تأكيد القول بأن بحث المتكلمين في الأصول أحدث نقلة نوعية وتغييرا جذريا في بنية هذا العلم.
و من بين الأبحاث الجامعية الموفقة التي أطلعت عليها بعد تسجيل بحثي كذلك، دراسة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا، أنجزته الطالبة مليكة خثيري بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة.
و قد أشارت الباحثة إلى اتسام «كتب المتقدمين بأسلوب فلسفي عميق ومعقد» الأمر الذي «كثيرا ما يؤدي إلى غموض وصعوبة فهم المعنى المقصود» وهذا الغموض وهذه الصعوبة يعودان «لطبيعة القضايا» من جهة كما تعود «إلى المنهج الذي سلكوه في استخلاص القاعدة الأصولية» فضلا عن «تعرضهم لكثير من القضايا الكلامية والمنطقية المعقدة» والذي يقرأ هذه المقدمة، قد يتبادر إلى ذهنه أن تخليص أصول الفقه من التعقيد، قد يكون هدفا من أهداف البحث على الأقل، إن لم يكن هدفه الرئيسي، إلا أنه قد يفاجأ، كما فوجئت، بأن مقاصد الدراسة لا تتضمن مثل هذا الهدف مطلقا، بل إن أهداف البحث تتلخص في «بيان مدى انعكاس الخلاف العقدي على الفكر الأصولي، وهو هدف متوقع، بالإضافة إلى هدف آخر يتمثل في «محاولة التقريب والتوفيق بين كثير من الآراء الأصولية» نظرا لأنها في حقيقة الأمر خلافات شكلية حيث «يمكن الخروج بكثير من الخلاف باللاخلاف (كذا!) ، وهو ما يسمى عند العلماء بتحرير محل النزاع» والوصول «في نهاية الأمر إلى الوفاق» 1.
ومصدر المفاجأة الناتجة عن تسطير هذا الهدف الثاني، تكمن في أن كثيرا من المصنفين القدامى، والدارسين المحدثين، بمن فيهم المولعون بعلم الكلام والخلاف الكلامي، لاحظوا، كما رأينا من قبل وسنرى فيما بعد، أن إدراج الخلافات الكلامية والعقدية، في ثنايا أصول الفقه من فضول القول، وأنه حتى إذا ساغ التوسع في هذه الخلافات فينبغي أن يتم ذلك خارج علم أصول الفقه، في حين تهدف الدراسة المذكورة إلى الوصول إلى وفاق لهذه الخلافات دون أدنى إشارة وتلميح إلى تحقيق هذا