مما جعل الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان ينتقد هذه الوجهة1.
إلا أنني أراها حالة طبيعية في حق رجل قال عن نفسه «ما تكلمت في علم الكلام حتى حفظت من كلام أبي بكر وحده اثني عشر ألف ورقة» 2فما بالك بكلام ومصنفات غير أبي بكر الباقلاني من المشتغلين بالكلام؟! بل إنه كرس معظم وقته للرد على الخصوم الكلاميين إلى درجة أوصى تلامذته في آخر حياته بقوله: «لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به» 3.
فلهذه الوصية قيمتها ودلالتها على اهتمامات الرجل، رغم أن ابن السبكي (ت 771 هـ) صاحب طبقات الشافعية الكبرى شكك في صحتها4.
و إذا كان التراث الكلامي للإمام الجويني قد طبع منه الكثير، فإن ما وصلنا من تراثه الأصولي لا يتعدى كتابين اثنين: أحدهما كتاب تلخيص التقريب طبع في ثلاثة مجلدات، وقد طبع قبله جزء منه وهو كتاب الاجتهاد، وكان يظن أنه كتاب مستقل، حتى طبع التلخيص فتوضحت الأمور.
والثاني هو البرهان في أصول الفقه، حقق وطبع في مجلدين ولئن كان قد صنف الكتاب الأول في بداية حياته العلمية أيام مكثه في مكة المكرمة، حيث لم يكن «قد نضجت آراؤه في وقت تأليف هذا الكتاب» 5، إذ كان ناقلا أمينا بل ومدافعا عن آراء أستاذه غير المباشر أبي بكر الباقلاني وملخصا لها ولكتابه الإرشاد والتقريب، فإنه على العكس من ذلك قام في البرهان بوظيفتين أساسيتين: تتمثل أولاهما في كونه حفظ لنا فيه بأمانة معظم «الآراء الأصولية السابقة» 6خصوصا لأقطاب الأشاعرة والمعتزلة، وأما الثانية فتكمن في أنه سجل لنا «الإضافات العلمية الجديدة، والآراء