معرض الحديث في أصول الفقه، وذلك بقوله: «قاضي السنّة أبي بكر الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار» والذي أرجحه أن هذه النسبة الكلامية مقصودة لذاتها للدلالة على دورهما الكلامي في مجال أصول الفقه.
و من جهة أخرى، فإن ما كان يحتاج إلى توسيع العبارات، وفك الإشارات، وبيان الإجمال، ورفع الإشكال ... كما في عبارة الزركشي، هي القضايا والمسائل الكلامية المقحمة حديثا في أصول الفقه، وهذا ما قام به القاضيان.
أما القضايا الأصولية الرئيسية من بيان وخصوص وعموم وأمر ونهي، وإجماع، وقياس ... وغيرها فقد كانت واضحة لدى المشتغلين بالفقه وإصوله، ولم تكن بحاجة إلى مزيد بيان لديهم، وإن كان ينقصها حسن الترتيب والتبويب في غالب الأحيان.
ويؤيد ما ذهبت إليه قولة الزركشي عن الأصوليين اللاحقين بعد القاضيين بأنهم «حرروا وقرروا وصوروا» ، والذي أراه أن القضايا التي كانت بحاجة إلى هذا الجهد هي المباحث والمسائل الكلامية المستحدثة والطارئة التي كانت بحاجة إلى مزيد تحرير مجال النزاع بين المدرستين الكلاميتين الاعتزالية والأشعرية، ومن ثم تقرير الصواب، بعد تصوير مدقق للقضايا المختلفة فيها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقال.
ولو كان الأمر يتعلق بالقضايا الأصولية وحدها، لما غاب عن الزركشي، وهو الذي جمع معظم مصادر الأصوليين من مختلف المذاهب، أن يشير إلى الجهود الكبرى، التي بذلها بعضهم من المعاصرين لهذه المرحلة من أجل إعادة ترتيب وتبويب أصول الفقه، وبالخصوص منهم أبو بكر الجصاص (ت 370 هـ) مثلا.
المرحلة الرابعة: وتتميز بردود الفعل والنقاش الكبير الذي أحدثه إدخال المباحث والمسائل الكلامية في أصول الفقه، وقد استمرت أصداء هذا النقاش طيلة القرن الخامس الهجري، وساهم فيه عدد كبير من الأصوليين من مختلف المذاهب الفقهية والكلامية.