ثم يدعو علماء عصره إلى ضرورة نفض الغبار عن أنفسهم واقتحام ميادين الاجتهاد، لأن «الاجتهاد قد يسره اللّه للمتأخرين تيسيرا لم يكن للأسبقين، لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره، والسنّة المطهرة قد دونت، وتكلم علماء الأمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد» 1.
و لقد سلك الشوكاني مسلك المجتهدين هذا في كتابه الأصولي إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، فعلم الأصول عنده ليس علما للحفظ والاجترار، بل إنه «العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل في غالب الأحكام» ، وبما أنه من جملة هؤلاء الأعلام المجتهدين، فإنه تجاوز في تصنيفه مجرد التقليد والتكرار، بحيث لم يذكر «فيه من المبادئ التي يذكرها المصنفون في هذا الفن إلا ما كان لذكره مزيد فائدة، يتعلق به تعلقا تاما وينتفع بها فيه انتفاعا زائدا» .
أما المسائل والمباحث التي لا تتعلق بعلم الأصول ولا تفيده فقد أخذ على نفسه عدم التعرض لها.
وحين يضطر إلى ذلك يقدم الأسباب الداعية إلى ذلك، وعلى سبيل المثال حين ختم الفصل الأول المتعلق بتعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده، تقدم بمسوغات هذا الفصل قائلا: «و وجه ذكرنا لما اشتمل عليه هذا الفصل أنه يوجب زيادة بصيرة لطالب هذا العلم، كما لا يخفى على ذي فهم» 2.
كما أنه يتجنب الإطالة والإسهاب في هذه المباحث التي لا تتعلق بأصول الفقه محيلا إلى مظانها نحو قوله في مطلع الفصل المتعلق بالألفاظ «و جميع ما ذكر ههنا قد بين من علوم معروفة، فلا نطيل البحث فيه» 3أو قوله عند بحثه لدلالات الحروف: «فلا حاجة لنا إلى التطويل بهذه الحروف التي لا يتعلق بتطويل الكلام فيها كثير فائدة» 4.