فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 361

من أدق ما اطلعت عليه في تحديد هذه الكيفية، حيث أعجبت هذه الطائفة في البداية بالتوجه النظري العام في أصول الفقه، ولكنها سرعان ما حرفت مساره فجعلت منه مجالا للاختلاف في «مسائل نظرية لا يترتب عليها عمل، ولا تسن طريقا للاستنباط، ومن ذلك اختلافهم في تكليف المعدوم، بل إنهم لم يمتنعوا عن أن يخوضوا في مسائل هي من صميم علم الكلام ولا صلة لها بالفقه، إلا من ناحية أن الكلام فيها في أصل الدين، ومن ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء قبل النبوة» 1.

ثم تطورت كيفية معالجة المسائل النظرية والكلامية البحتة في أصول الفقه في اتجاه عمودي، حتى وصلت في مرحلة الانحطاط إلى أقصاها، فبعد إغلاق باب الاجتهاد توجه الجهابذة إلى أصول الفقه لإفراغ جهدهم هنالك، وليصرفوا طاقاتهم الاجتهادية المكبوتة فيه، ولهذا السبب لم «يضعف علم الأصول، بل وجدت العقول القوية ... في أصول الفقه بابا لرياضة فقهية» بعد أن تعذر عليهم مخالفة ما تواضع عليه الناس من غلق باب الاجتهاد، ففجروا قدراتهم العقلية «من غير أن يتورطوا في استنباط أحكام تخالف ما قرره المذهب الذي ينتمون إليه» 2.

إن إغلاق باب الاجتهاد وسيادة روح التقليد الفقهي، مثل مرحلة من مراحل أصول الفقه، وكان سببا إضافيا لإقحام مزيد من المباحث العقلية والنظرية والكلامية فيه، بكيفية ذكية جعلت منه «رياضة فقهية» دون أن «تتورط في استنباط الأحكام» ودون أن يفقد علم الأصول «قيمته الذاتية» حيث اكتسى صبغة معيارية فأصبح «معيارا توزن به الآراء» .

بل إنه أصبح أداة للحكم والفصل بعد أن كان وسيلة للاستنباط، فهو «الميزان الذي يحتكم إليه عند الخلاف» .

و يؤكد الدكتور قطب مصطفى سانو بأنه مع أبي الحسن الأشعري والجبائيين أصبحت العلاقة بين العلمين «واضحة المعالم والقسمات» 3.

ثم جاء القاضي عبد الجبار، فأدخل المسائل الكلامية في أصول الفقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت