من انتقاد أبي نصر الفارابي (ت 335 هـ) لطرق بعض المتكلمين الذين - حسب قوله: «أخذوا طرقا عدة تقوم على المغالطة والكذب» وذلك حين تعجز طرقهم الأصلية في الإقناع، فيجدون «أن أقوالهم ليست فيها كفاية التصديق، ولا تكفي لإسكات الخصم، فيلجأون إلى إسكاته بكل الطرق .. باستعمال الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة» .
و من هنا جاء استعمال المتكلمين أسلوب الجدل والافتراضات الوهمية لدحض حجج الخصوم وإثبات قوة الحجة الذاتية، ولذلك فإن أبا الوليد بن رشد الحفيد (ت 595 هـ) يرى أن علماء الكلام «أهل جدل لا برهان .. ومنهج المتكلمين لا يوصل إلى المعرفة اليقينية، بل هو يصلح لمجرد الإقناع، فهو معرفة إقناعية وليست برهانية» 1.
إن هذا المنهج الكلامي المبني على الجدل كمنهج للإقناع، لا يتلاءم مطلقا مع المنهج الأصولي ذي الوظيفة المغايرة، إلا أن علم أصول الفقه - كما رأينا سابقا - تأثر في كثير من الأحيان بأساليب الجدل والافتراض، مما أبعده عن وظيفته الأصلية، وأدخله في متاهات كلامية وجدلية لا طائل من ورائها.
وإذا كان هؤلاء الأعلام وأمثالهم من المبرزين في علم الكلام يربأون بعلمهم أن يدخل هذه المتاهات، فأحرى بعلم الأصول إذن أن يستقل بمنهجه الاستنباطي ويستغني به عما عداه.
و من جهة أخرى فإن البواعث التاريخية التي أدت إلى نشأة علم الكلام القديم، وأعطته مضامينه وموضوعاته ومباحثه التقليدية، لم تعد قائمة اليوم، ولذلك يشير بعض الدارسين، ومن ضمنهم الدكتور عبد الكريم عثمان، إلى أن الأسباب التي أدت إلى نشأة علم الكلام، وهي الاحتكاك بالشعوب والحضارات الأخرى، والاضطرار نتيجة لذلك للدفاع عن العقيدة الإسلامية أمام التحديات والشبهات، ما تزال قائمة اليوم «لأننا نعيش في عالم تقال فيه الكلمة هنا، فتسمع في كل مكان، والنوافذ فيه منفتحة على جميع الثقافات» .