فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 361

من هذا النقض حتى كتبه هو التي ألفها على المنهج الاعتزالي كما ذكر هو ذلك بنفسه، فضلا عن كتابه «تفسير القرآن» الذي يقول عنه: «رددنا فيه على الجبائي والبلخي ما حرفا من تاويله» 1.

إن هذه الحركية الكبيرة ذات الوتيرة المتسارعة، التي ولدها التزام الأشعري بمذهب أهل السنّة والجماعة والدفاع عنه، ورجوعه عن مذهب الاعتزال ونقضه بالمناظرات والتصنيف، هي التي سرعت بالمرور إلى المراحل الموالية حيث جرى التقاطب المذهبي والجدل الكلامي على أرضية علم أصول الفقه وانطلاقا منه.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة المزج النهائي بين علم الأصول والكلام، وفي هذه المرحلة قام القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (حوالي 325 - 415) بإدخال المسائل الكلامية في أصول الفقه بطريقة ممنهجة وكاملة، وصنف في ذلك التصانيف الكثيرة التي ثبتت باقي هذه المسائل والمباحث الكلامية في أصول الفقه، وسار معاصره القاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري (338 هـ-403) فسلك نفس المسلك، ليس لمجرد رغبة طارئة فحسب، ولكنه فعل ذلك «مناقضة للمعتزلة» 2.

وعن هذه المرحلة يمكن إيراد مقولة بدر الدين الزركشي (745 هـ-794)

الشهيرة حيث يقول: « ... حتى جاء القاضيان: قاضي السنّة أبو بكر الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال.

واقتفى الناس بآثارهم، وصاروا على لاحب نارهم، فحرروا وقرروا، وصوروا3.

و أكاد أجزم جزما قاطعا أن عبارته هذه تتعلق بدور القاضيين في إدماج أصول الدين مع أصول الفقه، فليس من الصدفة أو العبث، أن ينسبهما في مثل هذا المقام إلى مذهبيهما الكلاميين بدل مذهبيهما الفقهيين، وهو في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت