بطريقة ممنهجة وكاملة، وصنف في ذلك التصانيف التي رسمت أو ثبتت إقحام المباحث والمسائل الكلامية في أصول الفقه، ثم أعقبه معاصره أبو بكر الباقلاني الذي سلك نفس المسلك ليس بمجرد رغبة طارئة، ولكنه فعل ذلك «مناقضة للمعتزلة» 1.
ثم تابعه في ذلك أبو إسحاق الإسفراييني (ت 418 هـ) ، وابن فورك (ت 406 هـ) ، ثم أخيرا أبو المعالي الجويني (ت 478 هـ) الذي توسع في المادة الكلامية المبثوثة في أصول الفقه، خصوصا وأن البعض يرى أن له «اختيارات اعتزالية استمدها من كلام «أبي هاشم» ومن كلام المعتزلة الذين يدافع عنهم أحيانا، ويقسو على القاضي أبي بكر الباقلاني أحيانا أخرى 2.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة أخرى مع الغزالي (ت 505 هـ) حيث أصبح إدخال المسائل الكلامية خاضعا للرغبة الذاتية في التوسع في المباحث الكلامية وليس لمجرد ضرورة علمية فقط، كالرد على الخصوم العقائديين مثلا، وفي هذه المرحلة تم صبغ أصول الفقه كاملا بالصبغة الكلامية الجدلية عن قصد وسبق إصرار، حتى مع العلم بقلة فائدتها على أصول الفقه وذلك كله لمجاراة واقع مفروض، وتحقيقا لميل شخصي دفين في أعماق النفس، وخشية من أن يوصم بالضعف والتقصير أو حتى الجهل بعلم الكلام، وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله بمناسبة حديثه في مقدمات أصول الفقه: «فذكر حجية العلم والنظر على منكريه استجرار الكلام إلى الأصول» ، ولكن الخروج عما درج عليه الناس غير ممكن رغم ما قد يكون فيه من شطط، ولهذا يضيف الإمام الغزالي: «و بعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط (أي بين الكلام وأصول الفقه) ، فإننا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه، لأن الفطام عن المألوف شديد، والنفوس عن الغريب نافرة» 3.