فقيها بالمعنى الدقيق للمصطلحين 1، فالإمام الشافعي مؤسس هذه الطريقة العامة لم يكن متكلما بل كان له موقف سلبي من الكلام من جهة، ومن جهة ثانية فإن أصوله «كانت تسير في اتجاهات نظرية وعملية ... ولعل أقرب المناهج إلى منهاجه منهاج الحنفية في الجملة» 2.
وإذن فلا داعي للاستمرار في تبني هذا التقسيم ومصطلحاته، والأولى بنا الآن أن نتحدث عن اتجاهين: أحدهما نظري، والآخر تطبيقي، الأول أعطى الأولوية لتقرير القواعد الأصولية العامة للاستنباط وسلامته من الشوائب، ولم يخل من ضرب الأمثلة بالفروع الفقهية للتدليل على صحة منهجه.
والثاني أعطى الأولوية لتقرير القواعد الأصولية الخاصة بالفروع الفقهية لمذهب معين (المذهب الحنفي أساسا، ثم المذاهب الأخرى استثناء) مع الإكثار من الفروع الفقهية للتدليل على صحة قواعد المذهب وأصوله، ولكل من الاتجاهين آثاره الإيجابية على الفقه والأصول، وآثار سلبية أخرى ليس هذا مكان بسطها.
إن الاتجاه النظري العام في أصول الفقه سمي باتجاه المتكلمين كما أسلفت، ومع عدم التسليم بهذه التسمية كما رأينا، فإن لها وجها من الوجوه التي قد تكون سوغتها لابن خلدون ومن تابعه، فمن جهة أولى اجتذبت هذه الطريقة ثلة من كبار نظار المسلمين من مختلف المذاهب الكلامية، ابتداء من مؤسسيها من أمثال الباقلاني الأشعري، وعبد الجبار الهمذاني المعتزلي، ومن جهة ثانية سهلت لهؤلاء المتكلمين إدخال المباحث الكلامية إلى أصول الفقه فهم بعد أن وجدوا في الأصول «ما يتفق مع دراساتهم العقلية ونظرهم إلى الحقائق مجردة» فجعلوه أداة لهم فأقحموا فيه كل ما يحلو لهم من «الفروض النظرية والمناحي الفلسفية والمنطقية» 3.
وهذا ما يقرره الشيخ أبو زهرة رحمه اللّه، في كيفية إدخال المباحث الكلامية إلى أصول الفقه.
وهو