213 -قوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا [1] يَمْسَحْ يَدَهُ ... ) الحديث. [خ¦5456]
ظاهر الحديث النهي [2] عن أنْ يمسحَ أحدٌ يدَه إذا أكل طعامًا حتى يلعَقَها، أو يعطي [3] غيرَه يلعقُها، والكلام عليه مِن وجوه:
منها: [4] هل هذا مِن كلِّ الطعام؟ وهل هذا لعِلَّة مفهومة أو تعبُّدٌ لا غير؟ وهل ذلك خاص بالمسح [5] أو عامٌّ
ج 3 ص 526
في المسح والغسل [6] ؟ وقوله: (يُلعِقَها) هل يكون ذلك مِن جنسه لا غير؟ أو مِن جنسه وخلاف جنسه إنْ أمكنه ذلك؟ وفي المسح كيف يكون وفيما يكون [7] ؟
فأمَّا قولنا: هل مِن كل طعام؟ فليس على عمومه لأنَّ مِن الأطعمة ما لا يتعلَّق بيدِ الآكل منه [8] شيء وما لا يتعلق مِنه شيء، ولا يحتاج إلى مسح فلا يحتاج [9] أنْ يُلعَق.
وأمَّا قولنا: هل هو تعبُّد أو لعلَّةٍ مفهومة؟ [10] اللفظ لا يفهم [11] منه ذلك، لكن قوة الكلام تعطي [12] أنَّه لعلَّة مفهومة وهي حرمة الطعام والتعظيم [13] لنعم الله تعالى، لأنَّه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم قد شدَّد في هذا الباب أعني تعظيم نِعم الله تعالى واحترامها كثيرًا [14] ،وقد ورد أنَّ ترك ذلك [15] سببٌ إلى زوالها، وقلَّما أزال الله تعالى نعمته [16] مِن قوم فردَّها إليهم، وقد كان صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم إذا أكلَ في أهله وشبعوا تركوا القصعة إنْ لم يقدروا على لعقِها، يرفعونها [17] حتى يأتيَ مَن يَلعَقُها.
وقد حكى أبو [18] هريرة أنَّه كان يومًا [19] به جوع شديد فلقيه النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم، فقال له: (( أراك شديدَ خُلف الفم ) )، فقال: نعم، فأمره عليه الصَّلاة والسَّلام أنْ يأتي معه إلى منزله فلمَّا دخل أخرج له قصعة ليس فيها إلا لَعْقُها، قال: فقلت في نفسي: وماذا تعنيني [20] هذه؟ فلَعِقتُها وشبعتُ، أو كما قال.
ولقي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم وهو صائم لبابة خبز في قذر فغسلها وأمر بلالًا [21] أنْ يرفعها له حتى يفطر، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إنَّ القصعة تستغفر لمن يَلْعَقُها [22] ) )أو كما قال، والأحاديث في هذا النوع
ج 3 ص 527
كثيرة.
وفي هذا دليل لأهل الصوفة الذين يفرغون مِن الأكل ويغسلون أيديهم ثمَّ يشربونه [23] تعظيمًا لنعم الله تعالى وتبرُّكًا بآثار شيءٍ أُكِل عونًا على طاعة الله تعالى.
وأمَّا قولنا: هل ذلك خاصٌّ بالمسح أو عامٌّ فيه وفي الغسل؟
فالجواب: أنَّه إذا كان في المسح الذي قد ينتقل الطعام الذي تعلَّق [24] باليد إلى الشيء الممسوح فيه فكيف بالماء الذي يُذهِب [25] عينَ الطعام؟ فهو مِن باب أَولى.
وفيه دليل على أنَّ السنَّة هي [26] المسح مِن الطعام، وإنَّما الغَسل مِن فعل الأعجام [27] أعني إذا كان اليد نظيفًا فالغَسل [28] إذ ذاك مِن فعلهم، وإن كان قد جاء أنَّ الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر [29] وبعده ينفي اللَّممَ [30] ويُصِحُّ البصر فيكون الجمع بين هذين الحديثين بأحد وجهين:
(أحدهما) : أنْ يكون الغَسل لموجب له فقبل الطعام تكون [31] اليدُ غيرَ نظيفة والذي بعده يكون الطعام ممَّا فيه دسم [32] كثير لا يُزيلُه المسح، أو رائحة يكون فيها ثقل [33] ، وذلك مكروه أنْ يصلَّى به أو يكون [34] فعله ذلك غِبًّا لا يتخذه دائمًا [35] فإنَّه مخالف للسنَّة، أو يكون الغسل لِعَدم الشيء الذي [36] يمسح فيه والشأن أنْ يخرج مِن التشبُّه بأهل الكتاب الذي قد نُهينا عن التشبُّه بهم في شيء مِن الأشياء [37] .
وأمَّا قولنا: هل يكون ذلك أنْ [38] يلعقها مِن جنسه أو مِن خلاف جنسه إذا أمكن ذلك؟ فإذا فهمنا العِلَّة [39] كما قدَّمنا وهي مِن أجل حُرمة الطعام فكلُّ مَن يجوِّز لنا أنْ [40] نعطيه طعامًا يأكله ويتأتى منه اللعق على وجه [41] جاز لنا
ج 3 ص 528
ذلك ما عدا أهل الملل [42] .
وأمَّا قولنا: في ماذا يكون المسح؟ وكيف يكون؟ أمَّا في ماذا [43] ، ففي كلِّ شيء طاهرٍ لا حرمةَ له وأعني بقولي: لا حرمةَ له: تحرزًا مِن الخبز والكتاب وما [44] أشبه ذلك، أو مال الغير، فإن مَسحك فيه ممنوع إلا بإذن مالكه [45] .
وقد جاء [46] أنَّهم كانوا يمسحون تحت أقدامهم، وأمَّا الكيفية [47] فأن يكون الفعل برفق بحسب حال الشيء الممسوح فيه، وإنَّما ذكرنا الرفق فيه لقوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: (( ما كان الرِّفق في شيء إلا زانه ) )، حتى يكون في فعلك [48] أثر مِن السُّنَّة لأنَّ الشأن في هذا، جعلنا الله مِن [49] أهلها بفضله لا ربَّ سواه.
[1] في (ج) : (( ولا ) ).
[2] قوله: (( النهي ) )ليس في (ج) .
[3] في (ج) : (( ويعطي ) ).
[4] زاد في (ج) و (م) : (( أن يقال ) ).
[5] في (ج) : (( في المسح ) ).
[6] في (ج) : (( المسح الغسل يكون ) ).
[7] قوله: (( وقوله:(يُلعِقَها) هل ... وفي المسح كيف يكون وفيما يكون ))ليس في (ج) .
[8] في (ج) و (م) : (( منها ) ).
[9] زاد في (ج) : (( إلى مسح فلا يحتاج ) ).
[10] في (ج) : (( معقولة ) )وفي (م) : (( أو العلة معقولة ) ).
[11] في (م) : (( لا نفهم ) ).
[12] في (ج) : (( يعطي ) ).
[13] في (ج) : (( وأن التعظيم ) ).
[14] في (م) : (( كثير ) ).
[15] في (ط) : (( وقد ورد أنه قال تركُ ذلك ) ). في (ج) : (( ورد أن ذلك ) )والمثبت من (م) .
[16] في (ج) : (( إلى أولها وما أزال الله نعمة ) )وفي (م) : (( نعمة ) ).
[17] قوله: (( إنْ لم يقدروا على لعقها، يرفعونها ) )ليس في (ج) و (م) .
[18] في (ج) : (( أبا ) ).
[19] قوله: (( يوما ) )ليس في (ج) .
[20] في (ج) و (م) : (( تعني ) ).
[21] قوله: (( بلالا ) )ليس في (ج) .
[22] قوله: (( تستغفر لمن يلعقها ) )ليس في (ج) وفي (م) : (( تستغفر للاعقها ) ).
[23] في (ج) : (( يغسلون أيديهم ويشربونه ) ).
[24] في (ج) : (( يعلق ) ).
[25] زاد في (ج) : (( في ) ).
[26] قوله: (( هي ) )ليست في (ج) و (م) .
[27] وفي (م) و (ج) : (( الأعاجم ) ).
[28] في (ج) و (م) : (( والغسل ) ).
[29] قوله: (( الفقر ) )ليس في (م) .
[30] في (ج) : (( الهم ) ).
[31] في (ج) : (( يكون ) ).
[32] في (ج) : (( سم ) ).
[33] في (ج) صورتها: (( باد ) )وصورتها في (م) : (( تأذ ) ).
[34] في (م) : (( ويكون ) ).
[35] في (ج) : (( وإنَّما ) ).
[36] قوله: (( الذي ) )ليس في (م) .
[37] قوله: (( في شيء من الأشياء ) )ليس في (ج) و (م) .
[38] قوله: (( يكون ذلك أنْ ) )ليس في (ج) و (م) .
[39] في (م) : (( فإذا فهمها هذه العلة ) ).
[40] في (ج) صورتها: (( ليلان ) ).
[41] في (ج) و (م) : (( وجهه ) ).
[42] في (ج) : (( الملك ) ).
[43] في (ج) : (( فيما جاء ) ).
[44] في (ج) : (( ومن ) ).
[45] في (ج) : (( مالك ) ).
[46] في حاشية (ط) : (( إنَّ من السُّنَّة في المسح أنْ يكون في باطن القدم ) ).
[47] في (ط) : (( وأما الفعل ) )والمثبت من النسخ الأخرى.
[48] في (ج) : (( فعل ) ).
[49] في (ط) : (( جعلنا من ) )والمثبت من النسخ الأخرى.