأوقات.

قال بعض الفضلاء مِن أئمَّة التَّحقيق: وأنا أوصيك بدوام النَّظر في مرآة الفكرة [315] مع الخلوة، فهناك يتبيَّن لك [316] الحقُّ، ومَن بان له الحقٌّ رُجيَ له اتِّباعه وكان مِن أهله. فنسأل الله تعالى أن يريَنا الحقَّ حقًا ويرزقنا اتِّباعه.

وممَّا يناسب ما نحن بسبيلِه مِن وجه ما قوله عليه السَّلام: (( وَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادَهُ عَشَرَاتِه ) ). ومعنى ذلك: أنَّ الحسنات جُعلت بفضل الله تعالى عشرًا إلى سبعين إلى سبعمائة والله يضاعف بعد ذلك لمن يشاء، والسيِّئة بواحدة، ثمَّ بعد هذا الفضل العميم يَغْفُل ابنُ آدمَ المسكينُ عن نفسه حتَّى لا يجد لنفسه مَخْرَجًا، إمَّا بتغالٍ في الدِّين، وإمَّا بتضييع محاسبة نفسِه فيهلك مع الهالكين وهو لا [317] يشعر، ولهذا قال عليه السَّلام: (( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ) )، فيحقُّ لمن غفل عن نفسِه و ألزمها هذا التَّغالي المذكور، أو غفل عن محاسبة ذلك [318] الوعيد العظيم أعاذنا الله تعالى مِن ذلك بِمنِّه، فينبغي للعاقل أن يُعِينَ نفسه بما أشار الشارع عليه السَّلام

ج 1 ص 133

إليه [319] ، وأنْ يقيم على نفسه ميزان الشَّرع ولا يغفل عنْ محاسبة نفسه ولا يشادَّ دينه لئلَّا يهلك بأحدِ هذه الوجوه، ثمَّ نرجع الآن إلى البحث المتقدِّم.

الوجه الخامس: قوله عليه السَّلام (إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) قد يُريد به أنَّه يُسرٌ على مَن عرَفَهُ، لأنَّ مَنْ جَهِله عَسُر عليه بمقتضى أدلَّته بجهله [320] فيكون هذا مثل قوله تعالى: {شَهِدَ اللهُ أنَّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] . وشهادته لنفسه هي [321] ما أظهَرَ في جميع مخلوقاته من آثار قدرته الدَّالة على وحدانيتِه [322] وعظمتِه، فيكون الحاصل مِن هذا التَّحضيضَ [323] على علوم [324] الدِّين بمقتضى الكتاب والسنَّة على ما أشرنا إليه قبل.

الوجه الثَّاني: قوله عليه السَّلام: (وَلَنْ يُشَادَّ أَحَدٌ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) المشادَّة هنا هي: مَنْ أراد أنْ يأخذ علوم الدِّين بغير هذين [325] الطَّريقين وهما: الكتاب والسنَّة، إمَّا بعلم العقل أو ما [326] أشبهه واقتصر على ذلك فيغلبه الدِّين إذ ذاك بالضَّرورة؛ لأنَّه إذا فعل ذلك عاد عليه مَقام الحقِّ مشكلًا ومَقام الحقيقة محتملًا فانقلب بصفقة خاسرة خَسِر الدُّنيا والآخرة.

الوجه الثَّالث: قوله عليه السَّلام: (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) السَّداد هنا بمعنى سَداد الحال، يُقَالُ: سدَّدَ فلان حالَه إذا أصلحَه، سدَّد الله فلانًا أي: أصلح الله فلانًا، سَ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت