فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 361

فمن خلال هذه المداولة الفقهية العلمية المعقودة من طرف فقهاء الصحابة، تم التوصل إلى نفس النتيجة وهي الحكم بجلد شارب الخمر ثمانين جلدة، وإن اختلفت مستندات كل واحد من الصحابة، فعلي بن أبي طالب قاسها على حد القذف، وعبد الرحمن بن عوف قاسها على أخف الحدود، فضلا عن أن أصل المداولة جاء بناء على اقتراح خالد بن الوليد الذي طلب النظر في رفع العقوبة استعمالا لقاعدة كون الأحكام تدور مع الوقائع وجودا أو عدما.

3 -تثبت الصحابة من الحديث قبل الأخذ بما فيه من حكم: فقد روى مسروق أنه ذكر عند عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها «ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة» ، فقالت: «شبهتمونا بالحمر والكلاب، ولقد رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم، وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبيّ، فأنسل من عند رجليه» 1.

فها هنا استخدام لقاعدة الترجيح عند التعارض، فلقد اعتبرت عائشة أن الأمر يتعلق بتعارض قياس مع أثر يؤكد إقرار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لما يخالف هذا القياس، فرجحت رضي اللّه عنها الإقرار النبوي، باعتباره نصا في المسألة سابقا على التشبيه (أي القياس) والاجتهاد.

و يتضح من كل ما سبق أن الصحابة استعملوا المناهج الأصولية لاستنباط الأحكام، وذلك قبل تدوين أصول الفقه، فأصولهم المعتمدة، كانت هي القرآن والسنّة، والإجماع، وقد كانوا متمكنين من معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن والسنّة، وكانوا يعملون بخبر الواحد العدل كما في واقعة تغيير القبلة، أما اجتهادهم الفردي والجماعي فقد ارتكز على العمل بالقياس، والاستحسان، والاستصلاح، والمقاصد، وسد الذرائع، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا.

ويجزم بعض كبار الباحثين أن ابن عباس وضع فكرة الخاص والعام، كما ذكر عن بعض الصحابة الآخرين فكرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت