حياتهم.
بينما تكمن أهم الأسباب لدى العراقيين في أخذهم بالرأي، في تأثرهم بطريقة شيوخهم، وخصوصا عبد الله بن مسعود تلميذ عمر بن الخطاب ومقتفي منهجه، ومن بعدهما التابعيين علقمة النخعي وإبراهيم النخعي، والسبب الثاني أن العراق كانت مسكنا لكثير من فقهاء الصحابة، والسبب الثالث أن العراق كانت ملتقى المذاهب من شيعة وخوارج، ومجمع الملل والثقافات المختلفة، والسبب الأخير يكمن في كثرة القضايا والنوازل في العراق على عكس الحجاز1.
إن القول بأن أهل الحجاز كانوا يقفون عند ظواهر النصوص أمر غير مسلم به، وإلا فماذا يقال عن الإمام مالك إمام المدينة وحامل لواء الاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من الأصول التبعية؟! والتي كانت محل انتقاد من أقرب المقربين إليه مثل الليث بن سعد كما رأينا سابقا؟
و كذلك من الإمام الشافعي.
كما لا يمكن القول بأن فقهاء العراق لم يكونوا يتوفرون على آثار نبوية كثيرة، علما أن بلادهم استقبلت جمعا غفيرا من الصحابة وتتلمذ على أيديهم جمع غفير من التابعين، وهذه هي إحدى حجج الليث بن سعد في انتقاده للإمام مالك لقوله بعمل أهل المدينة، معطيا عدة أمثلة لمخالفة هذا الأصل للآثار التي عمل بها الصحابة في الشام بناء على آثار صحت عندهم، كعدم جمعهم بين العشاءين ليلة المطر، مع أن مطر الشام أكثر من مطر المدينة، وقضائهم بشاهدين رجلين أو رجل وامرأتين، وعدم اقتصارهم على شاهد واحد مع يمين صاحب الحق خلافا لما عليه عمل أهل المدينة...وهكذا.
إن الخلاف في الحقيقة لم يكن بين أهل الحديث وأهل الرأي، فكلهم يرجعون إلى النصوص ويجتهدون حين تعوزهم النصوص، وإنما الخلاف في الحقيقة مصطنع ودخيل للإيقاع بين رؤوس المسلمين وفقهائهم، وهذا ما