و حققوا مقصدهم، فصنفوا في كل المجالات «فما من موضوع كتب فيه الشافعية أو الحنفية إلا وقام الحنابلة يطرقونه ويكتبون فيه» .
ومن بين هذه المجالات علم أصول الفقه، حيث صنفوا فيه «و بذلوا في سبيل إثبات أصول الإمام أحمد جهدا كبيرا» ولا يمكن إدراك وتقدير هذا الجهد ومدى صعوبته إلا إذا علمنا أن الإمام أحمد «كان يمنع أصحابه من تدوين مذهبه الفقهي» ، فكان الجهد المبذول شاقا يتطلب جمع تراث الإمام أولا ثم تأصيله ثانيا، وهنا تكمن عبقرية أبي يعلى خاصة ما بعد الفترة الزمنية لوفاة الإمام أحمد (164 هـ-241) ، فقد «تتبع ما روي عن الإمام أحمد وأخذ يستنبط من ثناياه أدلة لكل أصل من أصول المذهب تقريبا» ثم جاء من بعده أبو الخطاب الكلوذاني (432 هـ-510) فقام بإرساء «دعائم أصول الإمام أحمد» 1.
و هكذا نجد أن للتنافس المذهبي دورا مهما في تطور الكتابات الأصولية، وكنموذج على ذلك، فإن الحنابلة، في سبيل إثبات أصالة مذهبهم، قاموا بالإبداع في مجال أصول الفقه، وذلك لدحض حجج المتنكرين لمذهبهم، ولمل ء الفراغ في مجال التصنيف الأصولي عندهم ورد اتهام خصومهم لهم بعدم قدرتهم على الاستنباط الفقهي و «سيطرة الاتجاه الظاهري على تفكيرهم» 2.
و رغم أن أبا الخطاب الكلوذاني أتى في فترة مبكرة من التأليف الأصولي عند الحنابلة، الأمر الذي يفترض أن يكون جانب الأصالة والابتكار عنده بارزا، وهذا شيء محقق الوجود، إلا أن هناك عدة مآخذ على هذا المصنف بعضها سجلها محقق كتاب التمهيد، وبعضها سجلتها من خلال الاطلاع على المجلدات الأربع لهذه الموسوعة الأصولية الضخمة المحققة تحقيقا جيدا.
ومن بين المآخذ المسجلة أركز على ذكر ما يلي 3: